إذا أخبرك أحدهم أن شابًا تم احتجازه على خلفية ارتدائه «تي شيرتًا» مكتوبًا عليه «وطن بلا تعذيب»، قد يكون الأمر مضحكًا، لكن معدّل الضحك، وليس السخرية، يقل مع إدراكك أن شابًا قضى من عمره سنتين على ذمة الحبس الاحتياطي، بسبب «تي شيرت» يروج لمناهضة سلوك تناهضه المعاهدات الدولية والمنظمات الحقوقية المحلية والعالمية، هذه كانت تهمة محمد محمود، المشهور بـ«معتقل التي شيرت».

قضية محمود ليست فريدة من نوعها، ففي مصر وعلى مدار عدة سنوات مضت، حفلت بيانات الداخلية المصرية والاتهامات الموجهة لمتهمين، على لسان المدعي العام في عدّة قضايا باتهامات، ربما تحمل قدرًا من «اللامعقولية» أو «اللامنطقية»، وتداولها مستخدمو شبكات التواصل الاجتماعي بالسخرية والنقد. بعضها  انتهى بإخلاء سبيل المتهمين، لكن بعضها الآخر ساهم بتقييد حرية البعض، عن طريق أحكام بالحبس أو السجن الاحتياطي.

«خلق مناخ تشاؤمي»

آخر هذه الاتهامات هي اعترافات لاثني عشر متهمًا منتمين لجماعة الإخوان المسلمين وخمسة من حراسهم، فيما أسماه فيديو وزارة الداخلية الذي نشر يوم السبت الماضي، 24 سبتمبر (أيلول) 2016 باعترافات «وحدة الأزمة»، والذي اعترف فيه المتهمون بصناعة أزمات لإفشال عملية التنمية في مصر، وتفعيل الأزمة ورفع تقارير بها للجان المركزية، وهو ما تداولته المصري اليوم وصحف مصرية أخرى، في عنوان أخبارها بـ«خلق مناخ تشاؤمي لإفشال عملية التنمية»، وهي التهمة التي تداولها مستخدمو التواصل الاجتماعي بالنقد والسخرية.

اعترض رفعت عبد الحميد، اللواء السابق وخبير العلوم الجنائية ومسرح الجريمة، في حديثه لساسة بوست

على صياغة بيان الاتهام المرسل إلى الصحف، يقول عبد الحميد أن صياغة البيان بعيدة عن القوانين الجنائية المصرية والقوانين المكمّلة لها: «التشاؤم والتفاؤل ليست بألفاظ قانونية، ليس بإمكاننا التحقق من تفاؤل أحد أو تشاؤمه، بيان الداخلية يفتقر إلى الدقة».

يقول عبد الحميد إن بيانات وزارة الداخلية يجب أن تلتزم بالدقة فيما تذكره: «البيان يتم إرفاقه بأوراق القضية، قد يرى القاضي أخطاءً في صياغة البيان تجعله غير مقتنع بالقضية فيحكم فيها بالبراءة، لهذا يجب أن يتم مراجعة البيانات قبل نشرها من قبل قطاع الشئون القانونية في الوزارة، ومن الواضح أن هذا لم يحدث».

صفحة فيسبوك «بدون ترخيص»

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/Gawish.Elwarka/photos/a.388587704498263.94617.108241269199576/881947531828942/?type=1&theater” width=”” ]

في 31 من يناير  (كانون الثاني) 2016، تم اقتحام مقر شبكة أخبار مصر، والقبض على رسام الكاريكاتير إسلام جاويش، وبحسب صحيفة النبأ، فإن الجهات الأمنية قد وجهت أربع تهم لإسلام منها: إدارة موقع «أخبار مصر» بدون ترخيص، وإدارة صفحته على فيسبوك «الورقة» بدون ترخيص، إلا أن إسلام أُخلي سبيله في نفس اليوم، بعد حملة ضغط كبيرة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعي الورقة، الذين عبّروا عن استيائهم من احتجاز جاويش بسبب صفحته، ولم يخل الانتقاد من سخرية تم توجيهها للتهمة نفسها «إدارة صفحة فيسبوك بدون ترخيص».

خلية «البلاعات»

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 أعلنت وزارة الداخلية القبض على «خلية إرهابية» اتهمت أفرادها بتنفيذ أعمال تخريبية، منها سد بلاعات الصرف بالأسمنت حتى تغرق الإسكندرية في مياه الأمطار، بحسب «سي.إن.إن»، وذكر البيان: «توافرت معلومات لقطاع الأمن الوطني حول إصدار قيادات التنظيم الإرهابي تكليفات لعناصرها من خلايا لجان العمليات النوعية بمحافظة الإسكندرية، بارتكاب بعض العمليات العدائية لإحداث أزمات بالمحافظة، وإيجاد حالة من السخط الجماهيري ضد النظام القائم».

في هذه القضية، قامت قوات الأمن المصرية بالقبض على 17 شخصًا، على الرغم من أن صحفًا، كصحيفة البديل، قامت برصد مشكلات بلاعات صرف الأمطار في أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام، من تهالك في المواسير وعدم تطهير، مما أدى إلى مشكلات في المجاري في عدّة مناطق، مثل منطقة محرّم بك والعجمي وغيرها.

رواية «1984»

في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، ألقت القوات المعنية بملاحظة الحالة الأمنية بمحيط جامعة القاهرة، القبض على طالب بحوزته هواتف محمولة وفلاشات ورواية «1984»، والتي سماها البيان من بين الأحراز، واصفًا إياها بأنها رواية للكاتب جورج أورويل، وتتحدث عن الأنظمة الاجتماعية الفاسدة التي تحكم البلاد بديكتاتورية، وهو البيان الذي نشرته جريدة المصري اليوم، وأثار جدلاً كبيرًا عن حقيقة كون الطالب تم القبض عليه بسبب الرواية أم لا، وهو ما نفته الداخلية بعد نشر البيان، لكن المؤكد أن الرواية، وبحسب البيان، كانت ضمن «الأحراز »، والأحراز هي الأساس الذي يتم عليه توجيه اتهام للمتهم والحكم عليه.

«إيهام الرأي العام»

طال العديد من النشطاء المحسوبين على معسكر الثورة خلال المرحلة الانتقالية، عددٌ من الاتهامات التي استدعت خضوعهم للتحقيق، منهم الناشطة أسماء محفوظ، التي حكم عليها بالحبس سنة وغرامة 2000 جنيه، بعد اتهامها من قبل علي عبد العزيز فهمي، مدير عام بمديرية الشباب والرياضة في الغربية؛ بأنها قامت بسرقة حقيبته وبها مستندات مهمّة و680 جنيهًا وهاتفه المحمول.

لكن أبرز هذه التهم، كانت التهمة التي اتهمت بها الناشطة نوّارة نجم، بإيهام الرأي العام بوجود فساد، وهي التهمة التي علّق عليها إبراهيم طنطاوي، أستاذ القانون الجنائي بجامعة حلوان لـ«الوطن» بأنها غريبة وغير موجودة في القانون الجنائي.

يقول الدكتور شوقي السيد، أستاذ القانون الدستوري، إن هذه البيانات تخلق حالة من التحدي لدى متلقيه وقرائه: «المسألة تحتاج ذكاءً سياسيًّا في مخاطبة الرأي العام، من المهم الحرص على اختيار مفردات الخطاب عند الحديث مع الرأي العام»، مضيفًا أن الفعل إذا لم يكن ماديًا وله أدلة توضحه، فليس من القانون أن يحاكم: «التحريض وغيره من التهم يجب أن تكون علنية وواضحة، وهناك أدلة مادية عليها، غير ذلك فلا يجوز وضعها في خانة الاتهامات».

عرض التعليقات
تحميل المزيد