أصبحت الـ«ميمز» الوسيلة الجديدة لإلقاء النكات، التي تليق بالعصر التكنولوجي الذي نحياه، فانتشرت على جميع مواقع التواصل الاجتماعي وبجميع اللغات، وكان من أكثر ما استرعى انتباه علماء النفس والاجتماع في هذه الثقافة أن الكثير من «الميمز» التي يشاركها الشخص مع الآخرين تدور حول السخرية من النفس، وهو الأمر الذي اختلف علماء النفس والاجتماع حول نفعه وضرره.

لايف ستايل

منذ 5 شهور
هل ترغب في سماع الموسيقى الحزينة عند شعورك بالحزن؟ 4 أسباب تفسر لك الأمر

على سبيل المثال: يقضي غالبيتنا في هذه الأيام فترة الحجر الصحي، وتنتشر بعض «الميمز» عن زيادة الوزن، فتجد من يشارك صورة لقطة ممتلئة وتجلس على أريكة دون أن تقدر على الحركة، مشيرًا أن هذا شكله ووزنه بعد قضائه فترة طويلة في المنزل، وعلى الرغم من أن زيادة الوزن أمر لا يسعد صاحبه في المطلق، إلا أن هذه الميم تضحكه بالفعل ويشاركها مع أصدقائه الذين يقولون إنهم يعانون الأزمة نفسها.

هل قد تسبب «الميمز» الساخرة من الذات ضررًا للبعض؟ هل أصبحت طريقًا بطيئًا تجاه التبلد واللامبالاة؟ أم أن السخرية من النفس التي تحملها هي وسيلة علاجية للتغلب على الأمراض النفسية والجسدية؟ هذا ما نحاول مناقشته في هذا التقرير.

الجانب السلبي من «الميمز»

تعتبر «الميمز» ظاهرة حديثة، وما زالت تحت الدراسة والبحث بغرض معرفة تأثيراتها السلبية والإيجابية على المجتمع، ولكن «الميمز» التي تسخر من المرض النفسي جذبت اهتمام علماء النفس والاجتماع بشكل خاص.

العديد من هذه «الميمز»، سواء بالعربية أو بالإنجليزية، تسخر من مشاكل نفسية ومجتمعية حساسة، مثل الشعور بالنبذ من قبل الأصدقاء، أو تأخر سن الزواج، أو رحلة البحث اليائسة عن شريك حياة مناسب، أو حتى الشعور بالوحدة وعدم التفاهم بين أفراد الأسرة والصراعات فيما بينهم؛ كل تلك الأمور النفسية والاجتماعية الشائكة، والتي لم يكن من المعتاد مناقشتها سابقًا بهذا الشكل، أصبحت موضعًا للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

يرى بعض علماء النفس جانبًا سلبيًّا في انتشار هذه النوعية من «الميمز»، خاصة تلك التي تعبر عن النظرة السلبية للمجتمع تجاه الفرد. مثال على ذلك: ينشر أحدهم «ميم» يسخر ممن تأخرت في الزواج، لتشاهده فتاة تعاني من المشكلة نفسها، وهنا تأتي السخرية من طرف آخر، وليس منها، فلا يصبح سخرية من النفس، بل سخرية المجتمع من الفرد.

في هذه الحالة يكون الميم مضرًا نفسيًا واجتماعيًا؛ لأنه – حتى وإن أضحك صاحب المشكلة في وقتها – يكون له تأثير في اللاوعي بأنه لا يزال منبوذًا ومرفوضًا من المجتمع، والأمر يسري أيضًا على «الميمز» التي تتناول المرض النفسي أو زيادة الوزن، فإن جاءت السخرية على شكل سخرية المجتمع من الفرد تكون مضرة، أما إن جاءت السخرية على شكل السخرية من النفس، ففي هذا الأمر لعلماء النفس رأي آخر.

بحسب من يرون أن لهذه «الميمز» جانبًا سلبيًا، فهم يقولون بذلك لأن انتشارها يصعب من مواجهة الأمراض النفسية، خاصة «الميمز» عن الانتحار والوحدة والفراغ العاطفي، وهو الأمر الذي قد يطبّع هذه الأمور، وقد يلقى المرض النفسي اهتمامًا أقل بانتشارها، وهو ما لا يمكن التحكم به.

وأوضحت الطبيبة النفسية الأمريكية كريستين باجلي جونز رأيها في هذا الشأن قائلة: «نحن لا نسخر من أمراض القلب»، شارحة أن السخرية من الأمراض النفسية حتى لو كانت سخرية من النفس هي أمر شديد الخطورة، فهذا يعد طريقًا للامبالاة من جانب المريض النفسي أو الشخص لمصاب بالاكتئاب، وقد يكتفي بالسخرية من النفس بدلًا عن اللجوء إلى المساعدة المحترفة.

هل جعلت «الميمز» المرض النفسي موضة؟

من الآثار السلبية أيضًا أن «الميمز» قد تكون جذابة للدرجة التي تدفع بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أحيانًا إلى إيهام أنفسهم بأنهم مرضى بالفعل، حتى يمكنهم مشاركة هذه النكات وجذب تعاطف الآخرين، ومع الوقت قد يطورون أعراض المرض النفسي الذي يوهمون أنفسهم أنهم مصابون به، خاصة لو كانت ضمن الأمراض الشائعة، مثل: الاكتئاب والقلق المزمن.

يصر بعض الأطباء النفسيين على أن «الميمز» الخاصة بالمرض النفسي والعقلي هي قنبلة اجتماعية موقوتة؛ لأنها تجعل من المرض النفسي أمرًا جذابًا، وقد يشعر الأشخاص الأصحاء بالغيرة من تلك الأشياء المضحكة التي لا يستطيعون ربط أنفسهم بها، ولذلك فربما تجد نسبة كبيرة جدًا من أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي يشاركون «ميمز» عن الاكتئاب، حتى أولئك الذين لا يبدو أنهم يعانون منه، ليتحول الاكتئاب مع الوقت إلى كلمة ينشدها الكثيرون ممن يشعرون بالملل، أو قليل من الوحدة والحزن، غير مدركين أن الاكتئاب حالة نفسية وعقلية معقدة يحتاج صاحبها للعلاج الفوري؛ لأنها قد تعرضه لإيذاء نفسه أو التخلص من حياته.

الجانب الإيجابي: وسيلة للدفاع في وجه الأزمات

بالرغم من ذلك فإن «الميمز» التي تتناول المرض العقلي والنفسي قد يكون لها جوانب إيجابية، فبحسب دراسة علمية نشرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، وجد عدد من مرضى الاكتئاب هذه «الميمز» مضحكة، وجعلتهم يشعرون شعورًا أفضل؛ لأنها توفر للمكتئبين دعم أقرانهم الذين يعانون أعراضهم نفسها، وتمنحهم منظورًا آخرًا للتجارب السلبية التي يمرون بها.

أيضًا نُشرت دراسة أمريكية في نهاية عام 2019 تشرح جانبًا إيجابيًّا فيما يخص «الميمز» والسخرية من النفس، وكانت الدراسة بعنوان: «السخرية من الذات: دراسة عن «الميمز» التي تعكس الذات في مضمونها».

أثبتت هذه الدراسة من خلال تجارب على بعض الطلبة أن استخدام «الميمز» ومشاركتها عبر الإنترنت قد تكون وسيلة دفاعية فعالة للتغلب على التوتر والشعور بالضغط النفسي، خاصة بين الطلبة في الفترة التي تسبق الامتحانات المهمة والنهائية.

ومن الأمثلة التي قد تثبت صحة تلك الدراسة: المجموعة الموجودة على موقع تواصل الاجتماعي «فيسبوك» التي تحمل اسم: «ميمز مدرسين ثانوية عامة» والتي يصل أعضاؤها إلى 150 ألف عضو، ما بين طلبة الثانوية العامة المصريين، وأسرهم، وبعض المهتمين بتلك «الميمز» المضحكة.

تنشر المجموعة يوميًا مئات «الميمز» التي تتنوع بين الصور والمقاطع المصورة الصغيرة، تتحدث عن معاناة الطلبة مع استذكار دروسهم، أو السخرية من مدى صعوبة مادة بعينها مثل مادة الفيزياء.

بالحديث مع بعض أعضاء تلك المجموعة، أخبرنا الطالب أحمد عبد الفتاح أنه يوميًا قبل النوم يزور تلك المجموعة على «فيسبوك»؛ لأنه يعتبرها «المتنفس» الوحيد للضغط العصبي الذي يواجهه مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، خاصة في ظل انتشار فيروس كورونا.

بينما أخبرت الطالبة منة حمدي «ساسة بوست» أنها لولا تلك المجموعة لكانت فقدت عقلها، ففي ظل الحجر الصحي واقتراب موعد الامتحانات كانت المجموعة بما فيها من صور ومقاطع مصورة مضحكة هي المكان الوحيد الذي تشعر فيه بالراحة وتتخلص بالضحك من بعض التوتر الذي يسيطر عليها، وبذلك تعود للاستذكار بطاقة أكبر.

مجتمع

منذ سنة واحدة
مترجم: كيف ساعدت «ميمز» الإنترنت جيل الألفية على تجاوز الأزمة الاقتصادية؟

في النهاية وبعد التفكر في وجهتي النظر لعلماء النفس حول مدى تأثير «الميمز» التي تسخر من الصحة العقلية والنفسية، نخلص إلى أن «الميمز» التي تناقش أوضاعًا بعينها، أو أوضاعًا مؤقتة تسبب بعض التوتر لمن يمر بها، قد تكون مفيدة بالفعل للتخفيف من حدة التوتر ومساعدة الفرد على الخروج من الأزمة المؤقتة بطاقة إيجابية أكبر.

لكن «الميمز» التي تبرز السخرية من الأمراض النفسية والعقلية لا يزال الأمر فيها شائكًا، فقد تقابل يوميًا المضر منها والمفيد لصحتك النفسية، ولذلك لا تحاول أن تنجذب لـ«ميمز» الأمراض النفسية بقوة لأنها سلاح ذو حدين، خاصة وإن لم تكن تعاني من أي مرض نفسي، سواء الملل والحزن الطبيعيين.

أما من يعانون من أمراض نفسية، وتأكدوا من ذلك، سواء كان اكتئابًا أو قلقًا مزمنًا أو مرضًا نفسيًا خطيرًا آخر، فالمتابعة مع طبيب نفسي هي أمر مفروغ منه، وفيما يخص متابعة «الميمز» التي تسخر من المرض النفسي، حاول أن تتجنب «الميمز» التي تجسد سخرية المجتمع من المرض المذكور في «الميم».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد