قد يبدو  الحديث عن رجل يُدعى «جون دافيسون روكفلر» وُلد عام 1839 ومات عام 1937، حديثًا قادمًا من عمق التاريخ، لكن بالتأكيد الحديث عن غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 لا يبدو قديمًا. كذلك لا يمكن القول إن الحديث عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وربطه بالانقلاب على رئيس الحكومة الإيراني محمد مصدّق، مجرد سرد للتاريخ، فما الذي يربط بين تلك القصص؟ النفط هو الرابط بين الشرق والغرب، والعنصر المشترك الذي تتقاطع حوله الأحداث كافة.

قبل وفاة روكفلر بعشر سنوات اكتشف العراق أول بئر بترول له في محافظة كركوك عام 1927. بعد الاكتشاف بعامٍ واحد فقط، عام 1928، كان النفط سببًا في حدوث تقاطع تاريخي جديد، لكنه كان بعيدًا للغاية عن العراق خاصةً، والعالم العربي عامة؛ في أسكتلندا، في إحدى القلاع البعيدة عن الأنظار اجتمع ثلاثة رجال أعمال، الأول كان الهولندي «هنري ديتريدينج»، المُلقب بنابليون النفط. جاء نابليون النفط ممثلًا عن شركة «شيل الهولندية الملكية»، وتكونت الشركة لحظة اكتشاف بئر للنفط في جزيرة «سومطرة» عبر امتزاج بين هنري، ومدير شركة «شيل»، ومالك أسطول سفنها.

والثاني كان البريطاني «جون كدمان»، جاء كدمان ممثلًا عن شركة النفط «الأنجلو- إيرانية»، التي نعرفها الآن بالعملاق «بيرتش بيتريلوم». استرى وينستون تشرشل نسبةً من أسهم شركة «بيرتش بيتريلوم»؛ ليكون من حق البحرية البريطانية الحصول على النفط الذي تريده لتحوِّل سفنها من الاعتماد على الفحم الحجري إلى الوقود العصري الجديد. وكانت شراكة البحرية البريطانية مع شركة النفط تعني أن توفر النفط في قبضة الشركة لم يعد مجرد استثمار خاص لعدة أفراد، بل قضية أمن قومي وشريان حياة لجيش المملكة يجب الحفاظ على سريان الدماء فيه للأبد. أما  الثالث فهو الأمريكي «والتر تيج»، جاء والتر  ممثلًا عن شركة «ستاندر» للنفط، التي أسسها روكفلر ولم يبلغ بعد الثلاثين عامًا، وسوف يصبح اسمها الذي نعرفه اليوم «إكسون». الآن يزداد تقاطع الخيوط، لكن الصورة تزداد وضوحًا أيضًا.

الابن على نهج أبيه.. الخداع

أسس روكفلر شركة «ستاندر أويل» في عام 1870، استغرق الأمر من روكفلر تسع سنوات فقط حتى يصبح وحده مسيطرًا على 90% من نفط الولايات المتحدة الأمريكية. يقول روكفلّر إنه تعلم الإصرار من والده، الذي اعتمد في تجارته على الغش والخداع بشكل أساسي، كما أن والده أنجب العديد من الأطفال، وكوَّن أكثر من أسرة، كان روكفلر ذاته خامس خمسة من إخوته في أسرة من الأسر التي أنشأها أبوه. رغم غرابة قصة الوالد، فإن الولد يقول إنّ ذلك علَّمه عدم الرضا بالمتاح، والطموح للأفضل دائمًا.

وبالفعل لم يضع أي شيء حدًّا لطموح روكفلر، سوى الأزمة القلبية التي أنهت حياته. أما الخداع فقد بدأه روكفلر منذ شبابه، حين رغب في الفرار من الانضمام للجيش، فاستغل ثغرة «الاستبدال»؛ إذ يدفع الأغنياء المال لشاب فقير كي يحلَّ محلهم في التجنيد. لم يكن روكفلر غنيًّا في البداية، شاب يعمل براتب 25 دولارًا شهريًّا، لكنّه استغل أزمة الحرب في تهريب بعض المنتجات وبيعها بسعرٍ مرتفع ليوفر تكلفة بديله العسكري.

 

وكما اقتنص فرصة شح بعض المنتجات، لمح إمكانية استغلال وفرة منتجات أخرى. بدأ النفط يظهر في ولاية «بنسلفانيا»، وبدأت تظهر معه مشاكله. أبرز تلك المشكلة أن شركات استخراج النفط لم تكن تمتلك طرق استخراج فعالة، فتستخرج كمية النفط التي تريدها ثم تسمح لباقي النفط الموجود بالتسرُّب للمسطحات المائية. أخذ روكفلر النفط الذي تُهدره شركات النفط، وحوَّله عبر مصفاة متواضعة أنشأها على نفقته لمنتجات مثل شمع البرافين وزيوت للتشحيم.

كونه مجرد رجل يقتات على النفط المتناثر، لم يعاده أحد من رجال النفط آنذاك. لكن عبر عملية تلو الأخرى، مصفاة تلو الأخرى، سوف يصبح روكفلر صاحب أكبر مصفاة نفط في العالم، حتى قرر عام 1870 أن ينهي شراكته مع أي أحد ويؤسس شركته الخاصة «ستاندر أويل». في خلال تسع سنوات سيصبح روكفلر في بحر النفط مثل سمكة قرش لا تشبع أبدًا، كلما رأى مصفاةً اشتراها، وكلما لمح منافسًا ناشئًا سحقه. امتلاكه للعديد من المنتجات جعل غالبية شركات الشحن تتنافس لتفوز بالعمل معه، فخُفِّضت له تكاليف النقل، فخفَّض هو سعر منتجاته، فامتلأت بها البيوت ومحطات الوقود. 12 عامًا  كاملة فرض فيها روكفلر قبضة حديدية حول كل ما يتعلق بالنفط من حفرٍ للآبار، ونقل للخام، وتكرير للبترول وتوزيعه، لكن لا بد للحلم الجميل أن ينتهي دائمًا باليقظة على واقع مؤلم.

حلم روكفلر يتهشم لـ 34 قطعة

استيقظ روكفلر على قرار القضاء الأمريكي عام 1911 بتفكيك إمبراطورية «ستاندر أويل»؛ لمخالفتها القوانين المنظمة لعملية الاحتكار. تفككت الإمبراطورية إلى 34 شركة مختلفة، منهم «إكسون» و«موبيل» اللذان اندمجا لاحقًا ليكوِّنا «إكسو-موبيل» عملاق النفط في الولايات المتحدة والعالم. لكن حتى الذين لم يندمجوا ظلوا جميعًا في واقع الأمر خاضعين لـ«روكفلر»، أول من لُقب بالملياردير في القرن العشرين بثروة قدرها 900 مليون دولار.

لكن روكفلر لم يحزن لأن شركته تفككت، بل كان حزنه الحقيقي أنه لم يحقق حلمه بامتلاك النفط على الكوكب بكامله. حزنه على ضياع الحلم أقعده وجعله يتوجه إلى العمل الخيري، فبلغ إجمالي ما تبرع به حتى عام رحيله، بعمر 98 عامًا، 540 مليون دولار. لكن ما تبيَّن لاحقًا أن ضياع الحلم كان على الأوراق الرسمية فقط، أما القلعة الأسكتلندية فكان لها رأي آخر.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
5 أسئلة تشرح لك ماذا يحدث للنفط الأمريكي

 

جلس الهولندي والبريطاني والأمريكي، واتفقوا على أن المنافسة بينهم تخدم الجمهور وتضر رصيد حساباتهم، وأنه من المستحيل أن يسمح أي قانون لشركة واحدة أن تمتلك نفط الكوكب بكامله، لذا لا بد من التوصل لاتفاق يجري بموجبه العمل بشكل متناغم؛ كي يمكنهم تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من الأرباح، وتطويق كوكب الأرض دون أن يراهم أحد. توصل الثلاثة لاتفاق غير مكتوب، لم تعلمه حكومات بلادهم كدول مستهلكة للنفط، ولم تعرفه كذلك حكومات الدول المُنتجة، كل شيء كان سرًّا حتى انكشف الاتفاق بعد قرابة 20 عامًا بتسريبات متلاحقة، لم يعد النفي والتجاهل بقادرين على سد ثقوبها.

ربما بدأت التسريبات لحظة شروق شمس اليوم التالي للاتفاق، إذ انضم للاتفاق أربع شركات أخرى، «موبيل»، و«تكساكو»، و«جولف»، و«شيفرون»، لتتكون بذلك الإمبراطورية التي عُرفت باسم «الأخوات السبع» للسيطرة على نفط العالم بلا هوادة. تلك السيطرة لم تكن دائمًا سيطرةً ناعمة، أو عرضًا مغريًا من الشركة للدول المُنتجة، بل غالبًا ما اعتمدت على فقر الدول المُنتجة وعدم إدراكها لحجم الثروة النفطية التي تطفو عليها، وكون الأخوات السبع تُسمي ما تُقدمه للدول عروضًا، فذلك لا يعني أبدًا أن بإمكان الدول الرفض أو التراجع. العديد من دول العالم سوف يؤكدون تلك الحقيقة، خاصةً الدول العربية التي تمتلك عنصرين جاذبين بشدة لحيتان النفط، العوم في بحار من النفط، وضعف الإمكانات.

إيران.. العقبة الأزلية أمام الأخوات

أول البلاد التي تجلى فيها سيطرة الأخوات السبع كانت إيران، فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وتوقيع اتفاقية «سايكس بيكو» الشهيرة، صار الشرق الأوسط كعكةً مقسمةً بين بريطانيا وفرنسا فحسب، ولم يكن للولايات المتحدة نصيب. لم تغضب الولايات المتحدة بقدر ما غضبت شركات النفط الأمريكية؛ إذ إن ذلك يعني أنها لن تستطيع بسط نفوذها على مزيد من النفط، خاصةً في إيران، التي تُظهر نتائج مبشرة للغاية.

أتى أحد وسطاء النفط لهم بالحل، وضع خطوطًا توضح المناطق التي يُتوقع أن يظهر فيها النفط لاحقًا، بداخل تلك الخطوط يُمنع على أي شركة أن تستأثر بالكعكة لنفسها، وعليها أن تعقد شراكةً مع الآخرين. الوسيط العبقري لم يفعل ذلك لمصلحة أي أحد سوى نفسه، فكان ثمن فكرته العبقرية حصوله على 5% له وحده من أي عقد نفطي يُوقع بين أي طرفين داخل تلك المناطق، وبموجب ذلك التعاون أيضًا دخلت شركة «توتال» الفرنسية في تحالف مع العمالقة الثلاثة الذين بدأوا «الأخوات السبع»، وبذلك أصبح لكل شركة مقابل متساوٍ من مبيعات النفط في العراق وإيران.

السعودية هى الأخرى كانت محطة رئيسية للأخوات السبع، دخلتها مختبئةً في رداء الرئيس الأمريكي «روزفلت»، حين التقي بالعاهل السعودي، عبد العزيز بن سعود، عام 1945 ليُجددا اتفاق عام 1936، الذي يقضي بفتح السعودية أبوابها أمام شركات النفط الأمريكية، وبذلك تأسست «أرامكو» السعودية، مزيجًا من «إكسون»، و«موبيل»، و«شيفرون»، و«تيكساكو». وكانت مملكة داخل المملكة، تبيع النفط بالسعر الذي تشاء ولمن تشاء، ودور المملكة السعودية أن تتقاضى نصيبها فقط، وبصمتٍ تام.

Embed from Getty Images
سوق مزدهرة وعمل سلس، وأهم أسباب سلاسته أنه في الخفاء، لا يعرف أحد عنه شيئًا، لكن عام 1952 سُلطت الأضواء على «الأخوات السبع»، لم تكن أضواء الإعلام فحسب، بل المحاكم أيضًا. لأول مرة يدخل التحالف السري المحكمة العليا الأمريكية، باستدعاء رسمي بسبب ملاحظة المفوضية الأمريكية للتجارة، أن ثمة ترتيبات مريبة وغير قانونية تحدث بين شركات النفط. لكن لم يُصِب التحالف أي أذى، أُوقف التحقيق وأُلغيت المحاكمة، فالرئيس الأمريكي «هاري ترومان» رأى أنه مهما كانت الشركات تفعل، فإنها تخدم الولايات المتحدة ولا تضر بمصالحها.

الحكومات تثور بسبب خفض عمولتها

بالطبع لم يبال ترومان ولا «الأخوات السبع» بثورة الإيراني «محمد مصدق» وعمال شركة «بريتش بتروليوم»؛ بسبب رفض الشركة زيادة أجورهم رغم ارتفاع عائدات النفط. رفضهم زاد من عناد مصدق والعمال، فرفع الرجل سقف مطالبه حتى بلغ «تأميم النفط». رضوخًا لضغط البرلمان خضع الشاه، محمد رضا بهلوي، وعيَّن مصدقًا رئيسًا للحكومة. أول قرارات مصدق كان تأميم النفط، وترحيل المهندسين البريطانيين.

حاربه تحالف «الأخوات السبع» بمنع أي وسيط وأي حكومة من شراء النفط الإيراني، والقبض على أي سفينة إيرانية تخرج مُحملةً بالنفط. وانتهى الأمر بانقلاب عسكري على مُصدق، وعودة نفط إيران لحضن «بريتش بتروليوم»، لكن الأمريكيين طالبوا بثمن مساعدتهم للبريطانيين، وقد كان أن بسط «الأخوات السبع» مزيدًا من النفوذ على النفط الإيراني. بعد مصدق كان قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1956 بتأميم قناة السويس المصرية، فأتاه الرد عبر أصوات الطائرات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية في العدوان الثلاثي.

كان التدخل الأمريكي لصالح مصر، عكس ما حدث مع مصدّق، لكن شركات النفط كانت فرحة بشيء آخر. إغلاق قناة السويس أدى لارتفاع أسعار النفط، وزادت أرصدتهم البنكية زيادةً ضخمة في أيام معدودة. لكن رغم ذلك، قررت «الأخوات السبع» تقليل ثمن النفط الذي تشتريه من العراق، بحجة أن لديها فائضًا من الانتاج. هنا تغيَّر الأمر بالنسبة للدول المصدرة للنفط، لا مانع من تغيير نظام الحكم أو قمع العمال، ما دام النصيب الحكومي يدخل كاملًا، أما خفض الثمن فمعناه أن حصة الحكومات تقل، فلا بد من التصرف.

في بغداد أيضًا، ولأيام متتابعة، اجتمع مندوبون عن الكويت، وإيران، والعراق، والسعودية، وفنزويلا، قرروا جميعًا تأسيس منظمة تجمع الدول المُصدرة للنفط. هدف تلك المنظمة الأهم، هو تحديد سعر النفط الذي سيبيعون به، وبذلك وُلدت «أوبك» عام 1960. لم يحتف الأخوات السبع بالمولود الجديد، ولم يحاربوه أيضًا، تجاهلوه تمامًا، ثقتهم في نفوذهم أعمتهم عن أن «أوبك» شرارة ثورة تقودها الحكومات على جشع «الأخوات السبع»، ليست ثورةً شعبية يمكن قمعها بسهولة كما السابق.

حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 خدمت جميع الأطراف، في بدايتها مكنت الأخوات السبع من رفع أسعار مبيعاتها لندرة النفط. ثم لاحقًا بعد أن دعمت الولايات المتحدة إسرائيل في الحرب، قررت أوبك معاقبة أمريكا برفع أسعار النفط، لتخرج أوبك بذلك لخريطة العالم وتفرض رأيها للمرة الأولى.

رغم أن ظهور أوبك أزعج «الأخوات»، فإنه لم يقض عليها، ولم يقترب حتى من ذلك. استمر الفرقاء السبع في العمل سويًّا لاحتواء أي منافس، أو على الأقل خفض الأضرار الجانبية التي يحدثها ظهور منافس جديد. على الرغم من أن اسمهم بالإنجليزية «Seven Sisters» والذي يمكن ترجمته إلى «الشقيقات السبع»، والتي تحمل معنى «الأخوات السبع» نفسه، فإن كلمة الشقيقات توحي بالتآلف، ربما كالشقيقات السبع الأسطوريات اللاتي حوَّلهن الإله «زيوس» لنجوم لامعة في الأسطورة، لكنهم لم يكونوا بذلك اللمعان ولا على تلك الدرجة من التآخي، بل كانوا كالأخوات البشريات، يتصارعن فيما بينهنَّ، لكن يحافظن على اتحادهن أمام الغرباء.

المصادر

تحميل المزيد