قبل بضعة أسابيع التقى قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، بقادة بعض الميليشيات الشيعية المسلحة التي تدعمها إيران في العراق. وبرغم أن الرجل اعتاد طيلة السنوات الماضية على مثل تلك اللقاءات، إلا أن نبرة هذا اللقاء كانت مختلفة عما سبق. فقد التقى بتلك الميليشيات لتوجيهها نحو الاستعداد لحرب بالوكالة؛ إذ من السهل أن يصبح العراق ساحةً للصراع في حال وقوع أية مواجهات بين طهران من جهة وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى على إثر التطورات الحالية التي يشهدها البلدان عقب قرار إدارة الرئيس الأمريكي ترامب إعادة فرض العقوبات على طهران، وذلك بفضل ما زرعت إيران في تلك الميليشيات من تأهيل وتدريب وأسلحة يسهل حصادها في أي وقت تشاء.

معسكرات الميليشيات الشيعية العراقية على الحدود مع السعودية

في مارس (أذار) 2018 كشفت مجلة «إيكونوميست» أن العراق سمح للميليشيات الشيعية الموالية لإيران بإقامة معسكرات على الحدود العراقية مع السعودية.

قوات الحشد الشعبي الذي تنضوي تحته الميليشيات الشيعية

فيما كشفت مصادر عراقية خلال الساعات الماضية أن عناصر من ميلشيا «عصائب أهل الحق»، و«كتائب حزب الله» العراقية، و«سرايا عاشوراء»، و«مليشيا الإمام علي»، نشرت مقاتليها في منطقة النخيب على الحدود السعودية، تلك المنطقة التي تشكل ثلث مساحة محافظة الأنبار غرب العراق.

ووصف هذا الانتشار بالمريب؛ إذ تزامن مع اتخاذ تلك الميليشيات لبعض المدارس ملاذًا لها ووضع أسلحة فيها، بل شُوهدت صناديق خشبية يُعتقد أنها احتوت على صواريخ. كذلك قامت تلك الميليشيات باعتقال العديد من شباب عشائر النخيب تحت ذريعة انتمائهم لـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، فيما يؤكد العراقيون أن الاعتقال يعود للامتداد القبلي بين تلك العشائر وعشائر سعودية بسبب جوار الحدود العراقية السعودية.

ويزيد التخوف من أي تحرك لتلك الميليشيات التي دعمتها ايران بالمال والسلاح منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003؛ إذ ينضوي أكثر من 125 ألف مقاتل فيها منذ عام 2014 تحت راية هيئة الحشد الشعبي، وهي عناصر تمتلك أسلحة ضخمة، ليس آخرها ما استولت عليه من أسلحة نوعية أمريكية اشتراها العراق من الولايات المتحدة بمليارات الدولارات، مثل «دبابات أبرامز» المتطورة التي اشترى منها العراق 140 دبابة عام 2008.

إذ كشفت وكالة «رويترز» في أغسطس (أب) 2018؛ عن تقديم طهران صواريخ باليستية تلك الميليشيات تمكنها من ضرب خصوم إيران في المنطقة، وذكر تقرير الوكالة أن «الصواريخ المعنية، وهي صواريخ «زلزال» و«فاتح 110» و«ذو الفقار»، يتراوح مداها بين نحو 200 و700 كيلومتر؛ مما يضع الرياض وتل أبيب على مسافة تتيح ضربهما إن تم نشر هذه الصواريخ في جنوب العراق، أو غربه».

ونقلت الوكالة عن مسؤول في المخابرات العراقية أن «الأمر كان واضحًا لأجهزة الاستخبارات العراقية، تلك الترسانة من الصواريخ، والتي مصدرها إيران لم تكن لغرض محاربة (داعش)، لكنها ورقة ضغط تستخدمها إيران عندما تدخل في صراع إقليمي، لا نستطيع منع الميليشيات من إطلاق الصواريخ الإيرانية؛ لأنه وببساطة مفتاح الإطلاق ليس بأيدينا، إنه مع الإيرانيين الذين يتحكمون في زر الإطلاق».

ويضاف إلى الجهد العسكري السابق جهد استخباراتي؛ إذ كُشف عن وجود أجهزة تنصّت إيرانية مزروعة قرب الحدود مع السعودية، وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتركيب أجهزة إلكترونية متطورة جدًا تغطي كل الطرق التي تمتد من إيران إلى المدن العراقية، وتستطيع تغطية الأراضي السعودية ودول الخليج كذلك.

بعيدًا عن التعبيرات الدبلوماسية.. هل تحتل إيران العراق حقًا؟

هل يمكن أن تهاجم الميليشيات العراقية السعودية؟

تؤمن واشنطن بأن الميليشيات الشيعية في العراق تعمل جنود مشاة في حروب إيران بالوكالة في الشرق الأوسط، وبأن إيران تعمل كل ما بوسعها من أن أجل أن تصبح الميليشيات بديلًا للجيش العراقي، أي جيش مستقل يتلقى أوامر مباشرة من طهران.

ميليشيا شيعية عراقية

وينبع من ذلك خوف من أن تستخدم إيران الميليشيات الشيعية في استهداف المنشآت الأمريكية في العراق، مع تصاعد النزاع مع طهران بعد قرار إدارة ترامب إعادة فرض العقوبات على إيران، خاصة أنه سبق وتوعدت طهران باستخدام وكلائهم في الانتقام من واشنطن.

تحدثنا إلى الباحث في الشأن العراقي، مجاهد هاشم الطائي، الذي أكد أن الخطورة العسكرية تكمن في امتلاك الميليشيات الأقرب إلى إيران صواريخ بعيدة المدى، كالتي يمتلكها الحوثي في اليمن، لكنه استبعد في المرحلة الحالية قيام تلك الميليشيات بإطلاق صواريخ على السعودية؛ لأنها ستكون في مواجهة مع الدولة العراقية التي أعادت فتح علاقاتها مع الرياض وتعتبرها دولة جارة مهمة، وحليفًا لواشنطن في المنطقة.

ويوضح الطائي لـ«ساسة بوست»: «من حيث الإمكانية لا تتوانى تلك الميليشيات عن القيام بأي فعل ضد من تعتبره إيران خصمها، فهي لا تعترف بالدولة العراقية، وتصرح علنًا بقربها وولائها لإيران، واستعدادها القيام بما يخدم طهران، وتستخدم إيران ميليشياتها جزءًا من الضغط السياسي على خصومها للتخفيف من وقع العقوبات على اقتصادها الذي يعاني».

بينما يرى الباحث في الشأن العراقي – إياد العناز – أن الميليشيات العراقية جزء مهم وحاسم من المشروع الإيراني في الوطن العربي، وهي إحدى الأدوات التي تستخدم من قبل الحرس الثوري الإيراني، ويدعمها ميدانيًا «فيلق القدس» التابع لقاسم سليماني.

وبناء على ما سبق يعتقد العناز أن تلك الميليشيات ستكون ضمن الجهد العسكري الذي سيحدث في حالة أية مواجهة بين واشنطن وطهران، وستستهدف جميع القواعد والأماكن التي يستخدمها الجيش الأمريكي داخل العراق، ولذلك جاءت التحصينات التي استخدمتها القوات الأمريكية، خاصة في المنطقة الغربية من العراق، القريبة من الحدود العراقية السعودية، فقط كانت تلك التحصينات لمنع أي توترات قادمة من الميلشيات، وكبح جماح حركتها.

ويوضح العناز أن «قيادة الميليشيات العراقية ستكون محورًا فعالًا في تحقيق غايات وأهداف التوجه الإيراني في المنطقة، ومن ضمنها العراق والسعودية والخليج العربي. أي أنها ستكون طرفًا في تنفيذ جميع التوجهات الإيرانية والتعرض للمصالح الحيوية الأمريكية والتعرض المصالح العربية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع واشنطن، فالتوجه الإيراني يعتبر أن دعم وإسناد الدول العربية، وخاصة دول الخليج  لواشنطن يوقعها ضمن طائلة الاستهداف الإيراني».

هل تستطيع الحكومة العراقية منع الميليشيات من استهداف السعودية؟

سعت الرياض إلى التقارب مع العراق في الفترة الأخيرة بغية مواجهة النفوذ الإيراني، وكان الاقتصاد سبيلها الأول لذلك؛ إذ قدمت حزمة مشروعات، مثل المنح المالية، وكذلك فتح «معبر عرعر» الحدودي، واستثمار ملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية.

عرض لإحدى الميليشيات الشيعية في بغداد

كذلك سعت الرياض إلى بناء علاقات مع شخصيات سياسية عراقية شيعية، في مقدمتها مقتدى الصدر الذي زار السعودية عام 2018، وهي تحركات تهدف إلى مزاحمة إيران في ساحة نفوذها الأساسية وسط البيئة الشيعية.

يرجح الباحث في الشأن العراقي إياد العناز تأثر العلاقات السعودية العراقية بأي تحرك للميلشيات الشيعية في العراق ضد السعودية، ويقول: «السعودية تغاضت عن الموقف العراقي الأخير في مؤتمر القمة في الرياض الذي عقد 25 مايو (أيار) الماضي، ففي هذا المؤتمر الذي دعا لتشخيص الدور الإيراني في المنطقة العربية بأنه يستهدف الأمن القومي العربي اعترض الوفد العراقي على البيان الختامي للمؤتمر؛ وهو ما اعتبر خروجًا عن الموقف العربي، لكن الرياض التي تغاضت عن هذا الموقف لن تفعل ذلك إذا ما تطور الأمر؛ فعدم استطاعة حكومة العراق إيقاف الميليشيات المسلحة سيكون له انعكاساته السلبية على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الرياض وبغداد».

ويشدد العناز خلال حديثه لـ«ساسة بوست» على أن حكومة بغداد لا تمتلك القدرة على التفاعل الميداني ومنع قيادة الميليشيات من أي دور لها في المواجهة القادمة إن حدثت، فهي لا تمتلك القدرة على مواجهة الميليشيات التي لديها الإمكانات الكبيرة بسبب النفوذ الإيراني على القرار السياسي في العراق والتحكم المطبق في تشكيل الدولة العميقة التي أصبحت أحد ملامح السياسية والأمنية، وبالتالي لا ننسى الهيمنة على الحكومة العراقية ومنعها من اتخاذ قرار دون الرجوع إلى النفوذ الإيراني.

من جانبه يعتقد الباحث مجاهد هاشم الطائي أن الحكومة العراقية الضعيفة والمنقسمة لن تستطيع إيقاف أي عمل تقوم به تلك الميليشيات ضد السعودية؛ لأن نفوذها وقوتها مرتبط بالحرس الثوري الإيراني مباشرة، وأي عمل إن حصل فهو حتمًا بإيعاز إيراني، ولن تخطو تلك الميليشيات بأية خطوة إلا بعد موافقة وتوجيه من طهران، بحسب الطائي.

ويشدد الباحث في الشأن العراقي على أن العلاقات السعودية العراقية مستمرة، ولن تتأثر بعمل ميليشيات عابرة للحدود؛ فالسعودية تهدف بجزء من إعادة العلاقات مع العراق تقوية الدولة على حساب منظومات اللادولة التي تستقوي بالارتباط بإيران، وتأخر العرب عنها، وضعفها الناتج جزئيًا عن الغياب العربي، إذ إن قوة الميليشيات تتراجع حال ازدياد الدول العربية الداعمة للدولة العراقية ومزاحمة إيران.

حربٌ محتملة تلوح في الأفق.. هذه خيارات إيران في حال أعلنت أمريكا الحرب عليها

المصادر

تحميل المزيد