هل تساءلت من قبل عن أحد المعاني ولم تجد له مُسمى واضحًا شديد الدقة في لغتك لوصفه؟ ربما إذا كنت تتقن لغة ثانية بجوار لغتك الأم يُصبح المثال أكثر وضوحًا، فبعض الكلمات في لغات بعينها قد لا تجد لها سوى تركيب لغوي مُشابه فقط في لغتك، كما يقول مُتحدثو الإنجليزية «not anymore» للدلالة عن الكَف عن فعل شيء ما بعد الآن ولكن الترجمات العربية دائما تستخدم ترجمة «ليس بعد الآن» أو «ليس بعد اليوم» رغم أن كلمة «More» تعني وحدها «المزيد».

ولكن استخدام الترجمة الحرفية الدقيقة للجملة الإنجليزية: «ليس أي مزيد» قد يخرج غريبًا ومتطرفًا على عقول متحدثي اللغة العربية وقرائها مع أنه الأكثر دقة، كما المثال في «sounds like» للدلالة على تشابه الأشياء «بالصوت» ولكن في العربية نستخدم دائمًا ترجمة «يبدو مثل» رغم أن «يبدو» من فعل «بدا» للتعبير عن الظهور «البصري» وليس «السمعي».

هكذا تعمل عقولنا نحن البشر باختلاف طباعنا وثقافتنا ولغتنا، بطرق مميزة وخاصة، كذلك الأمر عندما نأتي إلى عالم الألوان، ومع أن الإنسان هو أكثر الكائنات تمكُنًا من إدراك عدد كبير من الألوان – مايقرب من 7 ملايين لون- باختلاف الأطياف والأطوال الموجية؛ إلا أنه لا يزال البشر أنفسهم مختلفون في درجات استيعابهم ومفاهيمهم للألوان التى تبدو سهلة التسمية والإدراك عند الغالبية العظمى منهم، ولكن الأمر ليس بتلك البساطة التي تتمثل في قوس قزح.

شعوب وثقافات.. ما بين البارد والدافئ في عالم الألوان

منذ ولادته يتعلم الإنسان أن يصنف الأشياء والمشاعر والألوان وكل شيء حوله تقريبًا عن طريق استخدام اللغة، ومع أن أعيننا تستطيع تمييز الملايين من درجات الألوان في عقولنا؛ إلا أن الكلمات والمصطلحات التي نستخدمها في لغتنا البشرية المختلفة تتباين من لغة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى ثقافة. فمثلًا مصممو الأزياء والرسامون يستخدمون ما يعرف بعلم مصطلحات الألوان color terminology تعريف وتسمية درجات وظلال الألوان والتي قد يجمعها غير الخبراء تحت مسمى واحد، كذلك بعض الشعوب واللغات المختلفة قد تتواصل بالكلمات لوصف لون بعينه بشكل يختلف عما يفعله أهل لغة وثقافة ثانية.

على سبيل المثال نجد لغة «داني» Dani التي يتحدثها أهل جزيرة «نيو غينيا» قرابة سواحل أستراليا، ولغة «باسا» Bassa التي يتحدثها البعض في ليبيريا وسيراليون في أفريقيا لا تحتوي تلك اللغات على توصيف للألوان كما هو المعتاد في العربية والإنجليزية وغيرهم، تلك اللغات تستخدم وصفين اثنين فقط للألوان «فاتح» و«داكن»، ويتدرج اللون الفاتح إلى «دافئ» والداكن إلى «بارد» لذلك فإن الألوان مثل الأسود والأزرق والأخضر هي «ألوان باردة»، والألوان مثل الأبيض والأحمر والأصفر والبرتقالي هي ألوان «دافئة».

قبائل «نيو غينيا»

كذلك الأمر بالنسبة لشعوب «ورلبيري» القاطنين بالمناطق الشمالية من قارة أستراليا الذين لا يوجد في لغاتهم مصطلح لكلمة «لون» أو «ألوان» وإنما يستخدمون الأغراض والأنشطة وحتى الأحاسيس لتوصيف الألوان ذاتها مثل الألوان الداكنة «لون الأرض» والفاتحة للطبيعة مثل السماء، وتوصيف «غني» أو«براق» للألوان الداكنة مثل الأحمر والذهبي.

سماع الألوان.. هل يمكن أن نرسم الموسيقى؟!

العقل يدرك الألوان أطيافًا.. ولكن كيف يسميها؟

في أغلب اللغات الشائعة بين البشر يتخذ متحدثوها النظام الأساسي في تسمية الألوان وهو هو ما يعرف بالمفاتيح اللونية الرئيسية أو الألوان الأساسية والذي من بينهم الأخضر والأزرق، بينما بعض اللغات والحضارات الكبرى والصغرى لديها مصطلحات تختلف تسمية الأزرق والأخضر، مثل لغة «هيمبا» في ناميبيا ولغة «بيرنمو» في غابات «نيو غينيا» التي تستخدم تسميات للألوان الأساسية أو بعضها ولكن لا يوجد في مجمع مصطلحاتها تعريفات مستقلة لهذين اللونين تحديدًا الأزرق والأخضر بل يستخدمون مصطلح مازج بين اللونين فيما يشبه «الأخضزرق» والذي يبدو بالطبع غريبًا أو حتى مضحكًا بالنسبة لقراء ومتحدثي لغات أخرى.

مقطع من بحث معهد ماساتشوستس الأمريكي عن الألوان واللغات

كذلك الأمر في لغات أكثر شهرة وأوسع نطاقًا، بالعودة إلى أزمان القدم فإن شعب «ويلز» البريطاني لديه مصطلح شبيه لمزج اللونين الأخضر والأزرق وأسموه Glas أو Grue ومع تطور اللغة عبر الزمن قَل استخدامه وانتقل إلى اللغة مصطلح اللون الأخضر gwyrdd.

كذلك الأمر في كل من اللغات الصينية واليابانية: كل لديهم مصطلح مازج بين اللونين ولكن مع تطور اللغة حُصر المصطلح الجامع على اللون الأزرق فقط، وأُدخل مصطلح مستقل للأخضر، ذكر جافين إيفانز، المحاضر وخبير الألوان البريطاني، في كتابه «قصة الألوان» أن الإغريق قديمًا لم يكن لديهم كلمة توصف اللون الأزرق، ولفت إلى لغات مزجت بين الألوان مثل التركية ولغات أخرى مثل الروسية لديها مصطلحين مختلفين للون، وهما: الأزرق الداكن والأزرق الفاتح.

العقل البشري.. تلك المتاهة العجيبة

عندما يخبرك أحدهم أو يحاول أن يقنعك من خلال وهم بصري شهير والمسمى وهم مربعات «أديلسون» -نسبة لعالم البصريات والأعصاب الأمريكي إدوارد أديلسون- بأن درجتي اللون في المربعين A و B هما نفس اللون فقد يبدو هذا عسير على التصديق ولكن عندما تُظلل كل العناصر في الصورة عدا المربعين المذكورين سوف نكتشف إن درجة لونيهما متطابقة، وتلك العملية تحدث داخل أدمغتنا وتسمى simultaneous lightness contrast أي تباين الإضاءة المتزامن وهو تأثير معقد يصنعه عقلك عندما يستقبل الصور والألوان التي «تبدو» مظللة ولكنها ليست كذلك.

وهم أديلسون البصري الشهير والذي تتطابق فيه ألوان المربعات A و B

ليس هذا فقط الأمر الذي يدعو للتعجب من كيفية معالجة عقولنا لمفاهيم الألوان، ولكن هناك بعض الحالات الشهيرة وأخرى نادرة تصيب الإنسان ويصبح خلالها التمييز بين الألوان أمرًا عسيرًا، مثلًا مرضى «عمى الألوان» الكُلي أو الجزئي والذي يفقد الإنسان خلاله التمييز بين كل الألوان أو بعضها، ولا يستطيع تمييزها من الأساس لذلك يكون من الصعب حتى وصف اللون للمريض الذي عانى من المرض منذ ولادته لأن المرجعية في عقله معدومة تمامًا مثل المكفوفين.

الألوان نافذتك على العالم.. وطريقة لتفسيره وفهمه

تذوق الكلمات وسماع الألوان!

بالاضافة إلى بعض الأمراض النادرة المُسجلة طبيًا والمعروفة باسم Synaesthesia أو «تشابك الحواس» والتي يعانى فيها المريض من تشابك إدراك الحواس ويصف فيها المريض أنه «يتذوق» الأصوات ويستطيع إدراك الألوان من خلال حروف أو أرقام بعينها، وذكر موقع ساينس أليرت العلمي أن هناك ما يقرب من 4.4% من تعداد العالم يعاني درجة من درجات تلك الحالة النادرة.

ويعكف حاليًا فريق بحثي في علم الأعصاب بجامعة «لانكستر» البريطانية على دراسة كيفية تأثير اختلاف اللغات، أو تعلّم لغات جديدة على مدى استيعابنا للأشياء وكيفية معالجة عقولنا لها ومعانيها بما فيها التباين بين الألوان الذي طالما اعتقد الكثير منا أنها ثوابت إنسانية مشتركة بين أبناء الجنس نفسه.

سحرُ الجمال.. بعض الأشخاص يمكن أن يسمعوا الألوان!

 

المصادر

تحميل المزيد