7,740

وسط الدعاية المعتادة للأعمال الفنية الخاصة بشهر رمضان، طفت إلى السطح أخبار أخرى من نوعية جديدة، هي أخبار توقف بعض القنوات عن عرض هذا المسلسل أو ذاك، فيما يعكس مستوى تدخل السياسة في الفن في الوطن العربي.

«فيتو» سعودي على «أرض النفاق»

لم يكن الممثل المصري محمد هنيدي يعلم وهو يصور مشاهد مسلسله «أرض النفاق» أن هذا العمل الفني، سيواجه بعاصفة من الانتقادات قد تهدد إمكانية عرضه، ليس بسبب انتقادات فنية، ولكن بسبب اعتبارات سياسية محضة، حيث أدى وجود اللإعلامي المصري إبراهيم عيسى ضمن شخصيات المسلسل إلى إثارة غضب السعودية التي قررت وقف عرض المسلسل على شاشاتها، حيث تعتبر عيسى أحد المسيئين للملكة.

يقول الرئيس التنفيذي لهيئة التليفزيون السعودي: «داود الشريان»: إنه «عندما علم بوجود شخص يسيء للمملكة في أحد المسلسلات التي تم التعاقد عليها، تم رفض هذا العمل، فلن يظهر على قنواتنا شخص أساء للمملكة».

وفي محاولة من الشركة المنتجة «العدل جروب» لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي سابقة أولى ربما في الدراما المصرية، تحدثت تقارير عن عمل الشركة المنتجة للمسلسل على تقديمه بنسختين لتفادي فسخ التعاقد بين شركة «العدل جروب» المنتجة للمسلسل والتلفزيون السعودي، حيث يتم تبديل مشاهد عيسى، بدلًا عن حذفها الذي قد يحدث خلالًا دراميًا حسب ما قال المنتج، وقررت الشركة عمل نسخة خاصة من أجل عرضها حصريًا على الشاشات السعودية؛ فأصبح أمام المشاهد نسختان، الأولى تعرض على القنوات المحلية يحتفظ فيها عيسى بأدواره الخمسين، والنسخة الثانية على القنوات الخليجية يحل فيها الممثل المصري سامي مغاوري بديلًا عن عيسى الذي يجسد شخصية دكتور ماضي.

لكن الأزمة أخذت منحى آخر حين أعلن بطل المسلسل هنيدي أنه لن يعرض على قناة «أون تي في» المصرية كذلك، ليلف الغموض مصير المسلسل بالكامل، قبل أن يعود بعدها بأيام ليزف لمشاهديه نبأ إعادة تصوير المسلسل، ويقدم لهم برومو جديد، ما عنى أن المشكلة قد وجدت طريقًا للحل، بشروط السعودة بطبيعة الحال.

وفيما رأى البعض أنه كان يجب على شركة «العدل جروب» عدم الانصياع لرغبات التليفزيون السعودي، خرج إعلاميون سعوديون بمقترح يطالب بإنشاء ما يسمى بـ«قائمة سوداء» تضم الإعلاميين المسيئين إلى السعودية وقيادتها؛ وذلك بهدف منع هؤلاء من الظهور في وسائل الإعلام السعودية، سواءً المرئية، أم المكتوبة، أم المسموعة.

الإعلامي المصري «إبراهيم عيسى» (المصدر: مجلة سيدتي)

وقد اعتاد عيسي في السابق على مهاجمة المملكة  خلال برامجه، وهاجم أيضًا ملك السعودية، حتى إنه قال في إحدى حلقاته : «إن السعودية وأميركا حلفاء دم منذ عام 1945»، ويجسد عيسى الذي اشترط الظهور بالحمالات الخاصة به في أحداث المسلسل عدة شخصيات، وهذا هو الظهور الأول له كممثل، وتدور أحداث المسلسل، حول اكتشاف بطل المسلسل (مسعود) الذي يؤدي دوره الفنان المصري الكوميدي «محمد هنيدي» متجر يبيع حبوبًا تكسب الفرد الكثير من السلوكيات، ومنها الشجاعة والنفاق.

منع «شبعنا من التمثيل» يؤلم فضل شاكر

شاهد أغنية «شبعنا من التمثيل» – في اليوم الأول لنشرها على «اليوتيوب» – نصف مليون شخص، فتتر مسلسل «لدينا أقوال أخرى» هي أول ظهور فني للمغنى اللبناني فضل شاكر، وقد توقع هؤلاء أن يسمعوا هذا التتر طيلة شهر رمضان المبارك مع كل بداية، ونهاية للمسلسل.

لكن ما حصل بعد مضى 48 ساعة، هو إعلان الشركة المنتجة للمسلسل استغنائها عن أول أغنية رسمية لـ«شاكر» عاد بها بعد ست سنوات من الاعتزال الفني؛ فقد قررت الشركة إزالة صوت المغني اللبناني، والإبقاء على الموسيقى فقط «احترامًا للشعب اللبناني وجيشه الباسل»، كما جاء في بيان شركة «العدل جروب» الذي أضاف: «نظرًا للعلاقات الفنية والتاريخية بين مصر ولبنان، والتي أثمرت عن اعتبار الفنان اللبناني مصري الهوية والعكس صحيح، فإننا عندما فكرنا في الاستعانة بالفنان فضل شاكر لغناء تتر مسلسل الفنانة الكبيرة يسرا، كانت اعتباراتنا فنية بحتة، ولم يدر بخلدنا أن مشكلته ما زالت قائمة».

كما جاء في البيان: «فلما علمنا أن مشكلته لم تحل، وهناك علامات استفهام حول موقفه القانوني، ونظرًا لاعتقادنا الدائم أن الفن يوحد الشعوب ولا يفرقها، فإننا احترامًا لمشاعر الأخوة في لبنان قررنا الاستغناء عن صوت فضل شاكر، ولن يكون موجودًا على تتر مسلسل يسرا، نحن نكن ونحترم كل المشاعر، وليس في نيتنا إلا الفن والانتصار له».

وقد خلق اعتراض بعض اللبنانيين على ظهور شاكر – بسبب انضمامه سابقًا إلى جماعة «متطرفة» – تخوفًا لدى شركة الإنتاج من تراجع توزيع المسلسل داخل بعض الدول العربية؛ فقررت بسرعة الإعلان عن إزالة صوت شاكر، فيما تثار شكوك بأن الأزمة الحالية مفتعلة، بدليل أن أغانيه يستمر إذاعتها عبر الفضائيات والإذاعات العربية، كما يرى البعض أن من حق شاكر العودة إلى الساحة الفنية بعد تراجعه عن مواقفه السابقة وإبداء ندمه.

المغنى اللبناني «فضل شاكر» (المصدر : شبكات التواصل الاجتماعي)

يذكر أن «شاكر» أعلن في 2012 اعتزاله الغناء، بعد أن انضم لمناصرة الشيخ اللبناني الجهادي أحمد الأسير، وفي سبتمبر (أيلول) 2017 صدر بحق شاكر حكم عسكري بالسجن 15 عامًا مع تجريده من حقوقه المدنية، في قضية عرفت بـ«أحداث عبرا»، التي وقعت بين أنصار الشيخ الأسير والقوات اللبنانية العام 2013، وقُتل على إثرها 18 جنديًا لبنانيًا، وأصيب آخرون.

مسلسل «هارون الرشيد» يمنع بـ«أمر إيران»

ضمن محاولات فرض نفوذها فنيًا وثقافيًا، وصل التدخل الإيراني في سوريا حد منع بث التلفزيون السوري للمسلسل التاريخي «هارون الرشيد» في شهر رمضان المبارك، فبعدما وصل المسلسل إلى دائرة الرقابة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون الرسمية، اتخذ قرارًا سريعًا بمنع عرضه.

إذ لم يكتف النظام السوري بمنع المسلسل من العرض فقط، بل سبق وأن منع تصوير بعض حلقاته في دمشق كما كان مقررًا، فاقتصر تصويره على مدينة أبوظبي الإماراتية، واعتبر كاتب المسلسل عثمان جحا أن قرار الرقابة «محض افتراء» مضيفًا أن «دائرة الرقابة رفضت النص في البداية دون أن تطلب أي تعديل، أو تبدي أية ملاحظة»، لكن ما حصل أنه «منعًا لعدم التلاعب والاحتيال والتهرب من الاستحقاقات الرقابية» تولى أمر متابعة الإجراءات الرقابية للمسلسل لتقرير مصير عرضه أو منعه وزير الإعلام التابع للنظام السوري «عماد سارة» بنفسه، وهو من قرر رفضه عرضه لأسباب تتعلق بـ«الصراع السني – الشيعي»، بل حظر أي نشاط دعائي للمسلسل في سوريا.

ويتناول المسلسل حقبة حكم الخليفة «هارون الرشيد»، التي اشتهرت بما سمى «نكبة البرامكة»، تلك العائلة الفارسية المقربة من الخليفة الرشيد، فقد كان «يحيى البرمكي» هو المسؤول عن تربية الخليفة، ورغم وجود عدة روايات عن أسباب نكبة البرامكة، إلا أن المؤرخين يتفقون على أن البرامكة الذين حظوا بمكانة عالية في الدولة العباسية استغلوا ثقة الخليفة الرشيد بهم، واستغلوا قربهم من مقاليد الحكم واستغلوا أموال الدولة، فتدخلوا في أحكام الرشيد وفي أمور الدولة من غير حق، وأشعلوا الفتنة بين الخليفة وأخيه، وعندما تنبه الخليفة لخطرهم، قضى عليهم واحدًا تلو الآخر.

ويبدو أن التدخلات الإيرانية في سوريا – كما أسلفنا – هي السبب في منع مسلسل هارون الرشيد من العرض عبر القنوات السورية؛ إذ اعتبرت إيران أن «العمل محرض على الفتنة المذهبية، وينبش خلافات بين العرب والفرس لا طائل منها، سوى توجيه الإساءة لتاريخ حلفاء اليوم»، حسب ما جاء في تقرير موقع «المدن» اللبناني.

ونقل عن الكاتب السوري الموالي للنظام قمر الزمان علوش قوله على صفحته على «فيسبوك»: «هذا المسلسل يطعن أصدقاءنا وحلفاءنا في حربنا ضد الإرهاب في الصميم، ويسيء إلى تاريخهم وحضارتهم وهويتهم القومية في حين أن الحقيقة التاريخية تقول إنهم كانوا عصب الحضارة الإسلامية في عصورها التي تسمى بالذهبية في العمران والإدارة والزراعة والثقافة والفنون والترجمات العالمية».

وتابع القول: «مسلسل هارون الرشيد يخالف القوانين السورية التي تحظر إثارة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، المسلسل يسيء للتاريخ الفارسي وللشخصية الفارسية، فيصورها على مدى المسلسل في أجواء التآمر والدسائس والاغتياﻻت والكراهية والحقد على العرب والطموح لتدمير الدولة العربية واﻻستيلاء عليها».

مسلسل «المهلب بن أبي صفرة».. «سطو على تاريخ عُمان»

إن التاريخ ليس إرثًا لأحد، لكن الشخصيات تعود إلى أوطانها ولانتمائها، ولا بد أن تسمَّى الأشياء بمسمياتها وأن يُعطى الحق لأصحابه، فالاعتداء على الأموات ليس بشيء من شيم الكرام.

كان مستشار السلطان العماني للشؤون الثقافية عبد العزيز بن محمد الرواس يدلي بهذه التصريحات الصحافية غاضبًا من موقف الإمارات التي أنتجت مسلسل حول أحد أركان الدولة الأموية «المهلب بن أبي صفرة» ونسب أصل الرجل للإمارات، في حين تؤكد عُمان أنه «عماني حتى النخاع».

دعاية المسلسل (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي)

حيث اعترضت سلطة عُمان على المسلسل الذي أنتجته الإمارات؛ لكونه خرج بتاريخ مغاير – وفق المصادر العمانية – فاتهمت دولة الإمارات من قبل عُمان بالسطو على تاريخها بنسبة هذه الشخصية إليها؛ فالمهلب ولد على أرض عُمانية، وحقق إنجازات كبرى؛ حيث عيّنه الحجّاج واليًا على خراسان، وخاض حروبًا ضد الفرس.

وتعود جذور الخلاف على هذه الشخصية إلى العام 2013؛ حين أصدر الكاتب السوري رياض نعسان آغا كتابًا بعنوان: «المهلب من دبا إلى مطلع الشمس»، وجاء في هذا الكتاب أن «والي خراسان» وُلد قرب مدينة الفجيرة، إحدى الإمارات السبع، التي ائتلفت فيما بعد في اتحاد بعد أن ظلّت تخضع للحُكم العماني حتى مجيء الاستعمار البريطاني للمنطقة، وقد اعتمدت أبوظبي على رواية هذا الكتاب حتى تثبت إماراتية الرجل.

ونظمت عمان أول أمس ندوة بعنوان «المهلب بن أبي صفرة» ضمن محاولاتها رسم صورة واضحة لحياة المهلب وإبراز دوره العسكري والسياسي ودور آبائه في عُمان والحجاز والعراق وأفريقيا، وتهدف الندوة «لوقف الاعتداء على الأسلاف وعلى تاريخ رجال عِظام خدموا البلاد والعباد في كل مكان ذهبوا إليه»، كما قال مستشار السلطان العماني للشؤون الثقافية عبد العزيز بن محمد الرواس الذي خاطب الإماراتيين بقوله: «إذا أردتم العودة إلى أصولكم العُمانية فمرحبًا بكم، لكن لا تزوّروا التاريخ».