منذ توقيع حركتي “فتح وحماس” لاتفاق المصالحة الأول في الخامس عشر من مارس عام 2005 والأخير في الثالث والعشرين من أبريل العام الجاري ويشكل ملف التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والاحتلال” الإسرائيلي” في الضفة المحتلة وحتى الآن معضلة كبيرة بين الطرفين، حتى أنه كان من ضمن الشروط الرئيسية لإتمام ملف المصالحة، لكن في الوقت الراهن أخذت مفرداته تتوسع شيئا فشيئا.

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد رفض الاثنين الماضي أي دعوات لوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، مؤكدًا أن حل السلطة الفلسطينية غير وارد في ظل تعثر عملية السلام مع الدولة العبرية.

وفي الوقت الراهن فإن أكثر ما يقلق “إسرائيل” من حكومة التوافق الفلسطينية هو مستقبل التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، الذي تضاربت التصريحات حوله بين الأطراف الرئيسية المشكلة للحكومة، “فتح وحماس”، ففي حين اعتبره الرئيس الفلسطيني محمود عباس من المقدسات، قال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق أن حركته وقعت على اتفاق يلغى التنسيق الأمني الذي لن يستأنف في ظل حكومة التوافق، بيد أن هذا الاتفاق على ما يبدو ذهب أدراج الرياح في ظل استمرار التنسيق الأمني.

حتى أن ” إسرائيل” خفضت مستوى العلاقات مع السلطة الفلسطينية مؤخرًا إلى أقصى حد واقتصرته على التنسيق الأمني مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وإسناد مهمة التنسيق إلى قائد الاحتلال بالضفة الغربية الجنرال “نيتسان ألون” ومنسق العمليات في المناطق “يوأف مردخاي” بدلاً من الوزراء من أجل الحفاظ على الأمن الجاري في المناطق.

اتفاقات موقعة

التشبث” الإسرائيلي” بهذا الملف جاء بعد توقيع اتفاق المصالحة الأخير، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني، لذلك تعتبره” إسرائيل” أمرًا ضروريًا لا يمكن الاستغناء عنه، كونه يسهم بشكل كبير في صد الهجمات الفلسطينية، وتقييد حرية عمل نشطاء المقاومة في الضفة الغربية، إلى جانب ضمان سلامة الأمن “الإسرائيلي”.

ونصت رسالة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، عام 1993 والتي صدرت قبل توقيع اتفاق أوسلو على تعهد منظمة التحرير الفلسطينية بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وجاء اتفاق أوسلو بعد ذلك لينص على إقامة تنسيق أمني بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون أن يدخل بتفاصيل.

وأضاف الاتفاق أن إسرائيل مسؤولة عن الأمن الإجمالي في الأرض المحتلة عام 1967، مما أعطى “إسرائيل” حق الدفاع عن هذه الأرض ضد أي عدوان خارجي، وحق العمل الأمني فيها في أي وقت تشاء.

ومع قيام السلطة الفلسطينية عام 1994 في غزة وأريحا، قالت “إسرائيل”: “إن توسيع الرقعة الجغرافية لعمل السلطة الفلسطينية مرتبط بأداء السلطة الأمني، ومدى قدرتها على ضبط الأمن لصالح إسرائيل”.

وكما جاءت اتفاقية طابا لعام 1995 لتضع توضيحًا للتنسيق الأمني بحيث نصت على أن السلطة الفلسطينية مسؤولة عن منع الإرهاب والإرهابيين واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم، أي على السلطة الفلسطينية منع المقاومة الفلسطينية، فضلًا عن امتناع السلطة الفلسطينية عن ملاحقة من عملوا مع “إسرائيل” على مدى السنوات، وعلى عدم الإضرار بمصالحهم الشخصية مثل الطرد من الوظيفة.

