هل تعرف أولئك الأشخاص الذين يقابلون المصائب في حياتهم بابتسامة ومزاح كبيرين دون أن يصابوا بالتوتر أو الانفعالات السلبية، تجد أحدهم قد التوى كاحله فيطلق مجموعة من النكات على نفسه بعدها بدقائق، وكأن شيئًا كبيرًا لم يحدث. أحيانًا ما تصيبنا الدهشة من طريقة تعامل هؤلاء مع المصائب والمواقف الصعبة بهذه الأعصاب الباردة، ونتساءل عن كيفية عدم شعورهم بالضغط والتوتر.

ما سر هؤلاء؟ هل يملكون جينات مقاومة للإجهاد والتوتر؟ هل جعلتهم تربيتهم يتمتعون بقدر استثنائي من المرونة؟ هل تعلموا طرقًا محددة للتعامل مع تحديات الحياة؟ أم أنهم يعرفون فقط كيفية تجنب التوتر؟ للإجابة عن هذه الأسئلة، نحتاج إلى الرجوع لبحوث العلماء في هذا الإطار. هنا نكشف بعض هذه الأسرار.

أهمية «الأعصاب الباردة»

قبل الدخول في هذه الأسرار، علينا معرفة أن عملية ضبط التوتر ليست مجرد رفاهية ما بالنسبة لنا، لكنها تشمل تطبيقات مهمة جدًّا. يساعد هذا الأمر – على سبيل المثال – العسكريين في الوظائف ذات الضغط العالي. وقد أدى تدخل العلم في الكشف عن هذه الأسرار أيضًا إلى أول تجربة بشرية لـ«لقاح التوتر»، والتي تعني إمكانية تطعيمنا ضد آثاره المدمرة، من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) إلى الاكتئاب.

ولكن هناك عائدًا أكبر لفهم سر الحياة الخالية من التوتر. إن معرفة سبب تعامل بعض الأشخاص مع التوتر بشكل أفضل من غيرهم، والأشياء التي قد نقوم بها جميعًا لتحسين قدرتنا على الصمود، لن تساعدنا جميعًا فقط في إدارة صراعات الحياة اليومية بشكل أفضل، بل قد تعلمنا أيضًا كيفية استخدام هذا الضغط والتوتر لصالحنا.

هناك شيء واحد مؤكد هنا، أنه سواء كنت تتأخر عن موعد مقابلة أو تتعامل مع خسارة شخص ما، فإن التوتر أمر لا مفر منه. في عام 2018، أظهرت أكبر دراسة معروفة لمستويات التوتر في المملكة المتحدة أن ثلاثة أرباع الأشخاص تعرضوا لضغوط شديدة في العام الماضي لدرجة أنهم شعروا بعدم القدرة على التكيف، يمكن أن يكون هذا التوتر ضارًّا جدًّا بحياتنا لدرجة أن واحدًا من كل ثلاثة من هؤلاء الأشخاص قد شعر برغبة في الانتحار، وواحد من كل ستة أصاب نفسه بأذى ما.

الاستجابة الفسيولوجية للتوتر

التوتر هو أيضًا استجابة فسيولوجية أساسية تسمح لنا بالتكيف بسرعة مع العالم من حولنا. ما نسميه التوتر هو في الواقع تفاعل كيميائي يبدأ في دماغنا، وتحديدًا في منطقة «اللوزة الدماغية»، التي تراقب باستمرار أي تهديد محتمل. تجمع اللوزة بين المعلومات الحسية وذكريات المواقف المماثلة للحكم على ما إذا كانت الاستجابة للطوارئ مطلوبة في هذا الموقف أم لا.

إذا دقت اللوزة أجراس الإنذار، ترسل إشارة استغاثة إلى منطقة «ما تحت المهاد» بالقرب من قاعدة الدماغ وتنشط مسارين رئيسيين. الأول يحفز نظام «القتال أو الطيران»، الذي يضخ الأدرينالين، مما يجعلنا أكثر يقظة من خلال زيادة نبضات القلب وكفاءة تنفسنا، وإجبار المزيد من الدم على عضلاتنا.

والثاني يحث على إفراز هرمونات أخرى، بما في ذلك الكورتيزول. هذا يحافظ على استجابة التوتر نشطة ويطلق الجلوكوز المخزن لمنحنا المزيد من الطاقة. كما أنه يقمع الهضم والجهاز المناعي والالتهابات، لتركيز الموارد على التهديد المباشر. عندما ينتهي التهديد، تنخفض مستويات الكورتيزول، مما يساعد على إعادة كل هذه المواد الكيميائية إلى مستوياتها الأصلية.

كل هذا مفيد للغاية عندما تواجه ثعبانًا سامًّا أو سيارة على وشك الاصطدام بك، لأنها تمكنك من البدء في اتخاذ إجراءات مراوغة قبل وقوع التهديد. هذه الاستجابة نفسها تتيح لك التركيز على عملك مع اقتراب الموعد النهائي للتسليم، وتركيز أفكارك عند التحدث أمام الجمهور.

عواقب سلبية للتوتر

لكن في بعض الأحيان، تبدأ الاستجابة للضغط والتوتر دون داع، أو تكون قوية جدًّا لدرجة أنها تغمرنا بالكامل. يمكن أن يؤدي التوتر المفاجئ أو الشديد إلى «اضطراب ما بعد الصدمة» والاكتئاب. كما يؤدي الضغط العصبي المزمن المنخفض المستوى إلى ظهور عدد كبير من المشكلات الصحية.

يمكن أن يؤدي ارتفاع مستويات الأدرينالين بدون توقف إلى تلف الأوعية الدموية وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية، ويمكن أن يسبب الكورتيزول مشكلات في الجهاز الهضمي، وزيادة الوزن، ومرض السكري، ويمكن أن يؤدي التعديل المستمر لجهاز المناعة إلى الإرهاق ومشكلات الصحة الجسدية والعقلية.

كيف تكون مرنًا أمام التوتر؟

غالبًا ما يعتمد ما إذا كان للتوتر عواقب إيجابية أو سلبية على كيفية تعاملنا معه. يطلق على رد فعلك تجاه الإجهاد ومدى سرعة عودتك إلى طبيعتك بعد زوال عامل الضغط اسم «المرونة». هذا ما يختلف بشكل كبير بين الأفراد، لكن ما الذي يجعل البعض منا مرنًا جدًّا بينما يكافح الآخرون للتأقلم؟ هذا هو السؤال المهم.

1- التربية

لا شك في أن التربية تلعب دورًا. تظهر التجارب أن الصدمات المبكرة تؤثر في استجابة الفرد للتوتر بوصفه شخصًا بالغًا. إحدى الدراسات المهمة أجريت على أطفال دور الأيتام الرومانية لقياس رد فعلهم على التوتر. أظهرت أن أولئك الذين تلقوا الرعاية قبل سن الثانية فقط لديهم مستويات كورتيزول مماثلة لمجموعة الأطفال الذين يعيشون مع أسرهم. كان لديهم استجابة ضعيفة للضغوط، مما ينتج منه كمية أقل من الكورتيزول.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن العامين الأولين من العمر هما فترة حساسة، إذ من المحتمل بشكل خاص أن تسبب بيئتنا تغييرات في الدماغ تؤثر في الاستجابة للتوتر، أما بالنسبة لجوانب البيئة المبكرة التي تعد أساسية للتنمية الصحية، فإن التجارب تشير إلى أهمية التفاعل الاجتماعي، والتحفيز، ودعم الوالدين. العامل الوحيد الأكثر أهمية في تطوير مرونة التوتر هو وجود علاقة قوية وداعمة ويمكن الاعتماد عليها، حتى لو تعرض هؤلاء لتجارب غير جيدة في طفولتهم.

2- الجينات

علاوة على ذلك، تلعب الجينات أيضًا دورًا، خاصةً تلك التي تشارك في إنتاج مادة كيميائية تسمى الببتيد العصبي (NPY). لا يعرف على وجه الدقة العلاقة، لكن الأبحاث تشير إلى أن (NPY) يعمل بوصفه نوعًا من «مفتاح التشغيل والإيقاف» للاستجابة للضغط في مواجهة التهديد، يرتفع إنتاجه في الجسم، مما يساعد في التحريض على الاستجابة السريعة، لكن المستويات تعود بسرعة إلى وضعها الطبيعي بمجرد انتهاء الخطر، والملاحظ وجود اختلافات من شخص لآخر حول هذه الجينات.

لتقييم دور «NPY» في البشر، تركز الدراسات غالبًا على أفراد القوات العسكرية الذين يؤدون أداءً جيدًا تحت ضغط شديد. دراسة أجريت على أفراد القوات الخاصة الأمريكية خلال تدريب حرموا فيه من الطعام والنوم وطاردهم العدو، كشفت عن أن الجنود حافظوا على مستويات أعلى من «NPY» لفترة أطول أثناء التمرين، ثم عادت المستويات لطبيعتها بسرعة أكبر بعد ذلك، مما يدل على أنهم كانوا أكثر قدرة على التعافي من التوتر الذي مروا به.

3- الضحك

يفرز الضحك هرمونات جيدة يعتقد أنها تجعلنا أقل احتمالية للتفكير في الأحداث الموترة أو إعادة تجربتها، كما أنه يساعدنا في بناء العلاقات، وتوفير الدعم الاجتماعي الذي يعد مفتاح «المرونة»، وهناك أخبار سارة لأي شخص يكافح للوصول للضحك، إحدى الدراسات ذكرت أن التدريب يقلل من التوتر الملحوظ، ويزيد من البهجة والقدرة على الضحك.

4- بكتيريا الأمعاء

هناك عامل إضافي مدهش يؤثر في قدرتك على تحمل الضغط. تشير الأدلة المتزايدة إلى وجود علاقة بين بكتيريا الأمعاء ومزاجنا وسلوكنا، وسلطت الدراسات الضوء على الاختلافات بين بكتيريا الأمعاء لدى الأشخاص الذين يعانون من حالات مرتبطة بالتوتر، والأشخاص الذين لا يعانون منها.

صحة

منذ 4 شهور
تمارس التأمل لتقليل التوتر؟ احترس فقد يتسبب في إصابتك بنوبات اكتئاب

يمكن للتوتر أيضًا أن يجعل أمعاءك أكثر تسربًا، مما يسمح للبكتيريا بالهروب إلى مجرى الدم، مما يؤدي إلى حدوث التهاب يمكن أن يؤدي إلى مشكلات صحية جسدية وعقلية. وجدت إحدى الدراسات أن الأزواج الذين يعانون من ضغوط مزمنة من الزواج السيئ لديهم تسريب أكثر من الأزواج الأكثر انسجامًا.

كل هذا يوضح أن الأشخاص الذين يبدون محصنين ضد الإجهاد ينعمون بمجموعة من السمات. في المستقبل ربما قد نكون قادرين حتى على تطعيم أنفسنا ضد التوتر. لكن في الوقت الحالي يوصي الخبراء بالتأكد من أن لديك الموارد المناسبة لمساعدتك في التأقلم على أحداث التوتر، مثل ممارسة التمارين الرياضية بانتظام، والنوم الكافي والوقت الكافي للاسترخاء، وتنمية شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بك، وربما حتى الاستماع للموسيقى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد