يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تكتفي بمحاولات السيطرة السياسية والاقتصادية على العالم، ولكنها أيضًا تسعى للانتشار “العسكري” في معظم دول العالم لتمكن محليًا أنظمة – بالأخص في دول العالم الثالث – توجه لها الاتهامات بأنها قمعية و”تنتهك حقوق الإنسان” عبر تدريبات تشرف عليها قوات العمليات الخاصة الأمريكية، وهي بذلك قد تمثل حروبًا “سرية” تخوضها أمريكا في مناطق مختلفة حول العالم.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على ماهية هذه التدريبات، وتوصيف قوات العمليات الخاصة والأدوار التي تقوم بها، ومدى انتشار تلك القوات عربيًا وعالميًا وخصوصًا بعد حادث 11 سبتمبر، وإلى أي مدى تنتهك الأنظمة التي تتعاون مع أمريكا حقوق الإنسان.

ما هو برنامج «التدريب المتبادل المشترك» JCET؟


هو عبارة عن برنامج تدريبي يوفر فرص التدريب لقوات العمليات الخاصة الأمريكية كي تتمكن تلك القوات من ممارسة مهارات ضرورية لتنفيذ مهمات مختلفة تتضمن: الدفاع الداخلي والحروب غير التقليدية والحرب على الإرهاب، ومن ناحية أخرى فيوفر هذا البرنامج فرص تدريب للقوات المسلحة في البلاد المُضيفة، وبذلك يعتمد ذلك البرنامج على المنفعة المُشتركة بين القوات الخاصة الأمريكية والقوات المسلحة للبلاد المُضيفة التي تمثل حليفًا أجنبيًا للولايات المتحدة الأمريكية.

وفي عام 1991 سمح الكونجرس الأمريكي بتمويل ذلك البرنامج التدريبي في الخارج من الميزانية العسكرية لوزارة الدفاع “البنتاجون” على أن يتم تقديم تقرير بأنشطة البرنامج للكونجرس، ودائمًا ما يرتكز ذلك البرنامج في الفترة الأخيرة على حلفاء أمريكا مع دول العالم الثالث والتي تعاني من صراعات أمنية وسياسية.

ما هي قوات العمليات الخاصة الأمريكية؟

تعرف قوات العمليات الخاصة الأمريكية (SOFs) بأنها وحدات صغيرة ومنظمة ومتخصصة تتكون من مجموعة من الأشخاص الذي تم اختيارهم بعناية لإنجاز المهمات تحت ضغوط نفسية وبدنية باستخدام المعدات المعدلة والتطبيقات غير التقليدية من التكتيكات ضد الأهداف الاستراتيجية والتشغيلية، ويتمتعون بقدرات فريدة تكمل تلك القوات التقليدية.

وتقوم تلك القوات بعمل عمليات خاصة تتبلور في الذهاب إلى مناطق وبيئات ذات “حساسية” سياسية لتحقيق إنجازات عسكرية أو دبلوماسية أو إعلامية أو اقتصادية، وتتسم بعض العمليات الخاصة بـ “السرية ” ويمكن أن تتم بشكل مستقل أو بالاشتراك مع عمليات القوات التقليدية أو الجهات الحكومية الأخرى.

أرقام عن مدى انتشار القوات حول العالم

كشفت تقارير عن تدريب قوات العمليات الخاصة، قُدمت للكونغرس والتي تم الحصول عليها – بموجب قانون حرية المعلومات – من مكتب مساعد وزير الدفاع للشؤون التشريعية، أن القوات الخاصة في الولايات المتحدة دربت قرابة 25.000 عسكري من القوات الأجنبية في 77 دولة حليفة في إطار برنامج “التدريب المتبادل المشترك” JCET في عامي 2012 و 2013 فقط.

وتفيد تقارير بأنه منذ 2012 فقد دربت القوات الخاصة الأمريكية أكثر من 3.800 عسكري أفريقي في عشرات البلدان الأفريقة واستمرت فترة التدريب الإجمالية ما يقرب من 2200 يوم.

ويذكر موقع “The Intercept” أرقامًا أكثر تفصيلًا في الفترة من 2012 وحتى 2016 تفيد بأن:
عام 2012 تم تقديم 170 برنامجًا تدريبيًا في 67 دولة، وفي 2013 تم تقديم 154 برنامجًا تدريبيًا في63 دولة، وفي 2014 تم تقديم 176 برنامجًا تدريبيًا في67 دولة، وفي عام 2015 سيكون قد تم تقديم حوالي 174 برنامجًا تدريبيًا في قرابة 65 دولة، وفي 2016 سوف يتم تقديم حوالي 180 برنامجًا تدريبيًا في قرابة 68 دولة.

وبالعودة إلى الوراء قليلًا فتشير تقديرات إلى أن انتشار قوات العمليات الخاصة حول العالم أخذ في الانتشار منذ 11 سبتمبر عام 2001 وكثرت العمليات الخاصة من حيث العدد والميزانية الدفوعة من أجلها.
ففي نهاية فترة رئاسة جورج بوش الابن تشير تقديرات إلى انتشار قوات العمليات الخاصة الأمريكية في حوالي 60 دولة حول العالم، وفي عام 2010 زاد هذا العدد ليصل إلى حوالي 75 دولة، وفي 2011 وصل عدد البلدان التي يتواجد فيها قوات خاصة أمريكية إلى 120 دولة في العالم بحسب الكلونيل “تيم ني” المتحدث باسم قيادة العمليات الخاصة.

134 حربًا «سرية» خاضتها أمريكا!


بالنظر إلى التعريفات سالفة الذكر لكل من “برنامج التدريب المتبادل والمشترك” و”العمليات الخاصة” قد تجد أنها أقرب إلى “الحروب السرية” غير المعلنة للدول التي تنتشر فيها أمريكا حول العالم.

فهي شبيهة بـ “الحروب” نظرًا لطبيعة مهام “قوات العمليات الخاصة”، وقد تكون سرية لأنه منذ عام 1942 لم يُعطَ إذن بـ “الحرب” من الكونجرس الأمريكي لأي صراع خاضته أمريكا بما في ذلك حرب العراق التي شارك فيها 187900 مجند أمريكي، وحرب أفغانسان التي شارك فيها 100 ألف مجند أمريكي.

ويرى البعض بأن أمريكا تخوض حروبًا في 134 دولة تنتشر فيها قواتها الخاصة – وفقًا لتقديرات في عام 2014 – واتساقًا مع تعريف طبيعة العمليات الخاصة والتدريبات المشتركة.

قانون ليهي

حتى لا تتوسع الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام القانون بشكل قد يؤدي إلى زيادة قمع شعوب الدول المضيفة، فهناك ما يسمى قانون “ليهي” لحقوق الإنسان، والذي يحظر استخدام ذلك البرنامج مع دول تنتهك قواتها الأمنية حقوق الإنسان، وهو ما يستوجب الفحص والدراسة لممارسات قوات الأمن للشعوب المضيفة حتى لا تقوم الجهود والتدريبات العسكرية الأمريكية بدعم الدول والأنظمة القمعية، واستبعاد تلك الدول من برنامج التدريب المشترك.

حبر على ورق!


كشف تقرير أجراه موقع The Intercept”” اعتمد على وثائق من الخارجية الأمريكية – تم الحصول عليها بموجب قانون حرية الحصول على المعلومات – تفيد بأن قوات العمليات الخاصة الأمريكية أقامت برامج “التدريب المتبادل والمشترك” مع دول تنتهك قوات أمنها حقوق الإنسان.

وقد أشار لعدد من دول العالم الثالث في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية منذ عام 2012 ومن أبرز هذه الدول: تشاد، كينيا، أوغندا، الكاميرون ،كومبوديا السلفادور، كولومبيا، المكسيك، إندونسيا، بنجلاديش، طاجاكستان، بكستان والفلبين.

أفريقيا مكان به تحديات اليوم وإذا تركناها دون الحضور فيها، فستكون مولدًا لتحديات أكثر في المستقبل.

هكذا صرح جون ماكهيو وزير الجيش الأمريكي مؤخرًا ولكن على أرض الواقع لا يبدو الوضع على ما يرام، إذ انتقد عدد من التقارير الصحفية في مواقع أمريكية وأجنبية قوات العمليات الخاصة الأمريكية وبالأخص تلك المتواجدة في أفريقيا عندما عنونت: “القوات الخاصة الأمريكية تفشل في إحكام قبضتها على الجماعات الإرهابية والانقلابات وانتهاكات حقوق الإنسان في أفريقيا”.

دول عربية

ورد في التقرير عدد من الدول العربية وهي: السعودية والبحرين والجزائر ولبنان، وتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان في عام 2012 تزامنت مع فترات التدريب المشترك بين قوات الأمن في تلك الدول العربية وبين قوات العمليات الخاصة.

ففي الجزائر لفت التقرير إلى “أن مشكلة الإفلات من العقاب لا زالت قائمة هنا”، أما عن لبنان فقد أشار التقرير إلى “التعذيب وسوء المعاملة التي تمارسه الحكومة وقوات الأمن الأخرى”.
أما عن البحرين فقد أفاد التقرير أنه تزامنًا مع 3 برامج “تدريب مشترك بين قوات العمليات الخاصة الأمريكية وقوات الأمن البحرينية”، ارتكبت قوات الأمن الحكومية عمليات قتل تعسفية أو غير قانونية، و”اعتقال واحتجاز للمحتجين بتهم غامضة”.

وأما عن السعودية فقد لفت التقرير إلى “أنه تزامنًا مع برنامج التدريب المشترك الذي استمر لـ 60 يومًا آنذاك، اشتبكت قوات الأمن السعودية مع متظاهرين كانوا يسعون إلى إنهاء التمييز الطائفي. وقالت الحكومة السعودية أن المتظاهرين كانوا مسلحين ولكن وفقًا لتقرير وزارة الخارجية الأمريكية (فقد ردت قوات الأمن على شبان كانوا يلقون الحجارة بإطلاق نار عشوائي، وفي مرات أدت اشتباكات مشابهة إلى مقتل 2 من المتظاهرين وإصابة 50”.

مراوغة!

سألت الصحيفة قيادة العمليات الخاصة الأمريكية حول ما إذا كانت القيادة العسكرية الأمريكية تستبعد الوحدات والأشخاص غير المؤهلين – الذين ينتهكون حقوق الإنسان – بموجب “قانون ليهي”، لترد قيادة العمليات الخاصة بإجابة وصفتها الصحيفة بـ “المراوغة” تم إرسالها عبر بريد إلكتروني جاء فيها: “إذا كان لديك سؤال بمن تم منعهم، أنصحك بالاتصال بوزارة الخارجية”.

اقرأ أيضًا
«سنودن» الرجل الذي كشف «السري للغاية» من وثائق الاستخبارات الأمريكية
وأيضًا
لماذا أضاف البنتاجون 75 مجندًا أمريكيًّا في سيناء؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد