في مساء يوم الأربعاء، السادس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، أو ما عُرف بعام الربيع العربي، انطلق المئات من المتظاهرين الكويتيين، يرافقهم بعض نواب المعارضة، نحو مجلس الأمة الكويتي في العاصمة الكويت وتحديدًا نحو قاعة «عبدالله السالم»، قاعة المجلس الرئيسية، في خطوة تصعيدية ضد وزارة الداخلية التي تعرضت للمسيرة السلمية المعلنة، وحاولت فضها وعرقلة استمرارها، ليدخل المحتجون إلى المجلس وهم يرددون على قلب رجل واحد النشيد الوطني الكويتي؛ قبل أن يغادروا بعد دقائق، في تظاهرة لم تشهد الكويت مثلها من قبل.

اجتمع هؤلاء المتظاهرون، مع حشود أخرى خارج مبنى مجلس الأمة، متدثرين بأحلام الإصلاح ورفض الفساد، التي أتت بها الثورات العربية، وبدؤوا في ترديد الهتاف المصري الشهير الذي ألهم العالم في يناير (كانون الثاني) من العام نفسه، وكان صداه لا يزال يتردد في الآفاق: «الشعب يريد إسقاط الرئيس».

كان المحتجون يطالبون بإقالة «رئيس الوزراء»، الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح -أحد أعضاء الأسرة الحاكمة- وحل البرلمان، على خلفية اتهامات بتورط رئيس الوزراء في الفساد، واتهامه بتحويل أموال عامة إلى حسابات مصرفية خاصة بنواب في مجلس الأمة خارج الكويت لتأمين تصويتهم لصالح الحكومة.

وكانت حدة التوتر قد تصاعدت قبل هذه الأزمة، إثر إطلاق المعارضة حركة احتجاج في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، أدت إلى تظاهر الآلاف، بعد فضيحة فساد مدوية، اتُهم فيها حوالي 15 نائبًا (من أصل 50 في مجلس الأمة)، علاوة على مسؤولين حكوميين.

فتح النائب العام الكويتي في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تحقيقًا حول حسابات نواب، يشتبه في تلقيهم رشى تقدر بحوالي 350 مليون دولار مقابل شطب استجواب كامل للحكومة، بحسب ما أعلنه نواب من المعارضة آنذاك.

الأمر الذي أرغم وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء، الشيخ محمد الصباح على الاستقالة، بعد أن اتهم النائب المعارض مسلم البراك الحكومة بالقيام بعمليات تحويل غير مشروعة إلى الخارج، عبر السفارات الكويتية، وعرض وثائق عن عمليات التحويل هذه، كما اتهم البراك مكتب رئيس الوزراء بإجراء 485 تحويلًا لأموال مشبوهة، تقدر بعشرات ملايين الدولارات إلى جنيف ولندن ونيويورك منذ أبريل (نيسان) 2006، وعرض وثائق عن عمليات التحويل.

دخول مجلس الأمة.. يوم أبيض في تاريخ الإصلاح أم يومٌ أسود في تاريخ الكويت؟

بموجب الدستور، أعين وأقيل رئيس الوزراء والوزراء، حتى لو كنت أنوي أن أطلب منه الاستقالة، فلن أقوم بذلك بضغط من هؤلاء الناس. *أمير الكويت– الشيخ صباح الأحمد الصباح

كان أمير الكويت قد عقّب حينذاك على ما حدث، قائلًا: «إن ما حدث غير طبيعي، فاليوم الذي اقتحم فيه نواب مجلس الأمة (ومعهم عشرات المحتجين)، كان يومًا أسود بالنسبة إلينا». وأضاف: إن القضاء باشر بالفعل التحقيق في هذه المزاعم التي زعمها نواب مجلس الأمة، وتم توجيه تهم غسيل الأموال إلى جميع المتورطين في الفساد، مؤكدًا أن المدانين سيعاقبون حسب القانون.

مجلس الأمة الكويتي (مصدر الصورة: sputniknews.com)

وقال الأمير إن نحو 40 شخصًا بمن فيهم نواب في البرلمان أحيلوا للنيابة العامة لاتخاذ إجراءات قانونية ضدهم بسبب مشاركتهم في اقتحام البرلمان، وتعهد بعدم العفو عنهم،
وبعد يوم واحد من اقتحام مجلس الأمة، أصدر أمير الكويت أوامره إلى قوات الحرس الوطني والأجهزة التابعة لوزارة الداخلية، من أجل اتخاذ كل التدابير اللازمة للحفاظ على أمن الكويت واستقرارها بكل حزم.

كما أمر أيضًا بتزويد هذه الجهات «بكافة الصلاحيات اللازمة، لضمان استتباب الأمن وتطبيق القانون بكل حزم وجدية، لوضع حد لمثل هذه الأعمال الاستفزازية المشينة، تجسيدًا لدولة القانون والمؤسسات»، وينص الدستور الكويتي، على أن الأمير يرأس البرلمان والحكومة والقضاء، وله السلطة المطلقة في تعيين أعضاء مجلس الوزراء وإقالتهم وحل البرلمان.

وتجدر الإشارة إلى أن نواب المعارضة -قبل هذه الأحداث-، كانوا قد قاطعوا جلسات البرلمان، قائلين إنهم لن يشاركوا في جلسات مجلس الأمة؛ بينما أكثر من ربع أعضائه البالغ عددهم 50 عضوًا يشتبه في تورطهم في معاملات مالية غير قانونية.

«كفى عبثًا.. لن نسمح لك».. أزمة لم تمر بسلام

وبعد أسبوعين من هذه التظاهرات، ودخول المحتجين إلى مجلس الأمة، تقدم الشيخ ناصر المحمد الأحمد -رئيس الوزراء- باستقالته، وتم تشكيل وزارة جديدة، وحلّ الأمير مجلس الأمة، ودعا إلى انتخابات برلمانية جديدة؛ لكن هذه الأزمة لم تمر بسلام، فقد حلّ الأمير مجلس الأمة الذي سيطرت عليه المعارضة في عام 2012، بعد وصول 35 نائبًا من نواب المعارضة إلى المجلس المكون من 50 نائبًا، وتكوينهم ما يُعرف بـ«كتلة الأغلبية»، وتعديل قانون الانتخابات.

الأمر الذي اعتبره نائب المعارضة مسلم البراك «عبثًا» من الأمير، وطالب في خطاب ألقاه بساحة الإرادة، سحب تعديل قانون الانتخابات البرلمانية الذي يقلص من حظوظ المعارضة في الوصول إلى المجلس، محذرًا من تبني البلاد نموذج الحكم الفردي.

اعتبرت المعارضة حينذاك، أن قانون الانتخابات المعدل، يُسهّل من عملية التلاعب في الأصوات وشرائها، بعدما عُدل إلى نظام الصوت الواحد، فيما كان القانون الانتخابي القديم، يعطي كل مواطن أربعة أصوات في خمس دوائر انتخابية، وتجدر الإشارة إلى أنه تم سجن نائب المعارضة مسلم البراك مدة عامين بتهمة «إهانة الذات الأميرية»، بعد خطابه السابق ذكره، والذي خاطب فيه الأمير قائلًا: «كفى عبثًا، لن نسمح لك».

أمير الكويت: الأربعاء الأسود لن يمر دون محاسبة!

في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013، برأت محكمة بداية كويتية 70 ناشطًا معارضًا، بينهم تسعة نواب سابقين، من تهمة اقتحام مبنى مجلس الأمة الذي وقع في عام 2011، وكان القاضي هشام عبدالله قد أعلن «براءة جميع المتهمين» من تهم اقتحام مبنى عام، والاعتداء على الشرطة، ومقاومة السلطات، وإلحاق أضرار بممتلكات عامة.

وفي مداخلة هاتفية معه للتعقيب آنذاك على الحكم ببرائتهم، قال النائب المعارض مسلم البراك إنه في يوم الأربعاء 16 أكتوبر 2011، حرك الشباب مشاعر وطنية خالصة، من أجل التصدي للجريمة التي ارتكبها نواب مجلس 2009، بعد شطبهم استجوابًا كاملًا للحكومة، عقب تلقيهم رشاوى، بحسب قوله. مؤكدًا أنه لم يتم اقتحام المجلس عنوة ولم يتم تسلق الأسوار؛ بل قام الأمن بفتح الأبواب أمام المحتجين، مؤكدًا أن دخول مجلس الأمة كان موقفًا سياسيًّا للمطالبة بإقالة رئيس الوزراء آنذاك، وأضاف البراك قائلًا: إنهم لن يتصالحوا مع من طعن بالدستور، وزج بالشباب إلى السجون، مضيفًا: «على الحكام أن يتصالحوا مع شعوبهم ويشاركوهم في الحكم».

لكن الحكم ببراءة المتهمين، لم يكن نهاية المطاف، ففي فبراير (شباط) من العام الجاري، وافق مجلس الأمة الكويتي على رفع الحصانة عن ثلاثة نواب حاليين (جمعان الحربش ومحمد المطير ووليد الطبطبائي) من أجل إعادة المحاكمة بتهمة اقتحام مجلس الأمة في نوفمبر 2011.

النائب السابق مسلم البراك يردد النشيد الوطني الكويتي من داخل القاعة الرئيسية في مجلس الأمة (مصدر الصورة: alsharq.net.sa)

وقضت محكمة الاستئناف يوم أمس الاثنين السابع والعشرين من نوفمبر، بالسجن واجب النفاذ، مدة تتراوح بين عام وسبعة أعوام، على حوالي 70 متهمًا، فيما عرف بقضية اقتحام مجلس الأمة الكويتي، وذلك بسبب ارتكابهم جرائم مبينة في تقرير الاتهام منها: «استعمال القوة والعنف ضد موظفين عموميين (حرس المجلس)، ودخول عقار في حيازة الغير بقصد ارتكاب جريمة، والإتلاف، والاشتراك في تجمع داخل مجلس الأمة، والدعوة إلى التظاهر وتنظيمه، وإهانة رجال الشرطة، وتحريض رجال الشرطة على التمرد، والدعوة إلى التجمع داخل مجلس الأمة».

ذلك بالرغم من أن عددًا من محامي المتهمين، استبقوا إعلان الحكم، وقدموا طلبًا إلى المحكمة بفتح باب المرافعة من جديد. قائلين في دعواهم: «إنهم لم يكتفوا بشرح أسباب إعادة تداول القضية في مسألة عدم تقديم مذكرات دفاع لموكليهم، وقصر مدة إعلان الشهود الذين طالبوا بالاستماع إليهم»، إذ ذكروا أن هيئة المحكمة سبق أن ردت في قضية ترديد الخطاب لعدد من المتهمين في القضية الماثلة، وبالتالي فإنه من المفترض -بحسب آرائهم القانونية- عدم نظر هذه القضية أمام هذه الدائرة، وكان المتوقع أحد أمرين: إما أن تُصدر المحكمة حكمها وتغض الطرف عن طلبات الدفاع في حال لم تقتنع بها، وإما أن تُصدر قرارًا بإعادة فتح باب المرافعة، وتأجيل النطق بالحكم إلى جلسة مقبلة.

كيف تفاعل الشارع الكويتي مع الحكم؟

فور صدور الحكم، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عنه عبر وسم (#قضية_دخول_المجلس)، وأعلن المتهمون عن نيتهم تسليم أنفسهم في التو واللحظة، مؤكدين أنهم سيذهبون للسجن وثيابهم نظيفة غير ملوثة باتهامات فساد أو تلقي رشاوى.

أعضاء مجلس الأمة الحاليون المحكوم عليهم في قضية دخول مجلس الأمة. (مصدر الصورة: تويتر)

وانتشرت بعض التغريدات مؤيدة نظافة المتهمين، وأنهم لم يُريدوا إلا خير الكويت ورفعة الوطن، فقال نائب مجلس الأمة السابق مبارك الوعلان، إن المتهمين بدخول المجلس، مكسب وشرف للكويت.

فيما تعجب مغرد آخر من الحكم على من أرادوا الإصلاح.

وسرد النائب السابق الصيفي مبارك الصيفي، قائمة اتهامات لم يحاكم عليها أحد داخل الكويت، في حين تم الحكم بسجن من أراد علو شأن وطنه.

فيما أعاد البعض نشر صور ضوئية لشهادة الرقيب بحرس مجلس الأمة، والذي برأ المتهمين من اقتحام المجلس عنوة.

https://twitter.com/janoubalsourra_/status/935027735470198786

وعلق عضو مجلس الأمة الحالي، مبارك هيف الحجرف على الأحكام بأنها قاسية وصادمة للجميع، وأن البراءة هي الحكم المستحق.

أعضاء مجلس الأمة السابقون المحكوم عليهم بالسجن في قضية دخول المجلس. (مصدر الصورة: تويتر)

وتجدر الإشارة إلى أن عضو مجلس الأمة الحالي، والمتهم في القضية د. جمعان الحبشان، كان قد عاد من السفر كي يكون متواجدًا وقت النطق بالحكم، وأعلن عبر حسابه الشخصي على تويتر بعد النطق بالحكم أنه ذاهب لتسليم نفسه، مؤكدًا أن وجوده في السجن أحب إليه من أن يكون نائبًا عن الأمة خائنًا للأمانة.

فيما تداول النشطاء صورة للنائبين الحاليين بمجلس الأمة د. جمعان الحربش ود. وليد الطبطبائي، وهما أمام إدارة تنفيذ الأحكام لتسليم أنفسهم، وذلك بعد إعلان وليد الطبطبائي عن ذهابه لتسليم نفسه، مؤكدين أن الحكم سياسي ولا صحة للتهم الجنائية التي تم إدانتهم بارتكابها. وأعلن مصدر من أسرة النائب السابق مسلم البراك، أنه سيعود من المملكة العربية السعودية اليوم الثلاثاء، لتسليم نفسه، بعد الحكم عليه بالسجن لتسع سنوات في قضية اقتحام المجلس.

https://twitter.com/Almajlliss/status/935178884403941376

وأعلن الكابتن عبدالله الشلاحي، أحد المدانين في القضية، أن رأسه مرفوع بهذا الحكم، وأن التاريخ لا بد وأنه سينصفهم يومًا ما.

وعلق فهد الخنه، النائب السابق والمحكوم عليه هو وخمسة من أفراد عائلته، بأن المتهمين لم يتمكنوا من تقديم دفاعاتهم للمحكمة؛ مما يجعل البراءة هي الحكم الوحيد المفترض لهذه القضية، معلنًا أنه في الطريق مع أبنائه لتسليم نفسه لتنفيذ الحكم الصادر بحقهم. وأعلن مشاري المطيري، عن تسليم نفسه، تحملًا للمسؤولية وواجبه تجاه الوطن.

وأعلن بعض محامي المتهمين عن طعنهم بالتمييز ضد المتهمين، ومطالبتهم بوقف تنفيذ الأحكام.

فيما أيد بعض النشطاء والمغردين الكويتيين الأحكام الصادرة ضد المتهمين، مؤكدين أن القضاء عادل، وما حدث كان اقتحامًا وهمجية، من وجهة نظرهم.

ونشرت مغردة صورًا أثناء دخول المتهمين إلى المجلس، مؤكدة عدم برائتهم؛ فيما قال مغرد إن المطالبة بالصفح عن المخطئين ليست من العقل.

وأيد النائب الحالي أحمد الفضل الحكم الصادر، وبارك للشعب الكويتي عليه، مؤكدًا أن ما حدث كان تصرفًا صبيانيًّا أهوج، لا بد وأن يدفع المتهورون ثمنه. وطالب المحامي دوخي الحصبان المغردين بعدم التعليق على أحكام القضاء.

هل يفعلها الأمير ويعفو عن المدانين؟!

وطالب العديد من النشطاء والمحامين والأكاديميين ونواب مجلس الأمة الحاليين، أمير الكويت بالعفو عن المدانين في هذه القضية التي بدأ تداولها في ساحات المحاكم منذ سنة 2011، ومرت بالعديد من طلبات رد «قاضٍ»، ولم يعد هناك أي هيئات إدارية أخرى لنظرها؛ لأن المتهمين قدموا طلب رد لجميع رؤساء الدوائر الإدارية في محاكم الاستئناف، ما يستدعي أن يتم إقامة محكمة خاصة غير المحاكم الموجودة، لنظر هذه القضية.

وقال النائب د.عادل الدمخي عبر حسابه على تويتر: إن الكويت بحاجة إلى وحدة البلد واستقراره، وأن من يملك قرار العفو هو صاحب السمو، وهو بإذن الله سيكون وكما كان صمام الأمان لنا بعد الله، بحسب ما قاله.

وأيد النائب طلال الجلال المطالبة بعفو عام قائلًا: نضم صوتنا إلى المطالبين بوضع «عفو عام» ليكون أولوية قصوى. وذهب النائب ثامر السويط إلى ضرورة العفو العام قائلًا: لا خير في كراسينا إن لم يتصدر موضوع العفو العام أولوياتنا في مجلس الأمة.

فيما دعا النائب محمد الدلال إلى عقد اجتماع نيابي في مكتبه بمجلس الأمة، لمناقشة الأحكام الصادرة، والاتفاق على رفع توصية إلى أمير الكويت من أجل العفو العام عن المتهمين.

فهل يستجيب الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير الكويت، للمطالبات، ويصدر قرارًا بالعفو العام عن المدانين، أم أنه سيرفع يده عنهم، ويترك كلمة القضاء لتمضي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد