2,984

بعض القتلة المتسلسلين لجؤوا إلى الرسم بغرض بعث رسالة أخيرة إلى العالم، وآخر استخدمه مكيانيزمًا للدفاع أمام الوقت المتبقي حتى ميعاد الموت المُحتّم، وأحدهم استخدمه لتجسيد جرائمه، أما بعضهم فكان مجرّد عاشق لتمجيد الذات.

 في هذا التقرير نأخذكم في جولة مع لوحات رسمها خمسة من أشهر القتلة المتسلسلين في الولايات المتحدة الأمريكية، فما الذي تستطيع تفاصيل هذه اللوحات أن تخبرنا عن شخصية رسّاميها ودوافعهم النفسيّة العميقة؟

1- جون واين جاسي.. القاتل المهرّج الذي ألهم ستيفن كينج

عامل بالمشرحة، وفي الإجازات والعطلات يرتدي زي المهرج؛ لينشر البهجة بين الأطفال في أعياد ميلادهم، كان محبوبًا من الجميع ويصفه جيرانه وأصدقاؤه بأنه رجل رقيق المشاعر وعطوف، وقد يكون كذلك بالفعل في النهار، ولكن هذا الرجل يتسلّل ليلًا إلى جثة أحد المراهقين بالمشرحة، وينام بجوراها ويحتضنها وكأنه يداعبها، غير أن هذا ليس أفظع الأمور التي ارتكبها جون واين جاسي، القاتل المتسلسل.

واحدة من لوحات جون– مصدر الصورة موقع جريدة مترو

مثلما اغتصبه والده وهو صغير؛ اعتدى جون على العديد من الأطفال والمراهقين، وتلك هي التهمة الأولى التي وُجّهت إليه، ولكنه لم يقض وقتًا طويلًا في السجن لحسن سيره وسلوكه؛ وخرج ليبدأ مسيرته الحقيقية في القتل المتسلسل لما يزيد على 30 مراهقًا من الذكور خلال فترة السبعينات؛ ليكون الملهم الأول للكاتب الأمريكي ستيفن كينج في قصته الشهيرة التي تحولت إلى سلسلة من أفلام الرعب «IT» عن المهرج الذي يقتل الأطفال الصغيرة.

بعد أن وجدت الشرطة جثث قتلاه في حديقة منزله؛ حُكم عليه بالإعدام، وأثناء انتظاره هذا الحكم، سيطر على جون هَوَس الرسم، ورسم عددًا كبيرًا من اللوحات، وراج فنّه في أكثر من معرض فنيّ ومزاد علنيّ، ووصل ثمن إحدى لوحاته لما يزيد على 25 ألف دولار أمريكي.

مجموعة من لوحات جون بمعرض Hyaena– مصدر الصورة: موقع ثرتين فلور

اتّسمت لوحات جون بسمتين أساسيّتين: الأولى هي إغراقه في الذاتية، ولكنه اختار الوجه الذي يراه جيدًا في نفسه وهو وجه المهرج، وكأنه لا يرى في نفسه قاتلًا؛ فجسّدت معظم لوحاته صورته الذهنية عن نفسه بوصفه مهرّجًا وناشرًا للبهجة، والسمة الثانية جسّدت ربطه النفسي بين القتل والجنس، وكانت لوحة «جمجمة الجنس» من أكثر اللوحات دلالة على ذلك.

وأكّد بيل شافر صاحب المعرض الفني «The Hyaena Gallery»، والذي تبنّى العديد من لوحات جون، أن الرسم كان وسيلة دفاعية للبقاء على قيد الحياة داخل السجن في انتظار الموت، وقد حقّقت لوحاته نجاحًا أثناء وجوده على قيد الحياة؛ حتى أن بعض المهتمين بهذا القاتل المتسلسل –يوضح بيل- كان يرسل إلى السجن طالبًا من جون رسم لوحة تجمعه به وهو مرتدي زي المهرج، وظل جون يرسم حتى اللحظة التي سبقت إعدامه؛ ظنًّا منه -يفسر بيل- أن فنّه قد ينقذه من الإعدام.

2- ريتشارد راميريز.. السفّاح الذي رسم الشيطان

بين والد مغتصب، وعمّ يعشق تعذيب النساء، تربّى القاتل المتسلسل ريتشارد راميريز؛ ليخرج إلى العالم ويقتل ويغتصب ما يزيد على 13 امرأة، أوّلهم كانت سيدة تبلغ من العمر 79 عامًا، بينما كان عمره 24 عامًا، وبدأ سلسلة من الجرائم أرعبت أمريكا عامًا كاملًا خلال منتصف الثمانينات؛ أطلق الإعلام خلاله على هذا القاتل لقب «المُتعقب الليلي».

كان ريتشارد فخورًا بنفسه وظهر هذا في عينيه، وأثناء فترة انتظاره للمحاكمة التي طالت لسنوات، قابل إحدى المعجبات به، وتزوجها رغم تواجده في السجن، ووقت إصدار حُكم الإعدام عليه ابتسم لحضور المحكمة، وقال: «مرحى! ليس أمرًا جللًا، إن الموت يأتي مع الأرض، أراكم في ديزني لاند!».

أثناء تواجده في السجن، طوّر ريتشارد طريقة أخرى لتنفيس الطاقة المكبوتة في روحه؛ فرسم العديد من اللوحات التي تجسد الشيطان في أشكال مختلفة، ولكن ما تطابق في جميع الصور هي ملامح وجه الشيطان التي تشبه وجه ريتشارد تمامًا، وربما كان هذا ما يراه في روحه، خاصة بعد أن شاهده حضور المحكمة وهو يرفع كف يده اليسرى الذي رَسم عليه نجمة خماسية، وابتسم لهم بوجهه الوسيم الهادئ. وتُباع لوحات ريتشارد التي هي أقرب لـ«سكيتش» من عمل فني مُتقن على الإنترنت بثمن يبدأ من 300 دولار أمريكي.

3- تومي لين سيلز: «دمّر ما قد يدمّرك!»

في البداية كان القتل لغرض تافه، كالاختلاف على ثمن المخدرات التي يحتاجها، وهذا ما فعله تومي بالضبط عندما لم يتفق مع المورّد الخاص به على ثمن البضاعة المُباعة؛ فقتله. ولكن مع الوقت تطوّر الأمر إلى هواية أو «فنّ» إذا صح القول، وكانت جريمته الثانية هي قتل امرأة وطفلها الصغير ذي الثلاثة أعوام، ثم عرض جثتيهما في أحد الأماكن العامة ليراها الجميع، وفي تلك اللحظة بدأت مسيرته في القتل المتسلسل للنساء وأطفالهن؛ انتقامًا من والدته التي أهملته سنوات عمره الأولى، ولم تهتمّ برعايته أو تعليمه؛ حتى تحوّل إلى طفل فاسد في عمر السابعة يعاقر الخمر، ويصاحب رجلًا يكبره عمرًا.

هذا الرجل أغرقه بالاهتمام الذي افتقده مع والدته، ولكنه في المقابل اعتدى عليه جنسيًّا، وحينما قُبض عليه وأدلى باعترافاته، أكد للشرطة أن جريمته الأولى كانت في عمر السادسة عشرة عندما قتل رجلًا كان يتحرّش جنسيًّا بطفل، ولكن الشرطة لم تجد أي إثبات على تلك الجريمة، ومنذ جريمته الأولى في عام 1988، حتى لحظة القبض عليه في عام 1997، ارتكب القاتل المتسلسل تومي لين سيلز ما يزيد على 70 جريمة قتل.

تومي لم يكن له «إنتاج فني» ضخم، إذ رسم لوحة واحدة هي أقرب إلى رسالة بالألوان عمّا يدور بداخله، وتوضيحًا لنظرته إلى العالم الذي جسده –باللوحة- في كوكب الأرض ومن فوقه كيان شيطانيّ يفرغ عليه السموم، وكتب على اللوحة من أعلى «ميكانيزم الدفاع» الذي اختاره ليواجه به شرور الحياة قائلًا: «دمّر ما قد يدمّرك»، فإذا كان هذا العالم قد حاول تدمير تومي؛ فهو فعل كل ما بوسعه ليردّ له الصاع صاعين.

وعلى الرغم من إنتاجه الشحيح؛ فإن الشهرة التي حصل عليها من خلال الأفلام الوثائقية التي أنتجت عنه، والحوارات التي أجريت معه، جعلت من لوحته بضاعة رائجة؛ فقد عُرضت تلك اللوحة على «الإنترنت» مقابل 400 دولار أمريكي وبيعت بالفعل.

4- ألفريد جاينور.. شغف تجسيد الجريمة

الكثيرون قد قَتلوا من قبل، وألفريد أراد أن يكون مميّزًا عن باقي زملائه من القتلة، ولذلك عُرف عنه ترك جثث ضحاياه في أوضاع غريبة؛ حتى يروّع من يعثر عليهم وكأن القتل وحده ليس كافيًا للترويع.

اللوحة السابقة رسمها ألفريد جاينور، الذي قتل تسع نساء على مدار ما يزيد على 20 عامًا؛ وأطلق عليها اسم «جريمة الشاطئ»، واختار ألفريد أن تكون لوحاته مُعبرة عن جرائمه، والرجل الذي يرتدي قناعًا في اللوحة؛ تجده في أكثر من واحدة أخرى، وهذا الرجل يمثل ألفريد نفسه، وحازت لوحات القاتل الذي قبض عليه عام 2010 باهتمام الكثير، وتُباع اللوحة الواحدة على الإنترنت بمبلغ يبدأ من 100- 300 دولار أمريكي.

5- هنري لي لوكاس.. للتخلص مما تبقى من براءة

عندما سأله محرر «واشنطون بوست» عن المشاعر التي تجتاحه وقت القتل، كانت إجابته أنه لا يمتلك أيًّا من المشاعر تجاه قتلاه أو جرائمه، ولكن لوحاته عبّرت عن صرخات داخلية لشخص ما زال يعاني خلف قناع القاتل المتسلسل، وعلى الرغم من إدانته بقتل 11 ضحية فقط، إلا أنّه أصر على الاعتراف بقتل ما يزيد على 3 آلاف شخص.

مثل أقرانه؛ لم تكن طفولة هنري لي لوكاس -في ثلاثينيات القرن الماضي- سعيدة، فوالده مدمن الخمر فقد رجليه في حادث سيارة، ووالدته التي كانت تعيل الأسرة من خلال عملها بالدعارة؛ أجبرته على مشاهدتها مع عملائها، وفي سن الخامسة عشرة أدمن هنري الكحول، وبدأ في خوض تجربة الجُرم بنفسه، وكان أخوه الذي تحرّش به جنسيًّا أول ضحاياه.

كان وجه هنري طفولي الملامح لا يعكس الطاقة الجامحة للقتل بداخله، وربما كان هذا السبب وراء رسم وجوه مخيفة في لوحاته، أو وجه مشوه عن ملامح وجهه الأصلية، وكأنه كان يرسم الشكل الذي أراد العالم أن يراه به، وهو الوجه المروّع الذي قتل آلاف البشر، حتى وإن لم يقتلهم جميعًا على أرض الواقع؛ فهو قتلهم بالفعل في خياله، وقص تلك الجرائم التي تزيد من شره في اعترافاته للشرطة.

ما زال البعض من لوحات هنري معروضًا للبيع على الإنترنت بأسعار قد تزيد على 500 دولار أمريكي للوحة الواحدة.