في عام 2008 استيقظت زاهية دهار، المراهقة الفرنسية من أصل جزائري، والتي كانت تبلغ من العمر آنذاك 16 عامًا لتجد صورتها في مقدمة الصحف الفرنسية؛ إذ كانت الفتاة القاصر طرفًا في فضيحة دعارة، تورط فيها أعضاء من المنتخب الوطني الفرنسي لكرة القدم، بعدما طلبها النجم فرانك ريبيري «هدية عيد ميلاد» لنفسه، وأقامت علاقة جنسية مع كريم بنزيمة.

في مكان آخر كانت ستشعر زاهية أن السطر الأخير في حياتها قد كُتِب قبل أن تبدأ رحلتها مع الحياة، لكن على العكس، وبسبب رغبة الفرنسيين في الحفاظ على حياتهم الجنسية جامحة، تلقت زاهية عروضًا من دور الأزياء، وتحولت من «مرافقة» مراهقة إلى نجمة الصيف في السينما الفرنسية، ثم احتفلت لاحقًا بدورها السينمائي الأول في فيلم «فتاة سهلة» الذي صدر في أغسطس (آب) 2019، وصارت حديث باريس.

كان «تأثير زاهية» أحد أسباب ظاهرة «قوادة المدينة» التي رفعت أعداد البغايا تحت سن 14 عامًا في فرنسا. وقد نشرت وزارة التضامن والصحة الفرنسية يونيو (حزيران) الماضي تقريرًا رصد زيادة بنسبة 70% خلال الخمس سنوات الماضية لأعداد القاصرات العاملات في الدعارة تحت سن 14 عامًا، وأكد التقرير تضرر ما بين 7 آلاف و10 آلاف طفل ومراهق من التسلل السلس للقوادين القصر، لكن وفي الوقت الذي نجد فيه الجمعيات، والأطباء، وعلماء النفس غارقين في مواجهة هذه الكارثة، نجد على الجانب الآخر من يحاول حل المشكلة عبر «إباحة وتقنين الدعارة مع القاصرات»!

Embed from Getty Images

شيوخ فرنسا: نريد ممارسة الجنس مع فتيات أصغر سنًا!

تستمع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورج حاليًا لشكوى 250 فردًا، تدعمهم 19 منظمة غير حكومية فرنسية، استخدموا تشريعات حقوق الإنسان للدفاع عن «حق» الرجال في دفع مال مقابل الجنس، والتنديد ضد القوانين الفرنسية التي تجرم شراء الجنس، بدعوى تعارضها مع حقوق الإنسان. 

كان الأمر مثيرًا للجدل منذ الجلسة الأولى في أبريل (نيسان) الماضي، عندما خضعت البغايا لضغط حلفاء من أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي، من أجل تقديم شكاوى ضد قانون يعتبرهن ضحايا، ويعاقب العميل، والمجادلة بأن الحل الأفضل لهن هو إلغاء تجريم تجارة الجنس بأكملها، بما في ذلك القوادة، وامتلاك بيوت الدعارة، وإضفاء الشرعية على سلوك الرجال الذين يدفعون مقابل الجنس. 

تحركت البغايا وحلفاؤهن للمحكمة بعدما وافق 268 من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية في أبريل الماضي على إلغاء قانون تنظيم الدعارة الساري، وإلغاء معاقبة العملاء بتهمة «الضعف أمام الإغواء»، بدعوى أن البغايا لسن ضحايا بحاجة إلى الحماية، والعملاء ليسوا مجرمين يحتاجون إلى العقاب على استدراجهم، وهي الحجة ذاتها التي استخدمها وزير العدل إيريك دوبون موريتي في دفاعه عن كريم بنزيمة وسعد المجرد في ممارستهما الجنس مع قاصرين!

كان ذلك المخرج الأخير بعد انقسامات تاريخية حادة داخل البرلمان الفرنسي، جعلت من ممارسة الجنس مع الفئات الأضعف – من نساء وأطفال – «شأنًا سياسيًا» يستحيل حله في وجود الجمعيات النسوية، ومنظمات مناهضة الإتجار بالبشر، التي ترى في إضفاء الشرعية على شراء الجنس تعزيزًا لفكرة حق الرجال في شراء أجساد النساء، وتحريرًا لقبضة العنف ضدهن إذا ضمن الرجال عدم المثول أمام القضاء.

لم يكن الوضع كذلك من قبل؛ ففي عام 2016 أصلحت فرنسا قوانين الدعارة والإتجار بالجنس، بتصنيف العاملات بالجنس ضحايا، لتسهيل خروجهن من شبكات الدعارة، والإبلاغ عن قواديهن، والاستفادة من الدعم الاجتماعي، ومزايا التخلي عن العمل بالدعارة، والتسهيل على المهاجرات للحصول على تصريح إقامة مؤقت إذا شرعن في البحث عن عمل آخر، مع اعتبار الدفع مقابل الجنس عمل غير قانوني، وفرض غرامات على العملاء، وإلزامهم بحضور فصول توعية حول أضرار الدعارة. 

Embed from Getty Images

كانت معاقبة العملاء هي البند الذي طالما رفضه مجلس الشيوخ، واستخدم «حق النقض (الفيتو)»، منذ القراءة الأولى لمشروع القانون عام 2013، لكن قرار معاقبة العميل كان بيد الجمعية الوطنية الفرنسية وحدها. حاول مجلس الشيوخ حذف بند معاقبة العميل في بداية عام 2014، وكرر محاولته ثانية في 2015 خلال القراءة الثانية لمشروع القانون، حتى مع اعتماد المشروع الفرنسي لمكافحة الدعارة في مارس (آذار) 2016، وانتهى الأمر بالمجلس لإعلان موقفه الرافض لبند معاقبة عملاء البغايا المنصوص عليه بالقانون – على عكس رغبة الحكومة – مدافعين عن حق الرجال في الاستمتاع بالبغايا.

جاء ذلك في أعقاب فشل القانون الفرنسي الحالي في حماية القاصرين، كما جاء في بيان لجنة المرأة بمجلس الشيوخ عام 2021، بأن 40٪ من حالات الاغتصاب ومحاولات الاغتصاب المبلغ عنها تتعلق بالأطفال دون سن 15، و27٪ من هذه الجرائم تؤثر على الأطفال دون سن العاشرة، وهناك ما يقرب من 150 ألف حالة اغتصاب، ومحاولة اغتصاب قاصرين كل عام، أي 300 إلى 400 حالة في اليوم، لكن لم يزل المجرمون ينكرون معرفتهم بالسن الحقيقي للضحية، وعلى الضحية إثبات معرفته وإلا تعرضت للوصم بالابتزاز كما في حالة زاهية دهار.

«بغاء المدينة»: المهنة الأسهل في باريس

كان مشهد البغايا في انتظار العملاء على جانب الطريق مألوفًا في فرنسا، حيث بيوت الدعارة غير قانونية، لكن أصبحت الدعارة عبر الإنترنت اليوم أكثر انتشارًا، لا شيء أكثر من جسد فتاة نظيف أمام كاميرا الهاتف لالتقاط صورة لمواقع «المرافقة»، وقواد ينشر إعلانًا للمهووسين بالمال يستهدف مراهقين ذكورًا أقل من 16 عامًا، مع وعد بجني 400 دولار في الساعة.

مع وجود تقنيات مشابهة لتلك المتبعة في تهريب المخدرات، أصبح بغاء القاصرين منظمًا وهرميًا وخفيًا؛ يجري تجنيد الفتيات الصغيرات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ويستجيب العملاء للرسائل على تطبيق «واتساب»، أو «إنستجرام»، ويحجز القواد شقق باستخدام تطبيق «Airbnb» أو غرف بفنادق رخيصة، ثم يحذف الجميع رسائله لضمان سرية العملية.

Embed from Getty Images

يجني القواد القاصر من الاستغلال الجنسي لفتاة تحت سن 15 عامًا ما يصل إلى ألفي دولار في اليوم، ما يجعل القوادة عملًا مربحًا، وبالنسبة للمراهقات من خلفيات معينة، يمكن أن تمثل الدعارة دفعة اجتماعية، حيث لا تتوفر أشكال أخرى من الارتقاء الاجتماعي أمامهن، إلى أن يتسنى لهن تجنيد فتيات أخريات، والانتقال من الدعارة إلى القوادة، من أجل المال الوفير والعمل الأقل إيلامًا.

تعمل الفتيات القاصرات تحت تهديد قوادين يكبرونهن بالكاد، يطلقون على أنفسهم «الحماة» أو «المتعاونين» أو «الحبيب الخفي». يتعمد «الحبيب الخفي» تصوير فتاته في أوضاع مثيرة باعتبارها وسيلة تهديد، وعادة ما يصطحبها إلى غرف الفنادق، لتهديدها إذا سولت لها نفسها الاعتراض على العنف، أو الضرب، أو الاغتصاب من العميل.

ويستقي هؤلاء المراهقين الذكور قوتهم من شرعية عملهم، فيستفيد الذكر من بند «روميو وجولييت» في قانون «ممارسة الجنس مع طفل دون سن الخامسة عشر»، الذي يسمح بممارسة الجنس مع قاصر، إذا كان فارق السن بين الاثنين أقل من خمس سنوات!

نشرت مؤسسة «Scelles»، و«المرصد الدولي للاستغلال الجنسي (OBIES)»، تقرير «القوادون الصغار» عام 2020، وجاء على لسان قوادين قصر سبب لجوئهم للعمل بالقوادة، بأن «الاستغلال الجنسي للقاصر في فرنسا أقل تكلفة من الإتجار بالمخدرات»، والقوادون لا يواجهون سوى القليل من المخاطر، كما تصعب مراقبة الشبكات الاجتماعية. 

تحدث بعضهم عن بساطة العمل، واعترفوا بأنهم كانوا «حماة» لفتيات قاصرات، يطلقون عليهن «مرافقات»، يجذبوهن لممارسة الدعارة بدعوى الحب، ويستفيدون من وراء رواج دعارة القصر، ويذوقون طعم المال اليسير، في المقابل يصعب على القاصرات الاعتراف بأنهن ضحايا القوادة، فواحدة من كل اثنتين من البغايا القاصرات تدرك الجوانب الإيجابية للبغاء، كالاستقلالية المالية، والانتماء إلى مجموعة، والشعور بامتلاك جسدها.

كان من الواضح أن العنف قد روى ماضي وحاضر هؤلاء القاصرين؛ أعدت الجمعيات الأهلية بفرنسا والمنظمات الدولية المناهضة للإتجار بالبشر تقرير في عام 2019، ظهر به غلبة التفكك على أسر ضحايا دعارة القصر، وقال ما بين 40% و45% من الضحايا إنهم عانوا من إساءة المعاملة في طفولتهم، داخل وخارج الأسرة، مع ظروف أخرى تزيد من احتمالية الوقوع في شبكات الدعارة مثل: الشعور بالاغتراب داخل الأسرة، أو الهروب من منزل الأسرة في سن صغير، أو إدمان الكحول والمخدرات.

على جانب آخر كشف ثلثا القوادين القصر عن تعرضهم لاعتداءات بدنية وجنسية في سن أصغر، ومشاهدتهم لأعمال عنف ارتكبت بحق أفراد أسرهم، كما أن القصر المهاجرين المعزولين في كثير من الأحيان يصبحون صيدًا سهلًا على القوادين، وعادة ما يدفعهم المال إلى ممارسة الدعارة كوسيلة لسداد تكلفة رحلة العودة لبلدانهم، لكن سبل العودة بالنسبة لهؤلاء المهاجرين تزداد تعقيدًا؛ لأن القوادين يزورون لهم جوازات سفر، أو يطلبون منهم الكذب بخصوص أعمارهم.

والمهاجرون القصر إلى «بلد التنوير» عليهم تسديد الديون.. بالجنس

جاء تقرير «غير مرئيين» لمنظمة «كاريتاس أوروبا»، واتحاد «معًا ضد الإتجار بالبشر»، لعام 2018 مذيلًا بأفظع قصص الاستغلال الجنسي لأطفال المهاجرين بفرنسا، فينضم 10% منهم إلى العمل بالدعارة، بعد مواجهتهم تهديدات خاصة عند وصولهم إلى أوروبا بمفردهم، ووفقًا للتقرير اختفى ما يقرب من 10 آلاف طفل مهاجر غير مصحوب بذويه في أوروبا خلال عام 2016!

جاء في التقرير قصة ناجية تدعى «داليا»، تبلغ من العمر 13 عامًا، كانت تعيش مع عمها في أفريقيا، حتى أرسلها إلى فرنسا مع امرأة، مع وعد بالدراسة والعمل وعيش حياة أفضل، لكنها واجهت الحقيقة منذ وصولها باريس. أمرتها المرأة بالوقوف على الرصيف، وتركتها لنساء أخريات يشرحن لها ما يجب أن تفعله، رغم أنها لم ترغب في ذلك، وكانت المرأة تهاتفها طوال الوقت لأخذ ما جنته من المال، حتى اتصلت الطفلة بعمها لتخبره، لكنه قال «نعم يا فتاتي، هكذا هو الأمر، عليك تسديد ديونك».

Embed from Getty Images

لم يكن الأمس أفضل؛ ففي عام 2012 اعتبر تقرير المفوضية الأوروبية لعام 2012 فرنسا وجهة ومعبر للأطفال من أوروبا الشرقية وغرب أفريقيا وآسيا، وكذلك منطقة بحر الكاريبي والبرازيل، المعرضين للعمل القسري والدعارة القسرية. تجبر شبكات الإتجار بالجنس التي يسيطر عليها البلغار، والرومانيون، والنيجيريون، والفرنسيون، الأطفال على ممارسة الدعارة بالقوة البدنية، والإكراه النفسي، وبحسب ما ورد كانت العديد من تلك الحالات بين العائلات الفرنسية؛ إذ استغلت العائلات الأطفال الذين جرى إحضارهم من أفريقيا للعمل بمنازلهم في فرنسا، ومن ثم بيعهم للقوادين، وشملت القضايا الأخرى عددًا من الدبلوماسيين الفرنسيين.

ورد في تقرير «غير مرئيين» اتهام لحكومة فرنسا لامتثالها للمعايير الدنيا للقضاء على بغاء القصر؛ ما تسبب في إضعاف التعاون الدولي في القضايا الجنائية، علاوة على ذلك كانت جهود حماية الضحايا وإنفاذ قانون مكافحة الإتجار بالبشر محدودة للغاية، وربما منعدمة، رغم سريان قوانين عدم الإتجار بالبشر منذ عام 2013، فإنه لم يزل قانون غير مستخدم، ولم ترد عن القضايا قيد التحقيق بموجب ذلك القانون أية بيانات، كما تتحفظ منذ ذلك الوقت على عدد الضحايا الذين أحالتهم إلى الرعاية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد