حلم الكثيرين حول العالم، من العسكريين إلى الأطباء مرورًا بعلماء الجيولوجيا وحتى الأناس الطبيعيين، كلهم يحلمون بالجهاز الذي يمكنهم من النظر خلال الجدران والمواد الصلبة بشكل عام.

حلْم الكثيرين حول العالم، من العسكريين إلى الأطباء، مرورًا بعلماء الجيولوجيا وحتى الأناس الطبيعيين، كلهم يحلمون بالجهاز الذي يُمكّنهم من الرؤية عبر الجدران والمواد الصلبة بشكل عام.

يقوم الباحثون في وزارة الدفاع البريطانية بهذا الأمر بالفعل، فهل تسير تجاربهم على ما يرام، ويحصلون على مبتغاهم في النهاية؟ هذه ما ستثبته الأيام القادمة.

طبيعة جهاز الرؤية عبر الجدران

أشارت تقارير صحافية بريطانية إلى أن باحثين في وزارة الدفاع البريطانية، وتحديدًا ضمن مختبرات العلوم العسكرية الحكومية المعروفة باسم «بورتون داون لابس Porton Down Labs»، يعملون بالفعل على أجهزة يمكن من خلالها الرؤية عبر الجدران. التقارير أشارت إلى أن فكرة عمل الجهاز تعود إلى مبدأ الاستشعار عن بعد، للتغييرات الضئيلة التي تحدث في الجاذبية.

وقطع فريق العمل شوطًا كبيرًا في هذا الجهاز، الذي يستفيد مما يطلق عليه «الجاذبية الكمية quantum gravity»، من أجل رسم خريطة تحدد مواقع الكائنات عبر الجدران. ومن أجل هذا الغرض، استطاع العلماء قياس مدى تأثر الجزيئات بالجاذبية الساحبة الضئيلة، القادمة من الأشياء الموجودة حولهم. هذا الأمر تم من خلال تجميدهم الذرات في مكان معين باستخدام أشعة الليزر. بعد هذا تُضخ هذه القياسات والمعطيات داخل جهاز كمبيوتر، ليتم رسم صورة ثلاثية الأبعاد للأشياء الموجودة حول هذه الذرات التي تم إيقافها.

لنحاول شرح الأمر بطريقة أكثر بساطة. ولنبدأ من هذا السؤال: ما هي الجاذبية؟

حسب نظرية نيوتن، فإن الجاذبية ما هي إلا «قوة». لكن طبقًا لأينشتاين ونظريته النسبية، فإن الجاذبية هي «مجال» وخاصية من خصائص المكان. تقول نظرية النسبية إن الجاذبية عبارة عن انحناءات في الفراغ، تتسبب بها الكتلة، وكلما كانت كتلة الجسم أكبر، كلما كان انحناء الفضاء أو الفراغ حوله أكبر. معنى هذا أن كل جسم له كتلة ينشأ حوله مجال جاذبية، وبالتالي فإن كل جسم يجذب الآخر إليه بشكل ما. ولمزيدٍ من المعلومات عن الجاذبية، اضغط هُنا.

Figure 1 هل تمكننا التقنية الجديدة من الرؤية تحت المحيطات؟

هنا يُحاول العلماء أن يُثبّتوا ذرات معينة، بحيث تصبح هي المقياس المرجعي لكل الأجسام الأخرى الموجودة في مكان ما. وتُقاس الجاذبية بين هذه الذرات وما حولها من أجسام، ليتمكن الحاسوب من رسم صورة ثلاثية الأبعاد لهذه الأجسام الموجودة، حتى ولو لم نكن نراها بشكل مباشر.

جهاز الرؤية عبر الجدران ثورة علمية

سيمثل هذا الاختراع، حال اكتماله، ثورة حقيقية في التكنولوجيا الحديثة، وسيكون له تطبيقات لا حصر لها في عدة مجالات. واحدة من أهم هذه التطبيقات ستكون هي الغرض الرئيسي لفريق الباحثين في وزارة الدفاع البريطانية، وهو صنع جهاز رادار شديد الدقة، يمكنه رصد وتحديد أي حركة داخل غرفة ما، أو بناء ما، حتى ولو كانت هناك عشرات الجدران التي تحول بينك وبين هذه الحركة.

يمكن أن نقرب لك الصورة أكثر من خلال السينما، هناك فيلم للممثل الأمريكي الشهير أرنولد شواريزنغر يدعى «eraser»، في هذا الفيلم، يحاول البطل منع عملية تسريب لشحنات أسلحة متطورة، إلى أيدي إحدى العصابات الكبيرة. المهم في الموضوع هو طبيعة السلاح نفسه، الذي يُطلق نبضات كهرومغناطيسية، ويحتوي – وهو بيت القصيد – على مرقاب يُمكّنُك من الرؤية عبر الجدران، مهما بلغ عددها وسمكها.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=HCeCVZqcpnE” width=”800″ height=”450″ ]

وطبقًا لما صرح به عضو مختبرات العلوم والتكنولوجيا التابعة لوزارة الدفاع، نيل ستانسفيلد، لصحيفة الإندبندنت البريطانية، فإن هذا الجهاز أيضًا يمكن استخدامه للرؤية تحت الأرض. هذا الأمر يجعل للجهاز بعض الاستخدامات المدنية، التي قد تسمح بها الوزارة مثل مساعدة العمال للعثور على الأنابيب والكابلات المدفونة تحت الأرض.

وسيتميز هذا الجهاز، كرادار في الاستخدامات العسكرية، أنه يُمكنّنّا من التعرف على الأجسام، حتى في وجود ازدحام كبير حولها، وهو ما قد تعجز عنه بعض أجهزة الرادار التقليدية. وتعود هذه الميزة إلى كون الجهاز يقيس التغيرات في الجاذبية لجميع الأجسام، ولا يقوم بإرسال ذبذبات كهرومغناطيسية لترتد من الأجسام، ويقوم برصدها مرة أخرى. هذا الأمر يجعل عملية التداخل عند الرصد والمتابعة أمرًا صعب الحدوث ويكاد يكون غير وارد.

الجاذبية الكمية

تعرف الجاذبية الكمية بأنها فرعٌ في علم الفيزياء، يبحث في إمكانية وصف قوى الجاذبية، طبقًا لمبادئ ميكانيكا الكم. فمفهوم الجاذبية الحالي، وفهمنا لها، يعتمد على نظرية النسبية العامة لأينشتاين، بينما القوى الثلاث الأخرى المكونة للكون، وهي القوى الكهرومغناطيسية والنووية الكبرى والنووية الصغرى، قد تم وصفها واستيعابها من خلال قوانين ميكانيكا الكم.

هذه القوى الأربع، هي القوى الكبرى المهيمنة على كل ذرة من ذرات الكون. وتنشأ المعضلة هنا، في أنه في الوقت الذي قدمت فيه النظرية النسبية تفسيرًا لكيفية عمل الجاذبية بالنسبة للأجرام السماوية، لم تتمكن ميكانيكا الكم من تقديم نموذج ملائم لكيفية عمل الجاذبية على مستوى الذرات والجزيئات الأصغر من الذرة. ولعشرات السنين باءت بالفشل كل محاولات وصف الجاذبية بنفس طريقة القوى الأخرى بلغة الكم.

من هنا، فإن كلتا النظريتين تتكاملان، كلٌّ على حدة، لكن أيضًا الجمع بينهما يؤدي إلى نتائج توصف بالكارثية، في فهم الكون من أصغر الأجزاء إلى أكبرها، لأنه عند الجمع بين النظريتين، فإنهما تتناقضان بحيث لابد أن تكون واحدة منهما فقط على صواب. والفكرة من محاولة جمع النظريتين من الأساس، ترجع إلى التخيل بأنك تعيش في مدينة ما يسودها نظامان مختلفان من أنظمة المرور، فما الذي يمكن أن يحدث حينئذ؟

يؤمن علماء الفيزياء بأن قوانين الطبيعة قابلة للتطبيق في كل مكان، لذلك فلو أنه من المفترض أن يتم تطبيق قوانين النظرية النسبية في كل مكان بالكون، فمن المفترض أن قوانين ميكانيكا الكم قابلة للتطبيق في كل مكان أيضًا. أينشتاين نفسه قضى أكثر من10  أعوام محاولًا توحيد قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية، لكنه لم يتمكن، وباءت كل محاولاته بالفشل. جميع العلماء بعد أينشتاين لم يتمكنوا أيضًا من فهم كيف يمكن أن يتم إخضاع قوة الجاذبية لمبادئ وقوانين ميكانيكا الكم، كما تم الأمر مع القوى الثلاث الأخرى.

من هنا تأتي فكرة الجاذبية الكمية، والتي تنبع أهميتها والحاجة إليها من حقيقة أن الشخص لا يستطيع مزاوجة نموذج الفيزياء الكلاسيكية التي نبعت منها النظرية النسبية، مع أسس ميكانيكا الكم. أيضًا، فإن هذه النظرية نحتاج إليها من أجل محاولة التوفيق بين النسبية وميكانيكا الكم، بخاصة وأن الصعوبات تنشأ وتظهر بوضوح عند محاولة تطبيق مبادئ وأسس ميكانيكا الكم على قوة الجاذبية. ولتفاصيل أكثر، يُمكنك الضغط هُنا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد