المسجد الرئيسي في دوشانبي، طاجيكستان (AP / تيودور كاي)

المسجد الرئيسي في دوشانبي، طاجيكستان (AP / تيودور كاي)

في مقالٍ نشرته صحيفة نيويورك تايمز مؤخرًا، بعنوان “الإسلام المعتدل؟ وَلِّ وجهك شطر آسيا الوسطى”، ناقش فريدريك ستار كيف يمكن لدول آسيا الوسطى ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بحكوماتها العلمانية وأسواقها الحرة، أن تمثل نموذجًا للتطور السياسي والتسامح الديني للعالم المسلم الأوسع. وبينما أثار “ستار” نقاطًا مثيرة للاهتمام بشأن التاريخ الإسلامي الفريد لآسيا الوسطى، جاء تفسيره للنهج الديني لحكوماتها الحديثة معيبًا؛ ويرجع ذلك إلى فشله في إدراك أن الأمر حين يتعلق بتأمين حقوق المواطنين على اختلاف أديانهم في ممارسة عباداتهم بسلام، يصبح التمييز بين ردود الفعل القمعية والليبرالية حيال التعبير الديني أكثر أهمية من التمييز بين الحكومات العلمانية وغير العلمانية، فتمسُّك قادة آسيا الوسطى بنموذج الحكومة العلمانية والمعارضة الصوتية لـ”التطرف” ليس مؤشرًا على الالتزام الليبرالي حيال الاعتدال الديني؛ بل هو جزء من حملة قمع أوسع ضد كل أشكال التجمع أو التعبير خارج سيطرة الدولة، ورغم أن آسيا الوسطى كانت منارة للتسامح الديني في الماضي البعيد، فإن النهج الإقليمي الحالي للتعامل مع الدين لم يفعل الكثير لتحسين الحرية الدينية أو تشجيع وجهات النظر المعتدلة، بل ينتهك حقوق المواطنين بانتظام، ما يجعله غير جدير بأن يُحتَذى. بل حصلت حكومات آسيا الوسطى، ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، على أسوأ تقييم للحرية الدينية في العالم؛ حيث يشير التقرير السنوي لعام 2013 للجنة الأمريكية لحرية الأديان الدولية بقلقٍ إلى تركمانستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، جنبًا إلى جنب مع المملكة العربية السعودية، وباكستان، وإيران، وكوريا الشمالية، وفي الدرجة الثانية تأتي كازاخستان، ورغم أن قيرغيزستان حافظت على موقف أكثر ليبرالية إلى حد ما، فإن الخطاب الذي ألقاه الرئيس ألمظ بك أتامباييف مؤخرًا يشير إلى أن الرياح قد تغير اتجاهها، كما يشير مشروع مركز بيو للأبحاث إلى وجود مستويات عالية من القيود الحكومية الدينية في قيرغيزستان وتركمانستان، ومستويات عالية جدًّا (وهي الدرجة الأسوأ على الإطلاق) في كازاخستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان.

وتشمل الممارسات المثيرة للقلق في هذه البلدان: حظر الملابس الدينية في الأماكن العامة، ومنع الأطفال عن المساجد، واشتراط متطلبات تجعل من المستحيل تقريبًا على الجماعات الدينية أن تعمل بصورة قانونية، والتضييق على من يصنفهم النظام “إرهابيين” وسجنهم، ولا غروَ والحال هكذا أن يقول ثلث المسلمين الذين شملهم الاستطلاع في قيرغيزستان (32 %)، وكازاخستان (32%)، وطاجيكستان (40%)، وأكثر من نصفهم في أوزبكستان (61%، وهو أعلى مستوى بين الدول التي شملها الاستطلاع) أنهم لا يشعرون بحرية في ممارسة شعائرهم الدينية، وهي الأرقام المماثلة تمامًا لنظيرتها في دول الشرق الأوسط المشمولة في العينة، والتي تراوحت ما بين 54% في مصر و52% في العراق، و12% في المغرب و10% في لبنان.

وبناء على هذه الأدلة، يصعب اعتبار السياسة الدينية التي تنتهجها آسيا الوسطى تفضي بشكل أو بآخر إلى الحرية الدينية.

وبالطبع لا يبرر قادة تلك الدول القوانين على أساسٍ من التسامح الديني، لكن بحجة أنهم يتعرضون للتهديد من المتطرفين الإسلاميين، ويصرون على أن شبكات المتطرفين قوية، ولولا سجْن الملتزمين وفرض تنظيم صارم على النشاط الديني لارتفعت وتيرة الهجمات أكثر، مستشهدين بهجماتٍ عنيفة شهدتها المنطقة بالفعل على مدى العقدين الماضيين، لكن ميول هذه الحكومات لوصم كل المعارضين بالتطرف – ناهيك عن استخدام التعذيب للحصول على الاعترافات – والخلط بين التدين والميل للعنف، يجعل من الصعب تقييم المدى الحقيقي للمعتقدات المتشددة. ففي التصريحات الرسمية والمحادثات الشعبية يُسخَر من الملتحين والمحجبات باعتبارهم “وهّابيين”، ويوصمون بـ”الخطر”، وهو ما أظهره استقصاء أُجْرِيَ مؤخرًا كشف أن 39% من المواطنين في طاجيكستان، و62% في قيرغيزستان، و63% في كازاخستان “قلقون” بشأن التطرف الديني، وحتى لو كانت هذه التهديدات مرتفعة بالفعل، فإن البحوث الحالية تشير إلى أن قمع الدين هي الطريقة الأسوأ للرد على ذلك. فعلى سبيل المثال، يؤكد محمد حافظ، بحجج مقنعة، أن احتمالية نشوب تمرد إسلامي تصبح أكثر ترجيحًا عندما تطلق الدولة جماح قمعها دون تمييز، وتكبح كل أشكال المشاركة السياسية الأخرى، وتُضَيِّق على السكان، ومن ثمَّ تُقَوِّي حجج القائلين بأن السبيل الوحيد للمُضيّ قدمًا يكون عبر استخدام العنف للإطاحة بالنظام الحالي، ويتعاظم التعاطف الشعبي مع الجماعات المتشددة نسبيًّا – وهو التوجه الذي رصده إريك ماكجلينتشي في أوزبكستان – إلى جانب الإحباط من الفساد الحكومي وعدم الكفاءة والعنف التي يشير إليها المحللون كمصادر لدعم التشدد في كازاخستان وطاجيكستان.

قد تبدو هذه الملاحظات غريبة في ضوء الربط الأكاديمي الحديث بين الفقر وقهر الدولة، ودعم التطرف الإسلامي، لكنها مؤكدة بتجاربِ مسحٍ في باكستان؛ أظهرت أن الأشخاص الفقراء أقل ترجيحًا لأن يدعموا جماعات العنف الإسلامية؛ لخوفهم من تحمل وطأة الآثار السلبية للعيش في بيئة عنيفة. وآسيا الوسطى، ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ليست استثناء من هذا النمط العام؛ فرغم المشكلات الخطيرة في المنطقة، يميل معظم المواطنين إلى طأطأة رؤوسهم كي يبقوا على قيد الحياة، بدلاً من الانخراط في نوعٍ من الانتفاضة العنيفة. ومع ذلك، يسفر العنف الذي ترعاه الدولة جزئيًّا عن دعمٍ محدودٍ للتطرف؛ فببساطة: إذا كنتَ عرضة للاتهام بالتطرف والتعرض للتعذيب وربما الإعدام بغض النظر عن معتقداتك، فليس ثمة سبب وجيه لتحاشي الجماعات المتطرفة؛ بهدف تجنب الوقوع ضحية للعنف.. على الأقل سوف تقدم لك الجماعة المسلحة بعض الأمل في تغيير النظام.

ورغم أن هذا المقال المذكور في البداية، والكثير من النقاش السياسي في المنطقة، يركز على مخاطر الإسلام المتشدد، فإنه يتجاهل نقطة أكثر أهمية؛ فالمشكلة الحقيقية التي يفرزها القمع، بحسب ساره كيندزيور، لا تكمن في ما يولده من عدم استقرار أو تطرف، بل في أن الأنظمة المبنية على الخوف يمكنها الاستقرار بشكل مدهش، وجعل الناس الذين يعيشون تحت حكمها يرزحون تحت وطأة البؤس لفترات طويلة، ومزيجٌ من الخوف وعوامل أخرى يعني أن سكان آسيا الوسطى، ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لن يدعموا الإسلام المتشدد بأعداد كبيرة على الأرجح، لكن لا ينبغي الوقوع في خطأ اعتبار غياب التشدد المرئي أو التمرد المفتوح علامة على الحكم الفعال، ولا أن يُنظَر لإكراه الأفراد على نسخة رسمية من الإسلام باعتباره اعتناقًا لـ”الإسلام المعتدل”. كما أن التدين لا يعني دعم العنف؛ حيث أظهرت البيانات ذاتها انخفاض مستويات دعم العنف الديني في آسيا الوسطى والعالم الإسلامي الأوسع.. بل إن التدين لا يعني نقص دعم الديمقراطية، كما أظهرت أماني جمال ومارك تسلر.

علاوة على ذلك، رغم تعافي مستويات الناتج المحلي الإجمالي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، واصلت البنية التحتية التدهور، حتى باتت أجزاء ريفية كثيرة في آسيا الوسطى تفتقر إلى التدفئة والمياه والكهرباء والمدارس والخدمات الصحية، وفي بعض الحالات، ساعد نمو المجتمعات والجمعيات الخيرية الإسلامية في آسيا الوسطى الناس على استئناف الحياة في مواجهة الشُحّ المتزايد في السلع العامة، لكن الظهير الشعبي الذي تحظى به هذه الإجراءات، يمكن أن يقلق حكومات آسيا الوسطى باعتبارها تهديدًا سياسيًّا، ومن ثم السعي لتشويهها عبر وصفها بـ”التشدد”، وهو ما حرصت عليه الحكومة الطاجيكية بالفعل، ووثَّقه كريستيان بلور.

وقد أصاب “ستار” في حديثه عن أهمية أن تُولِي الولايات المتحدة اهتمامًا مستمرًّا بآسيا الوسطى، ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ لكن ليس لأن حكومات المنطقة يمكن أن تقدم نموذجًا سياسيًّا يُحتّذى، لكن لأن ممارسات هذه البلدان فيما يتعلق بالحرية الدينية وحقوق الإنسان على نطاق أوسع تستحق دراسة متأنية بينما تقرر الولايات المتحدة – من بين أمور أخرى – كيف توزع معداتها العسكرية المتخلفة عن انسحابها من أفغانستان، وعلى الرغم من كل العقبات التي يواجهونها، فإن الجيل المثالي الذي أشار إليه “ستار” لا يزال موجودًا، وسيقدم صناع القرار له أفضل خدمة إذا توقفوا عن افتراض أن الحكومة العلمانية والحكومة الليبرالية صنوان متكافآن.

علامات

حريات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد