يعلم المسلمون في عموم فرقهم من خلال النصوص التي يؤمنون بها، أن أي ألم يمر به الفرد سواء كان نفسيًّا أم جسديًّا، هو بمثابة ممحاة لذنوبه السابقة، ولكن في الوقت نفسه لم يحث الإسلام على تعمد الشعور بالألم بغرض طلب الغفران. ولكن هناك بعض الاستثناءات في الاعتقاد بمبدأ إعادة تمثيل الألم لتكفير الذنوب عند بعض فرق الإسلام والمسيحية، كما نعرفها في العالم العربي بالممارسات واللطميات الشيعية، وفي العالم الغربي هناك المسيحيون الكاثوليك المتشددون، والذين يؤمنون بالمبدأ نفسه.

الأمر يختلف قليلًا في عموم الديانة المسيحية، والتي بُنيت على شعور دائم بالذنب، نظرًا إلى أن المسيح – في الديانة المسيحية- قد صُلب تكفيرًا عن ذنوب قومه، ما يترك داخل نفس معظم المسيحيين إحساسًا دائمًا بالرغبة في تعويض المسيح عما مر به من آلام بدلًا منهم ومن أجلهم، ومن هُنا جاء تعبير «جلد الذات» في الكاثوليكية المسيحية، وهو عبارة عن «كفارة جسدية» تتوج بالدماء تعبيرًا عن الندم والرغبة في الغفران.

هذه المعابد المصرية خربها المسيحيون الأوائل بسبب جرأتها الجنسية

الدم كفارة جسدية 

«كنا نسمع صوت الجلد قادمًا من غرفته ليلًا.. واضحًا ومؤلمًا»؛ هكذا صرحت الراهبة توبيانا سوبوتكا، والتي كانت تقيم في الغرفة المجاورة لغرفة البابا يوحنا  بولس الثاني، الذي تولى منصب بابا الكنيسة الكاثوليكية حتى وفاته في عام 2004.

 وأكدت توبيانا في تقرير نُشر على شبكة الـ«بي بي سي»؛ أن البابا كان يمارس طقس جلد الذات ممارسة مستمرة طوال فترة وجودها بجواره، وهو الأمر الذي أكده جسد البابا بعد وفاته، عندما وجدوا ظهره مليء بعلامات الجلد، والظهر هو المكان المعتاد لممارسة هذا الطقس، لإيمان المسيحيين بأن المسيح جُلد على ظهره قبل أن يُصلب، ويكون طقس جلد الذات ناجحًا حينما تنزف الدماء من ظهر ممارس الطقس، لتكون كفارة جسدية لذنوبه.

مصدر الصورة موقع «سي إن إن»

جلد الذات ممارسة شائعة في الكنسية الكاثوليكية بستينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من أنها أوشكت على الانقراض لما تجسده من عنف يُمارس ضد جسد الإنسان؛ فإن هناك بعض البلدان التي يعتنق أهلها المسيحية الكاثوليكية، وما زالت ترى في هذا الطقس الطريقة الأفضل للتعبير عن الإيمان والامتنان للمسيح، والذين يؤمنون أنه جُلد وعُذب قبل الصلب.

إسبانيا.. قليل من الألم كثير من الاحتفال

خلال احتفالات الجمعة العظيمة في إسبانيا، يمكنك أن ترى المواطنين متراصين على جوانب الطريق، في انتظار الموكب الذي يشكله المتطوعون، والذين هم على استعداد تام لتحمل الألم.

شاهد احتفالات الجمعة العظيمة في إسبانيا.

يبدأ العرض بسير هؤلاء المتطوعين وهم يرتدون ملابس من قماش تغطي أجسادهم ما عدا منطقة الظهر، وفي أيديهم سوط طويل يمكن له الوصول إلى المنطقة العارية من الجسد، ويبدأون بجلد أنفسهم أثناء السير وأمام أعين المواطنين، تبدأ المسيرة تحت ضوء النهار، وتنتهي في الليل؛ حين يبدأ جسد هؤلاء الرجال ينزف دمًا، ولكن ما يحدث في إسبانيا من جلد للجسد على الرغم من قسوته، لا يقارن بما يحدث في المكسيك أو الفلبين في اليوم نفسه؛ الجمعة العظيمة.

المكسيك.. وجوه مُلثمة وظهور دامية

للمكسيك أيضًا نصيب من المسيحيين الكاثوليك، والذين يفضلون الاحتفال بالمسيح عن طريق اختبار الألم في أقوى صوره، يجلدون أنفسهم في مواكب تسير بالطرقات وهم ملثمو الوجه، يحملون صلبانًا ثقيلة تؤلم الظهر، ويسيرون بها مسافات طويلة، تنزف دماؤهم على أسفلت الطرقات باختيارهم الشخصي.

شاهد موكب جلد الذات في المكسيك.

وعلى الرغم من السياط والأشواك التي تترك ظهورهم دامية، يؤمن الكثير من المشاركين في الاحتفال أن الموكب لا يتعلق بالألم الجسدي، بل بتهذيب الروح وتأكيد الإخلاص لله، واختبار الألم ليس سوى طريقة لتقاسمه مع المسيح، الذي عانى من الجلد والصلب، وتلك الآلام هي مجرد ثمن بسيط للتكفير عن الخطايا.

الفلبين.. رجل يُصلب كل عام

مواطنو الفلبين يجعلون من أسبوع الآلام عيدًا يليق باسمه، فالاحتفالات التي تقام في الفلبين، والتي تعتمد في الأساس على جلد الذات، مؤلمة حتى للناظرين، وعلى عكس المسيحيين في إسبانيا، والذين يستخدمون مادة أقل وطأة في صنع الأسواط المستخدمة في طقس جلد الذات، فإن السوط الذي يحمله المواطن الفلبيني الممارس للطقس، يمكنك أن تميز بوضوح قسوة خامته على الجلد، وكثرة الدماء النازفة منذ بداية الطقس، وليس فقط في نهايته.

شاهد جزءًا من طقوس جلد الذات في الفلبين أثناء أسبوع الآلام.

ولكن أيضًا، هذا الاحتفال رغم قسوة مشاهده، يعد أمرًا هينًا للطقس الآخر الذي يمارس في الفلبين، بغرض التقرب من المسيح، والاحتفال به، وهو طقس الصلب، ففي قرية صغيرة بالفلبين، يعيش رولاندو أوكامبو والذي يعمل نجارًا بسيطًا، وعلى الرغم من بساطة حياته طوال العام، فإنه يكون نجمًا في سماء الاحتفالات الدينية كل عام، وبدأ الأمر في العام 1990 عندما كانت زوجته في غرفة العمليات تنجب لهما طفلًا.

ولكن حالتها هي والطفلة كانت معقدة للغاية، وأبلغه الأطباء أنه قد يخسر الأم والطفلة، بعد البكاء قرر رولاندو – الكاثوليكي- الدعاء لله طالبًا منه إنقاذ أسرته الصغيرة، وأخذ عهدًا على نفسه؛ إذا أنقذ الله زوجته وابنته وخرجتا إليه سالمتين؛ سيصلب نفسه كل عام خلال احتفالات أسبوع الآلام. خرجت الأم والطفلة من غرفة العمليات بخير حال، وجاء دور رولاندو في تنفيذ العهد الذي أخذه على نفسه، ولم يتخاذل لحظة في ذلك، هذا العقد الذي سيدفعه من دم ولحم.

شاهد أورلاندو أثناء صلبه.

 

كل عام؛ يستلقي أورلاندو على الصليب الخشبي، ويدق مساعدوه المسامير الضخمة خلال يده وقدميه، ويقف المواطنون يشهدون دماءه تتساقط، وصراخه يتعالى، وبعد دقائق من العذاب المتواصل؛ يصبح أورلاندو جاهزًا للعرض وينتصب الصليب الذي أصبح هو وجسد الرجل قطعة واحدة أمام المحتفلين بالعيد، وعلى الرغم من تلك المعاناة السنوية التي يمر بها جسديًّا، وتمر بها أسرته نفسيًّا؛ فإنه لم يخلف في عام واحد عهده مع الله، حتى عام 2019.

تلك الممارسات في الفلبين يدينها رجال الدين الكاثوليك، ولا يشجعون على إقامتها ويصفونها بكونها احتفالات متطرفة، ومن جانبهم؛ يحاول مسؤولو الصحة العامة إقناع المواطنين بهجر تلك التقاليد القاتلة، ولأنهم غير قادرين على إقناعهم؛ دائمًا يوفرون في الطرقات أثناء الاحتفال سيارات إسعاف لمساعدة من يسقط معشيًّا عليه من وطأة الألم والنزيف، أو من تحتاج جروحهم لعلاج فوري.

بينما يصرح المسيحيون المشاركون في الاحتفال لشبكة «سي إن إن»، أن جروحهم قد تستغرق ما يقرب من أسبوعين للشفاء، ولكنه – من وجهة نظرهم – ثمن بسيط يدفعونه للتعبير عن إيمانهم، الجدير بالذكر أن طقس الصلب لا يمارسه الرجال فقط في الفلبين، بل إن هناك بعض النساء يتطوعن لنيل تلك الفرصة.

وعلى الرغم من أن الأمثلة التي ذُكرت سابقًا قد يراها بعض المسيحيين غير ضرورية، فإن قلة من المسيحيين في أوروبا يرون أنها ممارسة لا بأس بها إذا نُفذت تنفيذًا أقل وطأة، فأعضاء موقع «Opus Dei» الديني أعلنوا منذ فترة عن ممارسة لطقس جلد الذات، ولكن ببعض الحبال التي تسبب قليلًا من الألم، ولكنها لا تجعل الجسد ينزف.

من جانبه؛ يؤكد أستاذ علم اللاهوت الكاثوليكي بجامعة دورهام، أن تلك الممارسات التي وصفها بالمتطرفة، قد ظهرت في أوروبا الغربية خلال العصور الوسطى، لتكون تعبيرًا مبالغًا فيه عن التوبة الجسدية، حين اعتقد المسيحيون الأوائل أن فكرة الكفارة الجسدية تسمح للعقل والروح بترك شهوات الحياة، والتركيز على عبادة الله.

وممارسة البابا يوحنا بولس الثاني لهذا التقليد، لا يعد غريبًا؛ لأنه من أشد المؤمنين بتقليد العهد الجديد، والذي يؤكد أن الحياة الصالحة هي حياة الشخص الذي يستعد للموت والحياة الأبدية، ومظهر أساسي من مظاهر تلك الحياة الصالحة هو الندم، ويمكن لهذا الندم أن يُمارس من خلال المعاناة الجسدية؛ والتي تتمثل في طقس جلد الذات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد