استحوذ الجانب الإنساني على نصيب الأسد من التغطية الإعلامية السائدة لأزمة الروهينجا، ورغم أهمية هذه الزاوية، إلا أن ثمة جوانب أخرى لأزمة الروهينجا لا تقل خطورة عنها؛ مثل البعد الأمني لهذه الأزمة!

فما الذي يمكن أن يحدث حين يُهَجَّر 1.2 مليون لاجئ روهينجي قسرًا، وتغلق حكومة ميانمار باب العودة إلى الوطن في وجوههم، وتعزلهم بنجلاديش في مخيمات تمنعهم من الاندماج مع المجتمع المضيف، ويتركهم العالم في وضع مؤقت لفترة طويلة دون عملٍ أو أمل؟

الأمر أشبه ما يكون بـ«صندوق باندورا» يحتوي على مختلف المخاطر الأمنية. إذ ربما يتحول اللاجئون اليائسون إلى التطرف العنيف، أو تصبح المعسكرات ذاتها قاعدة للتمرد العابر للحدود، أو يصبح مجتمع الروهينجا قناة لنقل المخدرات إلى بنجلاديش، أو يحدث انتقال غير منظم إلى دول أخرى مثل أستراليا والهند، وما يتمخض عن ذلك من مخاطر على الأمن القومي للدولة المقصد.

تواجه بنجلاديش الآن معضلة خطيرة بشأن مستقبل 1.2 مليون لاجئ روهينجي مسلم تدفقوا إلى حدودها من ميانمار المجاورة، لكن جهودها لاحتواء هؤلاء اللاجئين وعزلهم عن المجتمع السائد تهدد بخلق مجتمع متطرف معزول.

لعبت أستراليا أيضًا دورًا مهمًا في تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة لهؤلاء المنكوبين، لكن تلوح الآن مشاكل أكثر خطورة في الأفق. إذ يوجد حاليًا أكثر من مليون روهينجي يعيشون داخل أكبر مخيم للاجئين في العالم بالقرب من مدينة كوكس بازار، بالقرب من حدود ميانمار. 

دينهم مشهور بالمحبة والسلام.. تاريخ البوذيين مع الدماء!

 

صحيحٌ أن الأزمة الإنسانية العاجلة ربما تكون مرت مؤقتًا بفضل المساعدات الدولية، إلا أن مستقبل الروهينجا لا يزال قاتمًا، خاصة وأنهم لا يغادرون المخيم ويُمنَعون من العمل.

التقرير التالي يسلط الضوء على هذا البعد الأمني المسكوت عنه لأزمة الروهينجا على المدى الطويل، وما قد تُمثله من تهديدات أمنية للمنطقة كلها.

الروهينجا و«الرقص القسريّ على السّلم»

تتبنى بنجلاديش سياسة تعتمد على احتواء الروهينجا المنكوبين، ومنعهم من الاندماج في المجتمع السائد، والتأكد من أن إقامتهم ليست دائمة. إذ تأمل  الحكومة البنجلاديشية في أن يعود الروهينجا إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن، لكن كيف وقد أصبحت غالبية بيوتهم في الوطن أطلالًا بعدما أحرقتها قوات الحكومة الميانمارية، أو هدمتها ودمرتها بالجرافات لمحو أي أثر لحياتهم السابقة

Embed from Getty Images

على الجانب الآخر فمن حق قادة الروهينجا أن يطالبوا بالأمن والاعتراف بوضعهم الطبيعي مواطنين في ميانمار، شرط مسبق لعودتهم. لكن لا يُتَوَقَّع تلبية أي من هذه الشروط في أي وقت قريب؛ لسبب بسيط: وهو أن البيئة الأمنية تدهورت أكثر منذ طردهم من ميانمار.

فقد احتُجِزَ حوالي 120 ألفًا من الروهينجا، الذين ما زالوا في ولاية راخين بمخيمات النازحين داخليًا. ومنذ أوائل عام 2019 تصاعدت حدة القتال بين قوات حكومة ميانمار و«جيش أراكان».

لذا فمن المستبعد أن تمنحهم ميانمار أي نوع من المواطنة. ليس بعد أن حقق النظام هدفه الذي يسعى إليه منذ عقود، وهو طرد الروهينجا؛ إذ لا يوجد سبب كافٍ لعكس الوضع الراهن الجديد. 

كما دعمت الصين والهند، القوتان الكبيرتان في المنطقة، نظام ميانمار صراحة أو ضمنيًا، بل رددت حكومة مودي خطاب حكومة ميانمار صراحةً، واصفة الروهينجا بأنهم «بنجاليون غير شرعيين» و «إرهابيون».

أزمة الروهينجا: 4 مخاطر أمنية تلوح في الأفق!

1. بؤرة للتطرف والجماعات المسلحة

أحد المخاوف الكبرى هو احتمالية التطرف العنيف. صحيح أن المحاولات المستمرة من جانب المتشددين الأجانب لجذب الروهينجا إلى هذه الساحة لم تكتسب الكثير من الزخم حتى الآن، لكن من الصعب تخيل أن هذا سيستمر، بينما يقبع أكثر من مليون شخص في المخيمات دون أي مستقبل.

هناك عدد صغير من الجماعات الإسلامية المسلحة في ميانمار، لكنها ضعيفة وغير منظمة. وكان لدى بعضها روابط دولية ضعيفة، لا سيما مع الإسلاميين في جنوب آسيا، لكن هذه العلاقات لم يكن لها تأثير ملموس على أهدافهم أو قدراتهم التشغيلية.

لكن حتى لو كانت الروابط بين الجماعات المسلحة الدولية ومجتمع الروهينجا هامشية قبل عام 2016، فإن الإمكانيات متاحة الآن لتطويرها. خاصة وأن الحالة المزرية في ميانمار وبنجلاديش جذبت انتباه مختلف الجماعات المسلحة؛ ما دفع رئيس الوزراء الماليزي السابق إلى التحذير من تهديد أمني خطير يعصف بالمنطقة بأسرها.

فقبل عام 2016 لم تكن محنة الروهينجا مصدر قلق كبير للجماعات الإسلامية، لكن الأحداث المأساوية التي حدثت خلال العامين الماضيين والدعاية التي حظي بها اللاجئون أثارت اهتمامًا أكبر، ومهدت الطريق لإمكانية جذب المقاتلين الأجانب إلى المنطقة، كما حدث في الفلبين، لفتح جبهة إسلامية جديدة.

Embed from Getty Images

2. تحول المخيمات إلى قاعدة للتمرد عبر الحدود

بالفعل كانت هناك هجمات (هواة نسبيًا) شنتها مجموعات من الروهينجا ضد قوات أمن ميانمار. على الرغم من أن سلطات بنجلاديش يمكن أن تحد من أنشطة متمردي الروهينجا، إلا أنه من المحتمل وقوع حوادث غير مقصودة عبر الحدود بين قوات ميانمار وبنجلاديش.

لكن جيش ميانمار يتخذ هذه التهديدات ذريعة لزرع ألغام أرضية على الحدود مع بنجلاديش، بهدف منع الروهينجا من العودة إلى بيوتهم، حسبما أكدت شهادات لشهود عيان وتحليلات من خبراء في مجال الأسلحة لـ«منظمة العفو الدولية». 

على الجانب الآخر نشر حرس حدود بنجلاديش قوات إضافية لتسيير دوريات على حدود البلاد البالغ طولها 54 كم مع ميانمار، خوفًا من اقتحام نهر ناف ومناطق حدودية أخرى.

3. قناة لتهريب المخدرات

من المحتمل أن يكون أكبر تهديد مباشر هو احتمال أن يصبح مجتمع الروهينجا قناة لدخول المخدرات إلى بنجلاديش. وقد أجبر نقص الفرص الاقتصادية في ميانمار بالفعل بعض الناس على ممارسة أنشطة غير مشروعة مثل توزيع المخدرات. 

تنتج المختبرات في المناطق غير الخاضعة لسيطرة ميانمار مخدر الميثامفيتامين المعروف محليًا باسم «يا با». ففي ظل عدم وجود أي مصدر دخل قانوني في بنجلاديش، هناك خطر كبير من تطوير شبكات لتهريب وتوزيع مخدر «يا با» في جميع أنحاء بنجلاديش، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المجتمع.

خلال السنوات الماضية، تعمق موقع ميانمار في تجارة المخدرات العالمية، وبعدما كانت المساحة الإجمالية المزروعة بالأفيون في عام 2015: 55 ألف و500 ألف هكتار (212 ميل مربع)؛ ما يوازي حجم سان فرانسيسكو تقريبًا، تزايدت المساحة المزروعة بشكل كبير منذ عام 2006، بحسب الأمم المتحدة. 

4. نزوح وهجرة غير شرعية

مصدر القلق الرئيس (بالنسبة لأستراليا وغيرها) هو احتمال تدفق السكان على نحو غير منظم. خاصة وأن بعض الروهينجا انتقلوا بالفعل من بنجلاديش إلى الهند وتايلاند وماليزيا المجاورة. 

لكن الشبكات المتنامية في جميع أنحاء المنطقة سوف تسهل التنقل إلى أستراليا، إذا قررت أعداد كبيرة من الأشخاص أن الوقت قد حان للانتقال. يمكن أن يصبح هذا الأمر أكثر ترجيحًا عندما يدرك الروهينجا أنه لا توجد عودة إلى ميانمار وربما لا يوجد مستقبل لهم في بنجلاديش.

أستراليا لديها مصلحة أعمق بكثير في استقرار بنجلاديش وأمنها. ذلك أن إنشاء قاعدة لشعب جنوب آسيوي مشرد بشكل دائم يمكن أن يلحق الضرر بالأمن الإقليمي بطرق قد لا نتخيلها بعد، تمامًا كما تركت محنة الفلسطينيين ندبة دائمة على جبين الشرق الأوسط.

كانت أستراليا سخية في معالجة الأزمة الإنسانية العاجلة، لكن هناك مشاكل أكثر خطورة تلوح في الأفق. ومن المرجح أن تفشل الجهود التي بذلتها بنجلاديش لاحتواء مجتمع الروهينجا.

يمكن أيضًا أن يعبر عدد كبير من الروهينجا الحدود التي يسهل اختراقها بين الهند وبنجلاديش. وفقًا للأرقام الرسمية، دخل حوالي 40 ألف لاجئ من الروهينجا بالفعل إلى الهند، بينما يعتقد البعض أن العدد الفعلي أكبر بكثير. 

قبل أن تنفجر القنبلة.. ما الذي قد ينزع فتيل الأزمة؟

جردت سلطات ميانمار الروهينجا من حقوق المواطنة الكاملة في عام 1982. وتواصل الحكومة تقييد أكثر من 120 ألف نازح داخلي من الروهينجا في أكثر من 20 معسكر اعتقال في خمس بلدات في ولاية راخين؛ مما حرم كثيرين من المساعدات الإنسانية والصحية الكافية. كما تحرم السلطات الروهينجا في ميانمار من الحق في حرية التنقل والحقوق الأساسية الأخرى وتواصل إنكارها للأدلة التي تؤكد ارتكاب جرائم وحشية جماعية ضد الروهينجا.

وهناك أيضًا تأثير مباشر على الأراضي والموارد المحلية في بنجلاديش، مثل: فقدان مساحات شاسعة من الغابات لبناء مخيمات اللاجئين. ناهيك عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والصحية المتزايدة. كما أدت المستوطنات العشوائية والمؤقتة على منحدرات التلال والأراضي الحرجية إلى تفاقم خطر الانهيارات الأرضية وغيرها الكوارث.

Embed from Getty Images

في خضم هذه التهديدات، يحاول معظم الروهينجا في ميانمار الابتعاد عن أنظار الحكومة والبوذيين المحليين، ويتمحور تركيزهم حول البقاء على قيد الحياة، وتحسين فرصهم إذا أمكن، وليس الإطاحة بالنظام، بعدما رأوا أن العنف يؤدي إلى نتائج عكسية.

لكن عند النظر إلى اللاجئين في بنجلاديش، يمكن العثور على كل العوامل التي حددها خبراء التطرف تقريبًا، بدرجات متفاوتة. صحيح أن اللاجئين، الذين يشكل النساء والأطفال نسبة كبيرة منهم، منشغلون هم أيضًا ببقائهم اليومي، ولا توجد مؤشرات واضحة على أنهم على وشك الانخراط في حملة عنف دولية، لكن إذا انتشر فيروس التطرف ولو في أوساط نسبة صغيرة للغاية منهم، ستكون هناك مشكلة أمنية كبيرة.

هذه التهديدات الأمنية ليست قدرًا محتومًا، ويمكن تجنبها إذا مُنِحَت أزمة الروهينجا الاهتمام الكافي، ووجد اللاجئون في بنجلاديش سببًا للتشبث بالأمل في حدوث تغيير حقيقي. ومثل هذه التدابير وإن كانت لن تقضي على كافة الأخطار الكامنة تحت السطح، لكنها يمكن أن تقللها بدرجة كبيرة.

يحذر من «أسلمة» أوروبا ويداهن عسكر ميانمار.. وجه الدالاي لاما الذي لا نعرفه!

 

علامات

ميانمار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد