حصد الجزء الأول من مسلسل «المداح» في مايو (أيار) 2021، نسب مشاهدات وصلت إلى 100 مليون مشاهدة عبر «يوتيوب»، المسلسل الذي تدور أحداثه داخل عالم الدجل والماورائيات، قام ببطولة الجزء الأول منه كلٌ من الفنان المصري حمادة هلال والفنانة الفلسطينية الجزائرية نسرين طافش، وبدا الإقبال الجماهيري على المسلسل واضحًا بمجرد عرض الحلقات الأولى في رمضان 2021، ما دفع القائمين على العمل إلى إنتاج جزء ثان من العمل بعنوان «أسطورة الوادي» بتكلفة 30 مليون جنيه، لكنه هذه المرة جاء من بطولة حمادة هلال وسهر الصايغ وخالد سرحان.

على مدار عامين متتاليين شاهد الجمهور، عبر الشاشة، البطل «صابر» (حمادة هلال) ذلك الرجل الذي يعرف أماكن الآثار تحت الأرض، ويقدر على «شفاء الممسوسين والمسحورين» ويتواصل بوضوح مع «عالم الجن»، لكن المسألة تطورت في الجزء الثاني من المسلسل، والذي جرى عرضه في الموسم الرمضاني الماضي في أبريل (نيسان) 2022.

فدارت القصة حول «صابر» وبطلة جديدة هي «مليكة» (سهر الصايغ) «الجنية» التي دبرت «عملًا سحريًّا» لوالدة «صابر»، فتمرض المرأة ويعجز الأطباء عن علاجها، لتعالجها «الجنية» بنفسها لاحقًا، بعد تواصل «صابر» معها وسط ذهول الأطباء من «المعجزة» التي حققها رجل «مكشوف عنه الحجاب» تتحول أحلامه وكوابيسه إلى واقع، لينتهي المسلسل بوعد بـ«جزء ثالث».

وبينما كان صناع العمل يحتفون بنسب المشاهدات، كانت غادة سالم (ربة منزل مصرية) والتي عكفت على مشاهدة الحلقات الأولى للجزء الثاني من «المداح» تتساءل: «لا أدري ما السر وراء قيام الدراما بزراعة الخوف والرعب والقلق من السحر والجن؟»

وفي حديثٍ لـ«ساسة بوست» قالت غادة: «للحظة تذكرت كل مواضع الألم في جسدي، وتخيلت ماذا لو كان ذلك سحرًا، واستحضرتُ كل الأسماء والوجوه التي اضطربت علاقتي معهم، وساورني الشك، قبل أن أنفض هذه الأفكار عن رأسي، هذا بالضبط ما تركه مسلسل المداح لي، ولكثيرين مثلي، سواء كانوا يؤمنون بهذه العوالم أو لا، فبدلًا من التثقيف وزراعة الوعي، سيقت لنا شخصية مشغولة بما وراء الطبيعة، أخذتنا بعيدًا عن المشاكل الحياتية الحقيقية وصحيح الدين والأخلاق، تجاه القتل والرعب والسحر، ولم أعد أفهم على وجه التحديد ما المقصود حقًّا من تلك الأعمال؟».

ولم يكن «المداح» وحيدًا في مهمة توجيه المشاهدين نحو طريق الدجل، فعلى الدرب نفسه سار «بيت الشدة»، وهو مسلسل تلفزيوني مصري عُرض في الموسم الرمضاني الماضي في أبريل 2022، من بطولة وفاء عامر وأحمد وفيق وإيهاب فهمي ومحسن منصور ومها أحمد ومحمد مهران، إذ تدور قصته حول حفيدة مشعوذ وساحر تُدعى «فَلك» (وفاء عامر) تقرر العودة إلى منزل جدها، للانتقام ممن حرقوا المنزل، في ظل وجود لعنة تطارد ابنها «سيف» (محمد مهران) وهي سيطرة روح الجد على جسده.

وعلى المنوال ذاته سارت مسلسلات سابقة مثل «الكبريت الأحمر» والذي تدور قصته حول الضابط معتز (أحمد صلاح السعدني) والذين يجري استدعاؤه للتحقيق بشأن اشتعال متكرر للنيران في أحد الأحياء الشعبية، دون سبب واضح، وهناك يعثر على طفلة تبدو وكأنها تنتمي لعالم آخر، ويقابل مشعوذًا يدعى «شمس» (عبد العزيز مخيون) وعند تلك النقطة تبدأ سلسلة من الأحداث غير المفهومة في حياة الضابط الذي تنقلب حياته رأسًا على عقب فتختفي زوجته وتبدأ طلاسم دموية في الظهور على جدران منزله ليفقد عمله وحياته ويبدأ في رحلة لا نهائية للبحث عن إجابة لما يحدث معه.

والمسلسل الذي عرض الجزء الأول منه في في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، من تأليف عصام الشماع، وإخراج سيف يوسف، وبدا ناجحًا للدرجة التي دفعت القائمين عليه لإنتاج جزء ثان عرض في عام 2017 بعنوان «الكارما» إذ أكد المسلسل عبر أحداثه المتتالية على الإمكانات الخارقة الممكنة للسحرة والمشعوذين.

وكذلك الأمر مع المسلسل المصري «ساحرة الجنوب»، الذي سبق الجميع عام 2015 إلى ذلك العالم السفلي، وهو من بطولة حورية فرغلي وياسر جلال وصلاح عبد الله، ويدور حول الفتاة الصعيدية «روح» (حورية فرغلي) التي لها اتصال بعالم الجن والشياطين، تتعرض لظلم في طفولتها فتقرر الانتقام وتقوم بخلق العديد من المشاكل والتوترات بين أهل قريتها، والتي صار كبار القرية يستعينون بها من أجل حل مشكلاتهم مع أعدائهم والعثور على الكنوز.

وقد أكدت مؤلفة المسلسل سماح الحريري أن الحالات التي تملك قدرات استثنائية موجودة في الواقع وأن المسلسل ليس خرافيًّا كما قيل عنه، لتتواصل تغذية أفكار اللجوء إلى القوى الخفية في تدبير الأمور الحياتية وحل المشكلات، والتي يستفيد منها الدجالون والمشعوذون بشكل أساسي.

إيمان جارف بالقدرات الخارقة

حاولت دراسة سعودية التعرف على نسبة انتشار الاعتقاد في السحر والدجل والشعوذة بین النساء السعودیات؛ واتجاھھن نحو الاعتقاد في «الأعمال السفلية» والسحر؛ والأسباب التي تدفعھن للاعتقاد في ذلك، بالإضافة إلى الكشف عن طبیعة العلاقة بین ذلك الاعتقاد وبین السن ومستوى التعلیم والمستوى الاقتصادي.

الدراسة التي تضمنت 655 حالة كشفت أن الاعتقاد في الإصابة بالعین والسحر يعد وسيلةً للھروب من الواقع وتعبيرًا عن مشاعر الحقد والكراھیة بین الأفراد، وكانت المفاجأة أن أفراد العینة لم يختلف اعتقادهن بتغير السن أو المستوى التعليمي أو الاقتصادي، فهن جميعًا يؤمن بالسحر والعين، ويتفقن أيضًا على أن السحر لا یساھم في علاج الأمراض، وإن كان سببًا فيما أسموه بـ«أضرار ومظالم كثیرة» يمكن تلاشيها بأخذ الحیطة والحذر حول منافذ العین والاستعانة بالكتمان على إنجاح الحوائج، والاستعانة باالله والإیمان به فھو الذي یقي من كل شر.

لا يختلف الأمر في الجزائر، ففي دراسة حول السحر والدجل والشعوذة في الوسط الجامعي، خلص الباحث إلى أن الظاهرة آخذة في التوسع في المجتمع الجزائري، إذ تلعب الثقافة الشعبية للمجتمع دورًا هامًّا في دفع مختلف الفئات إلى مثل هذه الممارسات، فمن خلال هذه الثقافة ينمو ذاك الاعتقاد بصحة الممارسات السحرية وأعمال الشعوذة في حل المشكلات المادية أو المعنوية.

وكشف الدراسة لجوء قطاع من شباب الجامعات إلى السحر والدجل والشعوذة ما جعل السؤال الرئيسي للدراسة «لماذا يلجأ الطالب الجامعي في مجتمع مثقف إلى ممارسات سحرية لا تعبر عن وعيه الثقافي المفترض؟» وهو ما أرجعه الباحث إلى عدة أسباب مثل:

  • الإيمان القوي بنجاعة الأعمال السحرية.
  • ضعف شخصية الطلبة في حد ذاتهم، حيث إنهم يدعون عقلانية زائفة تعكس حقيقة الشخصية التقليدية لدى الطالب.
  • ضعف المؤسسات الاجتماعية والتعليمية في أداء الوظيفة المنوطة إليها.

ولا يقتصر الأمر على دول بعينها، إذ يعد انتشار الدجل والشعوذة منتشرًا في المجتمعات العربية على اختلاف تطورها الاجتماعي، ففي جبال النوبة مثلًا شمال السودان تجد النساء أكثر وقوعًا في أعمال السحر، وكذلك الأمر بين الموظفات في دولة العراق مثلًا خاصة لدى الأعمار الصغيرة 20 إلى 40 عامًا، فالإقبال على الدجل والشعوذة سمة عربية عامة.

اقتصاد الدجل.. 25 مليار جنيه سنويًّا في مصر

في مصر وصلت ظاهرة الدجل لمستويات خطيرة، ففي تصريح تلفزيوني قالت رئيسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، الدكتور سعاد عبد الرحيم، إنه يجري إنفاق ما بين 10 و25 مليار جنيه سنويًّا لفك الأعمال السحرية، مرجحة أن محافظات الوجه القبلي هي الأكثر إنفاقًا على الدجل.

ولم تكن هذه هي المعلومة الأولى بشأن الأمر، ففي دراسة أعدها الدكتور محمد عبد العظيم، الباحث في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2006، تبين عبر البحث الميداني أن نصف النساء في مصر يعتقدن بأعمال السحر والدجل وقراءة الطالع، ويترددن على الدجالين علانية، وأن الأساتذة وأصحاب المستويات الثقافية الرفيعة يأتون ضمن الفئات الأكثر ترددًا على الدجالين.

Embed from Getty Images

وأكدت الدراسة أن 83% من مشاهير الفن والسياسة والرياضة والمثقفين هم من رواد السحرة والمشعوذين، أما قائمة المشكلات التي يرغب هؤلاء في حلول لها فهي: تأخر الزواج، وعدم الإنجاب، والمشكلات الجنسية والأمراض، والحسد وكشف الطالع والسرقات واكتشاف كنوز الأرض وطرد الجن.

ولا يقتصر الأمر على المشاهير بطبيعة الحال، فيروي إسلام عبد الواحد، المصور الشاب، البالغ من العمر 33 عامًا قصته مع الدجل والشعوذة لـ«ساسة بوست» قائلًا: «منذ فترة ليست بالقصيرة وأنا أعاني من آلام مبرحة في جسدي ومشاكل بالجملة في عملي وحياتي الشخصية، وبدا لي الأمر غير منطقي وقال لي الكثير من الأصدقاء أنني أعاني من إيذاء قوى خفية، فالتحاليل والآشعة سليمة لكنني أعاني، أنام فتطاردني الكوابيس ويبرحني أحدهم ضربًا، أستيقظ لأعثر على العلامات في جسدي.

ويضيف إسلام: «هكذا اتصلت بالرجل الذي قيل لي إنه عالج أشخاصًا عانوا من أمور مشابهة، فسألني عشرات الأسئلة بسرعة وكان يطلب مني أن أجيب بإجابة من ثلاث نعم أو لا، أو كان وانتهى، وأثناء المكالمة سألني إن كنت أشعر بخدر في ذراعي الأيسر ثم أخبرني أنني أعاني من سحر، وأنه بحاجة لزيارة إلى منزلنا، أنا وزوجتي وأن تلك الزيارة سوف تكلفنا ألفي جنيه لكل شخص منا، أي أنه كان مطلوبًا منا دفع 4 آلاف جنيه مقابل زيارته لنا، لم أدفع المبلغ لكن صديقًا لي دفع له، وتم حل المشكلة بالفعل، لكنني ما زلت غير مقتنع».

في كتابه «الدين والدهماء والدم» يقول الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صقر أبو فخر، إن التردد على الدجالين، في أحد وجوهه، يعد نوعًا من العلاج النفسي في مجتمع بات مثل المطحنة، تمامًا مثلما صار التردد على كثير من الكنائس في الولايات المتحدة الأمريكية علاجًا نفسيًّا أيضًا ومحاولة لاكتشاف صداقات جديدة، وهذا بالضبط ما يمكن تسميته بـ«بيئة الإحباط» أو «بيئة الاغتراب» التي تحتاج دجالين عصريين لامتصاص الكرب.

اقتصاد الناس

منذ سنة واحدة
فخ منصوب.. هكذا يُلدغ المصريون من جُحر «المستريح» دائمًا

فاطمة (يحتفظ ساسة بوست باسمها الكامل)، شابة عشرينية تعيش بمنطقة ريفية في الجيزة ولا تعمل، قررت والدتها أن قطار الزواج قد فاتها ببلوغها الخامسة والعشرين من عمرها، لذا تقول لـ«ساسة بوست»: «في قريتنا يؤمن الناس بهذه الأمور جدًا، ومن بينهم أمي، جاءت لي برجل قالت إنه عالم بمثل تلك الأمور، وأن عليّ أن أطيع أوامره، وأعطاني أغراضًا كان يطلب مني وضعها داخل ملابسي الداخلية، وكان يعطيني أيضًا سوائل يطلب مني أن أتجرعها، كنت أحاول التعبير عن رفضي، لكن إيمان والدتي به كان جارفًا حتى أنها كانت تطلب مني في بعض الأحيان خلع أجزاء من ملابسي أمامه كجزء من رحلة علاجي».

وأضافت فاطمة: «بمجرد قيامي بتلك الأمور لم أعد أشعر أنني على ما يرام، وأدخلني هذا إلى حالة نفسية سيئة، وبمجرد أن توقفت أمي عن دفع المال له، توقف عن زيارتنا، حتى قابلني مرة صدفة في الشارع فطالبني بان أعود للعلاج وإلا فسوف تتدهور حالتي أكثر.. عشت أيامًا صعبة، وشعرت أمي أنها آذتني، ولا تزال تحاول التكفير عما اقترفته بحقي بأعمال الخير والصلاة، إذ أيقنت أن ما فعلته بحقي وقتها كان شركًا بالله.» حسب قولها.

تسامح رقابي بالغ الكرم مع الدجل والشعوذة

لم تعترض الرقابة في مصر سوى على مشهد واحد في الموسم الأول من مسلسل «المداح» وهو مشهد «خروج الجن» وقد قام صناع العمل بحذفه، ومر العمل بالكامل مرور الكرام في العام التالي، رغم ما لعبه في نشر الجهل والخرافة.

Embed from Getty Images

كما تسامحت الرقابة مع فكرة «الهيكل» المخبأ بطلاسم سحرية في رمال الصحراء، وكذلك مع فكرة تجسد الجان في صورة بشر، ثم حرقه لاحقًا باعتباره مخلوقًا مؤذيًا، ما يصير التساؤل، إن كان مشهد إخراج الجان مؤذيًا، فهل فكرة التعامل معه وحرقه مقبولة؟

وتأتي هذه المسلسلات لتنشر المزيد من الأفكار حول الدجل والشعوذة في توقيت لا يجرم فيه القانون المصري أيا من الدجل والشعوذة، بل يتم التعامل مع الوقائع من ذلك النوع باعتبارها «نصبًا» إذ تنص المادة رقم 336 من قانون العقوبات المصري على إنه:

«يعاقب بالحبس كل من استولى على نقود بالاحتيال لسلب كل ثروة الغير، إمّا باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو واقعة مزورة، أو إحداث الأمل بحصول ربح وهمي، وإمّا بالتصرف في مال ثابت أو منقول ليس ملكًا له، وإمّا باتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة، وأمّا من شرع في النصب ولم يتمّمه، فيعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز عامًا، ويجوز جعل الجاني في حالة العود تحت ملاحظة البوليس مدة عام على الأقل وعامين على الأكثر».

المصادر

تحميل المزيد