حسام الهندي
حسام الهندي

1,681

يقف أمام الرئيس ويكرر القسم، يخرج من الديوان حاملًا لقب وزير، له من النفوذ والمواكب والمكاتب والوجاهة الكثير، لكنه في مصر الآن يفتقد السلطة، بمعنى مختصر «وزير بلا صلاحيات» أمرٌ أصبح طبيعيًّا في مصر، تلك الموجة لتهميش دور المدنيين في مؤسسات الدولة تصاعدت خلال السنوات الماضية، وخاصة بعد 3 يوليو (تموز) 2013، ووصلت لأعلى مراحلها مع تولي عبد الفتاح السيسي الرئيس المصري الحكم في يوليو (تموز) 2014، ليصبح قادة الجيش وبعض الهيئات مسئولين عن جميع الملفات تقريبًا، بداية من الصحة والتموين، ومرورًا بالإسكان والنقل، ووصولًا للخارجية، وتدخل أحيانًا على الخط المخابرات العامة دون سبب منطقي.

«ساسة بوست» يرصد استبدال الوزراء المصريين في المواقع المختلفة (سيادي أو خدمي) بالإدارات المختلفة للقوات المسلحة مستبعدًا رصد ما رصده البعض من قبل عن النشاط الاقتصادي للجيش الذي تعاظم عقب 30 يونيو (حزيران) 2013، مكتفين بالبحث حول غياب المهام الرئيسية للوزراء المصريين في ملفات كاملة.

المخابرات والدبلوماسية الخارجية

اعتادت الأنظمة المصرية المختلفة الاستعانة بشركات دعائية في الداخل الأمريكي لمحاولة تصحيح صورتها خلال بعض الفترات الزمنية، وكان نظام مبارك من أوائل من قاموا بذلك، وتبعه المجلس العسكري، وحكومة حازم الببلاوي. كما كان يمرّ هذا التعاقد مع تلك الشركات المختلفة عبر وزارة الخارجية المصرية، ولكن الجديد ما كشف عنه الموقع الرسمي لوزارة العدل الأمريكية منذ أيام حول تعاقد المخابرات العامة المصرية مع شركتين أمريكيتين تعملان في مجال العلاقات العامة بهدف تحسين صورة مصر في الولايات المتحدة، ووفقًا لما هو معلن فالعقد الذي يقدر بقيمة نحو 1.8 مليون دولار سنويًّا تم إبرامه في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، بتوقيع ناصر فهمي -مدير عام جهاز المخابرات المصرية نيابة عن خالد فوزي رئيس الجهاز-، الغريب وغير متوقع ليس القيام بالتعاقد، ولكن أن يكون التعاقد من خلال جهاز الاستخبارات المصري الذي لا يتضمن دوره تحسين صورة مصر على الإطلاق، كما أنه يعزز أنّ إدارة الدولة المصرية تسيطر عليها الأجهزة الأمنية، وليست المدنية.

نظام السيسي خالف المتعارف عليه من قبل، إذ كانت تتم التعاقدات عبر الدبلوماسيين المصريين في الولايات المتحدة، باعتبار أن الأمر شأنٌ دبلوماسيّ، كما حدث في أكتوبر  (تشرين الأوَّل) 2013 حين قدمت «جلوفر بارك»، إحدى الشركات المتخصصة في مجال الدعاية والعلاقات العامة والاستشارات السياسية، نسخةً من العقد المبرم بينها وبين حكومة حازم الببلاوي التي تولت إدارة البلاد عقب اجتماع 3 يوليو (تموز) 2013، وعزل الرئيس السابق محمد مرسي، وكانت تهدف الحكومة وقتها لتشكيل لوبي للضغط على الإدارة الأمريكية عقب قرارها تجميد جزء من المساعدات الأمريكية العسكرية لمصر، ووقع العقد في هذا التوقيت نائب السفير المصري في واشنطن. حكومة الببلاوي استمرت على نهج العهود السابقة في التعاقد مع شركات للدعاية، وهذا ما حدث أثناء حكم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك قبل عزله، وكرره المجلس العسكري خلال عام من إدارة البلاد عقب 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

دور جهاز المخابرات المصرية كان محوريًّا في القضية الفلسطينية، والذي انتقل منذ عهد مبارك للمخابرات، ولكن دوره اقترب من وزارة الشئون الاجتماعية عقب 30 يونيو (حزيران) 2013، ووزع الجهاز نصف مليون كرتونة أغذية في رمضان الماضي على المواطنين، كما قامت المخابرات العامة بإطلاق قوافل طبية في محافظات الصعيد.

المصدر almasryalyoum

القوات المسلحة بديلًا عن الجميع

يتداخل النشاط الاقتصادي للجيش بشكل كبير مع الاقتصاد الرسمي والخاص للدولة، وهناك العديد من التقارير عن النشاط الاقتصادي للجيش، وبالرغم من بروز هذا النشاط إلا أن هناك نفيًا مستمرًّا في التصريحات الرسمية، ومن أبرز تلك التصريحات، ما أدلى به الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين أخطأ خلال حديثه عن الجيش، وقال: «الدولة جزء من القوات المسلحة»،ثم عاد وقال: «أقصد القوات المسلّحة جزء من الدولة، ومشاريع الجيش هي قطاع عام، وليست قطاعًا خاصًا، وخاضعة للضرائب، ورقابة الجهاز المركزي للمحاسبات»، وتابع السيسي حديثه: «أتمنى والله العظيم أن يصل حجم مشاركة القوات المسلحة في الاقتصاد المصري إلى 50%، لكن أقول إنها لم تصل حتى إلى 20% من حجم الاقتصاد».

ويصعب على الجميع الحصول على رقم رسمي لحجم مشاركة الجيش في الاقتصاد المصري، فميزانية الجيش تدرج في الموازنة العامة كرقم واحد دون نقاش من مجلس النواب، ويحصل الجيش على إعفاءات ضريبية لجميع ممتلكاته من فنادق وأندية وساحات ومشروعات تجارية وجميع الأراضي المصرية تعدٌّ ملكًا للجيش لو أراد الحصول عليها للصالح العام، ولكننا لسنا في الحديث عن النشاط الاقتصادي المعروف للجيش، فحديثنا حول الملفات المدنية التي يتولاها الجيش منذ 30 يونيو (حزيران) 2013.

الجيش بديلًا عن الخارجية

وكما كان لجهاز المخابرات العامة دورٌ من المفترض أن تلعبه وزارة الخارجية، فإن القوات المسلحة تقوم بنفس الأمر، فالملف الليبي تتعامل معه المخابرات الحربية المصرية بشكلٍ مباشر ومعلن، وتتولَّى القوات المسلحة مسئولية إدارة المفاوضات، وملف المصالحة بين الشرق الليبي، والغرب الليبي.

ويلعب رئيس أركان الجيش المصري الذي أصبح من الطبيعي أن يظهر باللباس المدني بدلًا من العسكري دور وزير الخارجية في الدولة المصرية، ويعقد اللقاءات مع الفرقاء الليبيين، في ظل غياب كامل لسامح شكري وزير الخارجية.

الفريق محمود حجازي يلتقي المشير خليفة حفتر

وزارة الهيئة الهندسية

الهيئة الهندسية المشرفة على أكبر مشروعات السيسي -تفريعة قناة السويس- بُسط لها من النفوذ ما يتجاوز دور كلٍّ من وزارة الإسكان، والكهرباء والطاقة، والنقل، والموارد المائية والري، والتنمية المحلية، والآثار في بعض الأحيان، وفقًا لجريدة الأهرام الرسمية في يونيو (حزيران) 2016، وقال اللواء كامل الوزيري -رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة- إن الهيئة تنفذ نحو 1600 مشروع منذ تولي السيسي رئاسة الجمهورية.

ومن أبرز مشروعات الهيئة مشروعات منطقة شرق بورسعيد، والميناء البحري، والمنطقة الصناعية في القناة، ومجموعة أنفاق جنوب بورسعيد، بالإضافة إلى مشروع طريق الجلالة، ومشروعات تطوير الطرق الصحراوية مصر الإسكندرية، ومصر الإسماعيلية، ومحور روض الفرج، وكباري عدة في المحافظات، كما تقوم الهيئة بتجهيز مزارع سمكية على مساحة تصل لـ80 مليون متر مربع، وتدخل الهيئة في إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، ولديها مشروع لبناء 800 ألف وحدة سكنية، كما تولت الهيئة تجديد الكنيسة البطرسية الأثرية بعد التفجير الذي استهدفها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

المصدر موقع وزارة الدفاع المصرية

الجيش بديلًا عن البحث العلمي والصحة أيضًا

في لحظة ما من عمر هذا البلد قررت القوات المسلحة المصرية أن تتقمص دور وزارة البحث العلمي، وتعلن في فبراير (شباط) 2014 خلال مؤتمر صحافي عالمي عن اختراع وتصميم جهاز للكشف عن فيروس التهاب الكبد الوبائي (c)، والإيدز، وعلاج تلك الفيروسات.

الجهاز الذي عرف وقتها بـ«جهاز الكفتة» نسبة لتصريحات صدرت عن صاحب الجهاز الدكتور اللواء -بالتكليف- إبراهيم عبد العاطي، يقول إن المريض يخرج منه المرض ويأكله على هيئة «صباع كفتة»، وأعلنت وسائل الإعلام الموالية عدم وجود أي أثر أو تجارب للجهاز الآن، أمَّا وزارة الدفاع فلم تصدر لليوم بيان اعتذار للشعب المصري حول الجهاز، أو توضيح وتوقيت لبدء العلاج.

وكما لعبت القوات المسلحة دورًا في البحث العلمي، تلعب أيضًا دورًا من حينٍ لآخر فيما يخص الصحة من خلال قوافل طبية، وإعلان علاج بعض المواطنين في مستشفياتها بديلًا عن المستشفيات الحكومية والخاصة، ولكن أكبر الأدوار التي لعبتها القوات المسلحة بديلًا عن وزارة الصحة كانت في سبتمبر (أيلول) الماضي، خلال أزمة لبن الأطفال المدعم التي لم يعرف أحد سببها، أعلن المتحدث باسم الجيش المصري، العميد محمد سمير، تعاقد الجيش بالتنسيق مع وزارة الصحة على استيراد عبوات حليب للأطفال الرضع، وكان قرار الجيش بيع تلك العبوات بسعر 30 جنيهًا (دولار ونصف) بدلًا من خمسة جنيهات (25 سنتًا أمريكيًّا)، السعر قبل أزمة اللبن.

ليس اللبن وحسب، لكن أيضًا الأدوية، فقد كشفت مصادر في تصريحات صحافية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي عن قيام جهاز الخدمة الوطنية للقوات المسلحة بالاتفاق مع عدد من شركات الأدوية لاستيراد نحو 20 صنفًا من الأدوية، من بينها أنواع غير موجودة في السوق المصري، بعد رفع ثمن الدولار أمام الجنيه المصري، وأشارت المصادر لوصول قيمة الدواء المقرر استيراده لنحو 450 مليون جنيه.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، وخلال نقص المستلزمات الطبية في المستشفيات الجماعية، أعلنت القوات المسلحة أنها دخلت مناقصة في برلين، في أبريل (نيسان) الماضي، لشراء مستلزمات، وأجهزة طبية، من شركات ألمانية وأوروبية، بنحو 4 مليارات يورو؛ مما دفع المجلس الأعلى للجامعات لمطالبة المستشفيات الجامعية بشراء متطلباته من الخدمات الطبية للقوات المسلحة.

مصدر الصورة cache.eremnew

الجيش يستورد الماشية

لم يعرف الكثيرون السبب الرئيس في لقاء وزير الدفاع المصري صدقي صبحي بوزير الزراعة من دولة بيلاروسيا، والذي تناقشا خلاله حول دعم العلاقات التي تجمع البلدين الصديقين، وفقًا لبيان رسمي، إلى جانب الارتقاء بمستوى التعاون في مجالات المشروعات الزراعية، والإنتاج الحيواني، ويُتناول البيان الصادر للصحف على أن حضور وزير الزراعة المصري غير مهم وحضوره كان على الهامش، بل وقامت القوات المسلحة باستيراد ماشية من الخارج، وعاونتها الشركة القابضة للصناعات الغذائية.

صدقي صبحي يلتقي وزير الزراعة والأغذية البيلاروسي بحضور وزيري التموين والزراعة

وزارة الإنتاج الحربي أيضًا التي تعد جزءًا من القوات المسلحة، تمتلك نحو 16 شركة، وعددًا من المصانع يرتبط نشاطها بصناعة الأسلحة، هذا في الأساس، ولكن تدخل الوزارة في عدد من الصناعات، ولكنها عملت أيضًا بديلًا عن وزارة الزراعة وحصلت «الإنتاج الحربي» على مشروع ميكنة الحيازات الزراعية، وذلك لحصر وتسجيل وميكنة كافة الحيازات الزراعية على مستوى الجمهورية.

ولا تعد تلك السابقة الأولى لـ«الإنتاج الحربي»، فالحكومة المصرية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أعلنت أن الجيش تولى إدارة منظومة البطاقات الذكية الخاصة بوزارة التموين، وتولِّي الجيش كان عن طريق وزارة الإنتاج الحربي التي تقوم أحيانًا بدور وزارة الصناعة في صناعات من بينها الأثاث المنزلي، والمواد الغذائية، وبعض الأجهزة المنزلية.

«التموين» في مصر منذ وقتٍ بعيد تحملته القوات المسلحة؛ بل إن السيسي عندما تحدث عن تدخل الدولة لخفض الأسعار وجه كلامه بشكل مباشر لوزير الدفاع، غير معتبر بوزير التموين، ولذلك أتى اقتراح بأن يتولى الوزارة في سبتمبر (أيلول) الماضي اللواء محمد علي مصيلحي رئيس جهاز الخدمات العامة بالقوات المسلحة سابقًا، لإزالة الازدواجية في التعامل، وفشل اللواء فشلًا ذريعًا، وشهدت الأسعار في عهده ارتفاعًا كبيرًا، مما دفع السيسي للدفع بالوزير الأسبق القادم من حكومة حسني مبارك، ألا وهو الدكتور علي المصيلحي ليكون وزير التموين الثالث في أقل من عام ونصف، ولكن ذلك لم يمنع الجيش من الدفع بعربات لبيع اللحوم والخضروات، وتقديم الدعم الغذائي للمواطنين في المحافظات المصرية المختلفة.

السيسي: الجيش مسئول والدولة مسئولة للمحافظة على ضبط الأسعار

مرتبات الوزراء

تقزيم يبدو أنه مقصود للمدنيين في الحكومات، فخلال الشهر الماضي فقط كان وزير الدفاع صدقي صبحي يلتقي وزير الزراعة البيلاروسي، في حين يجري رئيس الأركان مباحثات دبلوماسية حول المصالحة في ليبيا، فيما كشفت وكالات خارجية عن قيام المخابرات العامة بالاتفاق مع شركة دعاية أمريكية للتسويق لمصر، وبين الحين والآخر تعلن وزارة الداخلية عن منافذ لبيع المنتجات الغذائية للجماهير، ليُطرح سؤال مهم: لماذا لا تتولى الأجهزة الأمنية دور الوزارات وتلغى الوزارات توفيرًا للنفقات.

وحسب تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهاز حكومي) للعام 2015، فإن نحو 28% من الشعب المصري لا يستطيع الوفاء باحتياجاته الأساسية من الغذاء وغير الغذاء، وفي المقابل تقول التصريحات الرسمية في عام 2015 إنّ متوسط مرتب الوزير في مصر 32 ألفًا، وفقًا لتصريحات المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء، ولكن الدكتور عماد مهنَّا، رئيس اللجنة المركزية لمجلس علماء مصر، قال في أحد البرامج الفضائية إن مرتبات بعض الوزراء تصل إلى 3 ملايين جنيه، في صورة بدلات ومكافآت لا تدرج في الكشوف الحكومية، كل تلك الأموال دون معرفة لحقيقة دور الوزراء، ففي أكثر المواقف والأزمات ضيقًا ينسحب الوزير ليحل محله قيادي من الجيش يتولى إدارة الأزمة، ويعتبر الوزير سكرتارية للجيش.

وبالرغم من السيطرة المنفردة لقادة الجيش الحاليين والسابقين على الاقتصاد، وباقي الملفات، فإنّ هناك حالة كبيرة من الأزمات الاقتصادية التي تمر بها مصر، إذ فقدت العملة المصرية نحو 65% من قيمتها منذ تولي الرئيس المصري الحالي أمور البلاد، ومعدلات التضخم وصلت لنحو 31.7%، مع ارتفاع كبير وضخم في أسعار السلع الأساسية، والتي زادت نحو 41%.