ونصت الاتفاقية على أن جهاز الشرطة الفلسطيني هو الجهاز الأمني الوحيد المصرح به في الأرض المحتلة عام 1967، وأن التنسيق الأمني يجري عبر لجنة فلسطينية “إسرائيلية” مشتركة.

ركائز الاتفاق

جملة من الركائز تم الاتفاق عليها بين السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” فيما يتعلق بالتنسيق الأمني بينهما وهي:

أولا: ظهور أجهزة أمنية فلسطينية غير جهاز الشرطة وخارج نصوص الاتفاقيات المعلنة، حيث ظهرت أجهزة مثل الأمن الرئاسي، والأمن الوطني، والأمن الوقائي، والمخابرات، والاستخبارات وأمن المؤسسات، والبحرية وغيرها، وتبين أن جزء من عملها يصب في ملاحقة “الإرهاب” عن طريق الاعتقال المباشر، أو التهديد أو الطرد من الوظيفة.

ثانيا: تسليح السلطة الفلسطينية وفق المعايير “الإسرائيلية” وتحت سمع وبصر الأجهزة الأمنية “الإسرائيلية”.

ثالثا: ربط الفلسطينيين بالمال لكي يبقوا ملتزمين بالأمن “الإسرائيلي” حيث تم استئجار الفلسطينيين بصورة غير مباشرة لخدمة الأمن “الإسرائيلي”، والسلطة الفلسطينية تعي تماما أن توقفها عن التنسيق الأمني مع إسرائيل، وحل الأجهزة الأمنية التي تخدم الأمن “الإسرائيلي” سيؤدي إلى توقف تدفق الأموال إليها، وسيتوقف صرف رواتب موظفيها.

رابعا: تشجيع الفلتان الأمني لكي يتحول انتباه الشعب الفلسطيني عن خدمة “إسرائيل” أمنيا لصالح طلب الأمن المدني لأنفسهم.

خامسا: وجود إشراف أمريكي على التزام السلطة الفلسطينية بالمتطلبات الأمنية “الإسرائيلية” ، وبالتالي اتفقت “إسرائيل” وأمريكا على توظيف منسق أمني أمريكي للتأكد من حسن أداء السلطة الفلسطينية لمهامها الأمنية، ولتوجيه السلطة الفلسطينية بالطريقة المناسبة التي تحقق أقصى أمن ممكن للإسرائيليين بمن فيهم المستوطنين.

سادسا: تشييد المواقع الأمنية ومراكز التدريب بإشراف أمريكي، حتى قامت أمريكا ببناء العديد من المراكز الأمنية للأمن الوقائي والمخابرات والشرطة والاستخبارات وفق مواصفات تتناسب مع سهولة سيطرة إسرائيل عليها فيما إذا لزم الأمر، وأنشأت مراكز تدريب متطورة وخصوصًا في أريحا.

ميادين التنسيق

1- الدوريات المشتركة والتي تعني أن تسير دوريتان عسكريتان فلسطينية وإسرائيلية معا لضمان أمن بعض الطرق عبر المدن الرئيسية.

2- ملاحقة سلاح المقاومة وهو السلاح المخصص لقتال “إسرائيل” والذي تحمله عناصر المقاومة التابعة لبعض الفصائل الفلسطينية بخاصة حماس والجهاد وشهداء الأقصى.

3- اعتقال من يشتبه برغبتهم ونواياهم بمقاومة الاحتلال وزجهم بالسجون بدون محاكمة وتعذيبهم بشدة.

4- ملاحقة التنظيمات التي تتبنى فكرة المقاومة وهدمها تمامًا والقضاء على بناها التحتية كما يحصل الآن ضد حركتي حماس والجهاد الإسلامي وشهداء الأقصى في الضفة الغربية المحتلة.

5- إشاعة الذعر في صفوف الشعب الفلسطيني من حيث نشر المخبرين ومندوبي أجهزة الأمن للتفتيش على أقوال الناس وأعمالهم وتوجهاتهم، وملاحقة المنتقدين للسلطة وأجهزتها الأمنية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد