لعبتْ دولةُ السلاجقة، التي برز اسمها في التاريخِ الإسلامي، دورًا محوريًا في إنقاذِ الخلافةِ العباسيةِ من خصمها الشيعي، والقضاءِ على البويهيين، وتصديها للحروبِ الصليبية، في أثناء الصراعِ الإسلامي البيزنطي.

في هذه الجولةِ التاريخية، نسرد لمحاتٍ عن الدولةِ السلجوقية، وبروز نجمها على مسرحِ الأحداثِ في المشرقِ العربي الإسلامي، وأبرز المعارك التي خاضتها الدولة، وتأثيرها في الأوضاعِ السياسية بالمنطقة، حتى عهد تفككها وضعفها.

السلاجقة.. من براري آسيا إلى السلطنة

في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، ظهر اسم «السلاجقة» الذين ينتسبون إلى جدهم سلجوق بن دقاق، من قبيلة (قنق) الغزية، وهي إحدى القبائل التركمانية التي استوطنت الأراضي الواقعة في بلاد كاشجر (غرب الصين).

عُيّن «سلجوق» – بعد وفاة أبيه – قائدًا لجيش «الخان بيجو» أحد أمراء الترك، بعدما رأى الأخير عليه علامات القيادة والفطانة، حتى أوعزت زوجة «بيجو» بقتل «سلجوق»، مخافة طاعة الناس له وانقيادهم نحوه؛ فهاجر مع قبيلته إلى مدينة جَنْد بتركستان.

بعد وفاة سلجوق، تزَّعم الابن الأكبر إسرائيل السلاجقة، وحينها أدرك السلطان محمود الغزنوي – حاكم بلاد غزنة، في بلاد ما وراء النهر وشمال الهند – مدى الخطر الذي يشكله السلاجقة على حكمه، فأسر إسرائيل عام 419 هجرية (1028 ميلادي)، وزجَّ به في سجون الهند حتى الموت، وحينها تولَّى ميكائيل بن سلجوق القيادة، واستقر في إقليم خراسان، بعد مهادنة السلطان محمود؛ خوفًا من قوة الغزنويين، حتى تُوفي وترك من بعده أولاده جغري بك، وطغرل بك وبيجو.

سعى الأخوان طغرل وجغري، إلى توحيد القبائل والعشائر السلجوقية، في بلاد ما وراء النهر وخراسان، وكان طغرل يتحين الفرصة، لهزيمة الغزنويين، بعد وفاة السلطان محمود، وتولِّي ابنه مسعود، لا سيَّما أن الأخير أمر واليه سباشي في خراسان بقتال السلاجقة مجددًا؛ لمنع تزايد نفوذهم، ووأد خطرهم، لكن مُنِي الغزنويون بهزيمة عام 429 هجرية (1037 ميلادي)، وتعاظم شأن طغرل بك، بعد أن استقل بإقليم خراسان، التابع للدولة الغزنوية.

معركة «دندانقان».. وإعلان الدولة السلجوقية

على الرغم من إعلان «طغرل بك» تأسيسه للسلطنة السلجوقية في خراسان، بعد هزيمة الغزنويين، ومباشرة مهامه السياسية، والقيادية، والإدارية، إلا أن السلطان مسعود الغزنوي أمر – بعد عامين من الهزيمة – بزحف جيشه مجددًا ناحية منطقة دندانقان عام 431 هجرية (1039 ميلادي)؛ لقتال السلاجقة، لكن هُزم الغزنويون مرة أخرى في تلك المعركة الفاصلة في الصراع الغزنوي السلجوقي.

على إثر تلك المعركة راسل «طغرل بك» الخليفة العباسي؛ لإعلان ولائه بالطاعة للخلافة العباسية، ولطلب اعتراف منه بالدولة السلاجقة. في ذلك الوقت، كانت الدولة العباسية تعاني اهتراءً، حتى أن منصب الخليفة – آنذاك – كان شرفيًا، في ظل تحكم الأسرة البويهية الفارسية الشيعية، في القرن الرابع الهجري، ما قوَّض أركان الخلافة وأوهن سلطتها في بغداد.

وبالتالي، كان إعلان الخليفة العباسي آنذاك، «طغرل بك» سلطانًا سلجوقيًا، في عام 432 هجرية (1040 ميلادي)، بمثابة اعتراف بالأمر الواقع، وإجراء شكلي فقط؛ لإضفاء الشرعية على السلطنة الناشئة.

توطدت العلاقات بين طغرل بك والخليفة العباسي، بعدما استطاع السلطان السلجوقي إسقاط الدولة البويهية، في بغداد عام 447 هجرية (1055 ميلادي)، بعد أن كانت تستولي على مقاليد الخلافة، واتسعت حدود الدولة السلجوقية، فشملت مساحاتٍ واسعةٍ من فارس، وشمال العراق، وأجزاء من الشام، وأرمينيا وآسيا الصغرى.

ونظَّم طغرل بك إدارة الدولة السلجوقية، عبر تقسيمها إلى أقاليم، وعيَّن على كل إقليم منها حاكمًا، من أفراد البيت السلجوقي؛ ليضمن الوحدة بين أفراد أسرته، إذ كان إخوة طغرل بك وأبناؤهم يتولون الحكم في أطراف البلاد، وترك لهم سلطة الحكم كاملة؛ للإبقاء على الترابط والوحدة.

وأصبح السلاجقة – منذ عام 447 هجرية – أكبر قوة في العالم الإسلامي، بعد أن فرضوا سيطرتهم على بلاد فارس، وتغلبوا على الغزنويين والبويهيين. لم يلبث أن توفي طغرل بك – الذي لم يُنجب أولادًا في حياته – في عام 455 هجرية (1063 ميلادي)؛ ليخلفه ابن أخيه ألب أرسلان بن جغري بك.

صراعات على العرش السلجوقي.. نجم ألب أرسلان يطغى على المشهد

على الرغم من تنظيم الدولة في عهد طغرل بك إلى أقاليم يحكمها إخوته وأبناؤهم؛ إلا أن تقسيم الدولة إلى ولايات شبه مستقلة أصبح سرطانًا يأكل في جسد البيت السلجوقي، إذ خرج قتلمش بن إسرائيل السلجوقي على طاعة ألب أرسلان، لإعلان نفسه سلطانًا للبلاد، والتحم الفريقان في معركة قُرب الري (في طهران) عام 456 هجرية (1064 ميلادي)، كان الظفر فيها لألب أرسلان، ثمَّ أحبط ألب أرسلان ثورة أخرى قادها عمه بيغو؛ للاستقلال بإقليم هراة (في أفغانستان) عام 457 هجرية (1065 ميلادي).

وبالتالي، استطاع ألب أرسلان القضاء على حركات التمرد من أقربائه، واستتب له الأمر، وتوطد سلطانه، واتسعت رقعة دولته من نهر جيجون (منطقة آسيا الوسطى) حتى نهر دجلة.

ألب أرسلان.. اتساع نفوذ السلاجقة في الشام

كانت استراتيجية السلطان ألب أرسلان تتمثل في نشر الثقافة المعرفية التي ترسخ من الوجود السلجوقي دينيًا وثقافيًا، وتحويل فائض القوة العسكرية السلجوقية إلى الخارج، وتوسيع رقعة الدولة ونشر الإسلام في الممالك والمناطق المتاخمة للدولة الإسلامية شمالًا وغربًا، والتوسع تجاه الأراضي البيزنطية بفتح أرمينيا، وطرد الفاطميين مِنْ بلاد الشام.

غير أنَّ اقتحام البيزنطيين بقيادة قيصر الروم رومانوس ديوجينيس، لمدينة منبج شمال شرق حلب عام 462 هجرية (1069 ميلادي)، كان له أثرٌ كبير في سياسة ألب أرسلان، بعد إدراكه مدى الخطر المحدق بالخلافة العباسية ودولته، حال اتحاد البيزنطيين والفاطميين.

وعلى ذلك، حاصر السلطان السلجوقي الأسرة المرداسية في حلب، التي كانت تدين بالمذهب الشيعي، والولاء السياسي للفاطميين، وأجبر محمود بن صالح أمير الدولة، عام 346 هجرية (1071 ميلادي)، على طاعة الخليفة العباسي، بدلًا من الخليفة الفاطمي العبيدي.

ملاذكرد.. ملحمة تاريخية عسكرية ونصر تكتيكي

بعدما تمكَّن السلطان ألب أرسلان من تأكيد السيادة السلجوقية على حلب، ومناطق واسعة من بلاد الشام، قاد جيشه نحو جنوب أذربيجان، وفتح بلاد الأرمن والكرج (أرمينيا، وجورجيا)، وسار الطريق معبَّدًا للوصول إلى عُمق الأناضول.

تاريخ

منذ سنة واحدة
موقعة ملاذكرد 1071.. عندما فُتِحَت أبواب العالم والتاريخ للأتراك

كان الطوق الجغرافي، الذي يتسع بقيادة السلطان السلجوقي، يخنق الدولة البيزنطية، ما دعا الإمبراطور رومانوس إلى مواجهة ذلك سريعًا، فجمع الروم والروس والكرج والفرنجة، واتجه بهم صوب منطقة ملاذكرد (أقصى شرق تركيا الآن)، وقدَّرت المصادر عدد الجيش البيزنطي ما بين بـ 200 إلى 300 ألف جندي.

وعلى الفور، انطلق جيش السلاجقة- الذي كان في مدينة خوي بأذربيجان- ناحية ملاذكرد، ولم يتمكن السلطان السلجوقي ألب أرسلان من جمع باقي الجيش، بعدما علم باقتراب الجيش البيزنطي. وقال: «إنني أقاتل محتسبًا صابرًا، فإن سلمت فنعمة من الله تعالى، وإن كانت الشهادة فإنَّ ابني ملكشاه ولي عهدي».

وحين قارب الجيش السلجوقي، الذي قُدِّر عدده بـ 15 ألفًا، هاجم الصفوف الأولى للعدو البيزنطي- وكانوا 10 آلاف مقاتل- فأحرز السلاجقة نصرًا عليهم، وأسروا قائدهم.

تقاتل الجيشان، في 463 هجرية (1071 ميلادي)، بعدما رفض الإمبراطور البيزنطي، عرض الهدنة من السلطان ألب أرسلان، الذي كان يحاول كسب الوقت ريثما تصله الإمدادات العسكرية والعدد الكافي من المقاتلين.

وحول تفاصيل المعركة، تذكر المصادر الغربية أن السلطان السلجوقي ألب أرسلان اتَّبع تكتيكًا حربيًا في معركة ملاذكرد؛ لهزيمة الإمبراطور البيزنطي، عبر التظاهر بسحب الجنود السلاجقة؛ للإيحاء بتراجعهم إلى العمق، بينما كلَّف «أرسلان» مجموعاتٍ أخرى من الجنود بالاختباء في مواقع قريبة من ساحة المعركة.

وبالتالي؛ ظنَّ الجيش البيزنطي أن السلاجقة يتقهقرون خوفًا من قوتهم، فاتبعوهم لمسافاتٍ طويلة، وهنا بدأت مجموعات من الجنود السلاجقة المختبئين في المواقع القريبة بمحاصرة الجيش البيزنطي من الخلف في شكل يشبه الهلال، وأمطروا عليهم وابلًا من السهام، وقُتل الآلاف. وعلى إثر ذلك هُزم الجيش البيزنطي، وأُسر قيصر الروم رومانوس ديوجينيس، الذي كان أول إمبراطور بيزنطي يُؤسر على يد قائد مسلم.

تلك الهزيمة التي تلقاها الإمبراطور رومانوس، وصفها المؤرخون البيزنطيون بـالكارثة، وتحدثت المصادر الغربية، عن كرم السلطان السلجوقي ألب أرسلان، في تعامله مع أسيره قيصر الروم بلطفٍ وكرمٍ، وعفوه عنه مقابل الفدية وإطلاق سراح الأسرى.

وننقل هنا ما رواه «ابن الأثير»، عن الحوار الذي دار بين الإمبراطور البيزنطي الأسير والسلطان السلجوقي: «قال السلطان له: ألم أرسل إليك في الهدنة فأبيت، فقال: دعني من التوبيخ وافعل ما تريد. فقال السلطان: ما عزمتَ ما تفعلُ بي إن أسرتني؟ فقال: أفعل القبيح. قال له: فما تظن أنني أفعل بك. قال: إما أن تقتلني وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام، والأخرى بعيدة وهي العفو وقبول الأموال واصطناعي نائبًا عنك. قال: ما عزمتُ على غير هذا».

وعلى هذا، اشترى الإمبراطور البيزنطي نفسه بقيمة مليون وخَمْسُمائة ألف دينار، وأطلق الأسرى في بلاد الروم، كما تشير الروايات الغربية إلى فرض السلطان السلجوقي جزية سنوية قدرها 360 ألف دينار سنويًا.

وبعد عامٍ وبضعة أشهر من موقعة ملاذكرد، قُتل السلطان ألب أرسلان على يد يوسف الخوارزمي، أحد الثائرين عليه، في 465 هجرية (1072 ميلادي)، وخلفه ابنه ملكشاه.

بعد «ملكشاه».. انقلابات كبرى في دولة السلاجقة

اتسعت الدولة السلجوقية في عهد «ملكشاه»، الذي حكم من سنة 465 هجرية (1072 ميلادي) إلى سنة 485 هجرية (1092 ميلادي)، وبلغت أقصى امتداد لها، من الصين شرقًا إلى بحر مرمرة غربًا، وذلك بمساعدة وزيره نظام الملك.

وعلى الرغم من اتساع الدولة السلجوقية في عهد السلطان ملكشاه، إلا أنها بوفاته انفرط عقدها وتمزقت وحدتها وقوتها، وبدأت مرحلة الضعف، بسبب النزاعات والصراعات التي نشبت بين أبناء البيت السلجوقي؛ فتسببت في انقسام الدولة إلى إماراتٍ ودولٍ صغيرة.

وحدث انقسام كبير في دولة السلاجقة الكبرى، التي تسيطر على أقاليم واسعة في العراق وإيران، بين بركيارق الابن الأكبر لـ«ملكشاه» وأخيه الأصغر محمود، وكان كل منهما يناصب العداء للآخر؛ للوصول إلى عرش السلطنة.

وقُتل «سليمان بن قتلمش بن إسرائيل» مؤسس دولة سلاجقة الروم، التي بُنيت على أنقاض الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى، بعد صراع مع «تتش بن ألب أرسلان» مؤسس دولة سلاجقة الشام في عام 476 هجرية (1083 ميلادي)، الذي قُتل هو الآخر بعد صدام مع ابن أخيه بركيارق، عام 848 هجرية (1095 ميلادي).

وبالتالي، كان الوضع مأساويًا في دولة سلاجقة الشام بعد مقتل تتش بن ألب أرسلان، وتفتت دولته إلى إماراتٍ صغيرة يتقاسمها أبناؤه، فتولَّى رضوان بن تتش إمارة حلب واستولى الفرنجة – إبان حكمه – على أنطاكية، وحكم دُقاق بن تتش إمارة دمشق، وكانت تلك الإمارتان منفصلتين عن بعضهما في الحكم، حتى نشبت صراعات بين الأخوين.

وهكذا كان الانقسام الداخلي بين السلاجقة أنفسهم، بعد وفاة السلطان ملكشاه، بلغ حد المواجهة العسكرية فيما بينهم، ما أنهك قواهم حتى اهترأت سلطنتهم، على الرغم من انتصاراتهم العسكرية الكبيرة ضد البيزنطيين، وتاريخهم العسكري الكبير.

وبعيدًا عن قوة الإمبراطورية التي حكمت البلاد لعقود، ما زالت الدولة السلجوقية تنال إعجاب الغرب؛ لبراعتها في الفنون، والثقافة، والهندسة، والعمارة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد