لأن المجتمع الطبي لا يعترف بالنظريات والدلائل ولا بد من التجارب وقع بعض العلماء في مأزق حين أرادوا متطوعين لتجارب من الصعب أن يوافق عليها أي شخص، لذا وجدوا أن الحل هو التجريب الذاتي، سواء لتأكيد نظرياتهم الطبية أو لاكتشاف علمي جديد، لكن كانت هذه التجارب مؤلمة ومقززة إلى درجة كبيرة.

1- ديفيد وألْم.. عام من البصاق والبراز

سعى الباحثان لورانس ديفيد وإريك ألم لمعرفة كيفية تأثير الأنشطة اليومية على أمعاء الإنسان، والميكروبيومات -تجمع الكائنات الدقيقة- الفموية على مدار العام، وكانوا بحاجة إلى جمع العينات وحصد المتغيرات وقياسها يوميًا وعلى مدار عام، وحين لم يستطع الباحثان من العثور على المشاركين قرروا فعل ذلك بأنفسهم.

إحدى أنواع البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان

كل يوم كان الباحثان يحتفظان بعينات من البصاق والبراز في أكياس معقمة، وعبر إحدى تطبيقات جهاز «iPad» سجلوا أوزانهم، وكل ما فعلوه، وأكلوه، حتى أنه بعد عدة أشهر من الدراسة، سافر ديفيد إلى بانكوك لبضعة أسابيع، لكنه أكمل دراسته وكان يضطر إلى شحن من أكثر من كيلو من البراز المجمد، وفي نهاية المطاف، اكتشفا أنه على الرغم من أن المجتمعات الجرثومية المرتبطة بالبشر ثابتة بشكل عام، إلا أنها يمكن أن تتغير بسرعة من خلال الأعمال والخبرات البشرية.

2- سوب يون.. زرع القمل في ساقه

واجه كيونج سوب يون، عالم الأحياء، والحاصل على الدكتوراه عام 2006، مشكلة صغيرة وهو يدرس آثار دواء شائع على حشرات قمل الرأس، أنه يحتاج قملًا، فتوجه إلى أقرب مدرسة ابتدائية وفتش عن القمل بين الطلاب لكن عاد إلى معمله دون قمل، فاتخذ القرار بزراعة القمل في ساقه.

الأطباء ليسوا ملائكة الرحمة دومًا.. هكذا استخدموا البشر أحيانًا كـ«فئران تجارب»

ربط سوب يون وعاءًا بلاستيكيًا في ساقه، وزرع حشرة قمل الرأس بداخل الوعاء وعلى الساق، وتركه يتغذى على دمه، يعترف بأن المخاطر كانت منخفضة، لأنه زرع قمل الرأس على عكس قمل الجسم الذي ينقل الأمراض، لكن لم ينفِ أنه تألم بسبب تجربته، لكن في النهاية حصل سوب يون على القمل وعاد إلى عمله ليكمل تجاربه.

3- لدغات النحل.. أي المناطق أكثر ألمًا؟

أراد العالم مايكل سميث، من جامعة كورنيل، أن يتعرف على أكثر المناطق ألمًا في جسم الإنسان، وأيهما الأقل، ولأن نظريته لم تجد متطوعًا يتعرض للألم، قرر التجربة على نفسه، بأن ترك جسده للنحل يلدغه كل يوم ثلاث مرات، على وجهه وأذرعه وأعضائه التناسلية، بهدف رسم أي جزء من الجسم كان أكثر حساسية تجاه الألم.

مايكل سميث. مصدر الصورة: جريدة التليجراف البريطانية

صمم مايكل تجربة مع 25 مكان للدغ في جميع أنحاء الجسم، وحتى تخرج النتائج بدقة شديدة، عرض مايكل نفسه لخمس لدغات يوميًا من النحل، و لمدة ثلاثة أشهر قبل التجربة، حتى لا تتأثر التجربة بأي تغييرات في نظام المناعة لديه على مدار التجربة، و38 يومًا آخر من لدغات النحل في التجربة شملت مناطق مختلفة في جسده مثل القضيب، والخصيتين، والحلمتين، والأذنين، والفم، والأنف وغيرها من الأماكن الأخرى.

بعد أسابيع من البحث وجد سميث أنه على الرغم من أن لدغات النحل على قضيبه وخصيتيه كانت غير مريحة، فإن أكثر الأماكن ألمًا من لدغات النحل كان الأنف، يليه الشفة العليا، وثالثًا القضيب، بينما كانت المواقع الثلاثة الأقل إيلامًا هي الجمجمة، طرف إصبع القدم الأوسط، والذراع العلوي، أما اللسان فقد خرج من التجربة.

4- جراسي.. يلتهم بيض الدودة الشريطية

وجد الطبيب الإيطالي جيوفاني جراسي وعالم الطفيليات وهو يشرح  إحدى الجثث عام 1878 أن أمعاء الجثة مليئة ببيض الدودة الشريطية، وبدلًا من أن يفزع وجدها فرصة جيدة لدراسة انتقال الدودة الشريطية، ورأى أنه من الأفضل اختبار ذلك على نفسه.

الطبيب الإيطالي جيوفاني جراسي

بعد التأكد من أنه هو نفسه خالٍ من الديدان، ابتلع البيض الذي وجده في أمعاء الجثة، وبعد شهر بدأ جراسي يشعر بعدم الراحة في الأمعاء ووجد بيض دودة في برازه الخاص، هنا عرف أن الدودة تنتقل عن طريق البراز المصاب بالبيض، وكانت أمعاؤه مليئة بها، واحتفل بهذا النجاح.

5- ستبينز فيرث.. بلع قيء مصاب بالحمى

كان ستبينز فيرث طبيبًا لامعًا وقدم أطروحة طبية عام 1802 ملخصها أن الحمى الصفراء ليست معدية -وهي فرضية ثبت فيما بعد عدم صحتها- وكان الناس يعتقدون أن فراش المريض يمكن أن ينقل المرض، واختلف فيرمونت معهم، ومن أجل إثبات نظريته خضع لبعض التجريب الذاتي حين رقد في السرير مع مريض بالحمى الصفراء وتنفس من أنفاسه ولم يصب بالمرض.

لوحة مرسومة تصف معاناة المرضى من الحمي الصفراء في العصور الماضية

لم يكن ما فعله فيرث كافيًا في عصره لإثبات نظريته، فأخذ القيء الأسود الذي كان من أعراض المرض، وفركه ووضعه على جروح مفتوحة قطعها بنفسه في ساعديه، بل وفرك القيء الأسود ووضعه في عينه، لم يصب بالمرض أيضًا ولإنهاء الأمر أخذ القيء الأسود مباشرة من المريض وابتلعه، ولم يصَب بالعدوى وشعر أنه كان محقًا تمامًا في نظريته.

6- طبيبان يتبادلان الحقن الكيماوية

كيف ينمو الألم بداخل الإنسان؟ كان هذا السؤال الذي دار بخلد الطبيبين البريطانيين جوناس كيلجرين، وتوماس لويس في ثلاثينيات القرن العشرين، ولأن السؤال كان ملحًا عليهم قرروا التجربة، لكن من سيكون الضحية؟ كانت الإجابة هي أنهما حقنا أنفسهما أكثر من ألف مرة بمواد كيميائية مؤلمة، لاختبار العضلات والأوتار والعظام لدراسة نمو الألم.

بطريركيّة الطب.. كيف عانت النساء من التمييز في المجال الطبي؟

لم يكتفِ كيلجرين بالحقن المؤلم، فقرر أن يكتشف هل نشعر بالألم داخل العظام؟ خدّر كيلجرين جلده، ودفع سلكًا معدنيًا داخل عظمة الساق، واكتشف أنه على الرغم من أن العظم الصلب نفسه لا يشعر بأي ألم، فإن العظم الإسفنجي -نوع من النسيج العظمي- يؤلم، وعلى الرغم من آلامهما إلا أن هذين الطبيبين قدما أبحاثا طبية مهمة في ذلك المجال.

7- فيرنر فورسمان.. غرس قسطرة في قلبه

كان فرنر فورسمان طبيب مسالك بولية ألماني، وخلال تدريبه الجراحي أراد معرفة قياس الضغط داخل قسطرة القلب؛ لتحديد ما إذا كان المريض بحاجة إلى عملية جراحية، وبناء على تجارب العلماء الذين نجحوا في تثبيت القسطرة عام 1861، استلهم فورسمان المحاولة لتقليد تلك التجارب البدائية للوصول إلى نتيجة، لكن رفض السماح له بتجربة المرضى لأنها كانت تعتبر عملية خطيرة للغاية.

دكتور فرنر فورسمان

اشترى فورسمان المعدات اللازمة، ورقد على السرير دون أن يوثق نفسه، وخدر ذراعه الخاص، ثم فتح بالمشرط جزءًا منه، وأدخل قسطرة طولها 30 سم في الوريد، ثم هرع إلى جناح الأشعة السينية قبل دفعها إلى قلبه وهو في الجناح.

وجهٌ آخر مظلم.. أغرب تجارب العلماء النازيين على البشر

لاحقًا أُجبر فورسمان على ترك وظيفته، وتخلى عن الأبحاث، وانضم إلى الحزب النازي وأصبح رائدًا في الجيش الألماني، وقُبض عليه واحتجز في معسكر أسرى الحرب خلال الحرب العالمية الثانية، لكن خرج وحصل على جائزة نوبل عام 1956 عن أبحاثه الطبية في قسطرة القلب.

8- بيتينكوفر.. في نخب كوب الكوليرا

كانت الكوليرا في نهاية القرن 19 مصدر قلق خطير على الصحة العامة، وبسبب انتشار المياه والغذاء الملوث في المدن والتي كانت خدمات الصرف الصحي فيها سيئة، كان تفشي وباء الكوليرا شائعًا ومميتًا، لكن جاء الطبيب ماكس جوزيف فون بيتينكوفر وأدلى بنظرية مفادها أن البكتيريا المسببة للكوليرا ليست كافية في حد ذاتها لتسبب المرض.

دكتور ماكس جوزيف فون بيتينكوفر

اعتقد بيتينكوفر أن التلوث كان عاملًا مهمًا في الإصابة بالكوليرا، وأن الشخص النظيف لن يصيبه المرض حتى عند تعرضه للبكتيريا، وكان على يقين من نظريته مما دفعه في عام 1892 لحصد بكتيريا الكوليرا، وشرب كوب كبير من تلك البكتيريا، ومرض بيتينكوفر فورًا لكن لحسن حظه أن نوبة الكوليرا التي عانى منها كانت خفيفة إلى حد ما، وهذا ما جعله يظن أن نظريته صحيحة.

مترجم: في القرن الـ19 كان استئصال السرطان ممكنًا! 7 حقائق مثيرة عن تاريخ الطب

المصادر

تحميل المزيد