عندما تُذكر الحرب العالمية، يتبادر إلى الأذهان الحربان العالميتان الأولى والثانية، أو المخاوف من قيام حرب ثالثة. لكن يخفى عن الأذهان؛ ذلك الصراع العالمي الذي نشب في القارة العجوز، وتناثرت شرارته إلى معظم أنحاء العالم، ويُسمى في أمريكا بـ«الحرب الفرنسية والهندية»، ويُسمى في السويد «حرب بوميرانيا»، ويُطلق عليه البروسيون «حرب سيليسيا الثالثة».

إنه الصراع الذي نشب في القرن الثامن عشر بين عروش الممالك والإمبراطوريات الأوروبية، وامتد لبقية أنحاء العالم؛ ليصبح أول حرب عالمية كما أطلق عليها ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني السابق. فما الأسباب التي أدت لاندلاع هذه الحرب؟ وكيف لعبت دورًا في قيام الثورة الأمريكية، واستقلال الولايات المتحدة عن التاج البريطاني، وانحسار الأضواء عن الإمبراطورية البريطانية التي كانت تسمى الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟ هذا ما نذكره في السطور القادمة.

التنافس الفرنسي البريطاني في أمريكا الشمالية

في خمسينيات القرن الثامن عشر، كان النزاع مشتعلًا بين إنجلترا وفرنسا على المستعمرات في أمريكا الشمالية، التى لم تكن موحدة، وكانت مقسمة إلى مستعمرات، تملك فرنسا 13 منها، من بينها مستعمرات مونتريال وكيبيك في كندا. لكن المستعمرين البريطانيين أرادوا التوسع غرب المستعمرات الثلاثة عشر الأساسية، التي كانت تحت سيطرة الفرنسيين. وكانت أعينهم تنصب على تحقيق الرواج التجاري الذي سيتحقق بالتوسع إلى الداخل الأمريكي، والسماح بنزوح مزيد من المستعمرين، وذلك حتى يستفيدوا من توريد المواد الخام الموجودة في العالم الجديد إلى بريطانيا، وتصدير البضائع الاستهلاكية البريطانية إليه.

Embed from Getty Images

وقد أدرك الفرنسيون أن التجارة البريطانية الأطلسية البحرية، كانت تزيد بريطانيا ثراءً إلى الدرجة التي دفعتها إلى الذهاب إلى مستعمرات فرنسا المهمة في البحر الكاريبي، حيث مزارع السكر التي يقوم عليها العبيد. وقد أدى التوسع الفرنسي في وادي نهر أوهايو في أوائل خمسينيات القرن 18، إلى دخول فرنسا في نزاعات متكررة مع المستعمرات البريطانية.

ورغم امتلاك الإسبان إمبراطورية أكثر أهمية في أمريكا الشمالية، فإن فرنسا أكبر منافس لإنجلترا؛ إذ كانت الكثافة السكانية للإسبان هناك منخفضة. وبحلول عام 1800، كانت مدينة لوس أنجلوس الأكثر اكتظاظًا بالسكان في ولاية كاليفورنيا الإسبانية، بعدد سكان يبلغ 300 نسمة فقط. وعلى الجانب الآخر، كانت المستعمرات الفرنسية أكثر اكتظاظًا بالسكان. وبحلول عام 1750، كان هناك نحو 65 ألف مستوطن فرنسي، يعيش معظمهم في وادي نهر سان لورنزو.

أخذ الفرنسيون ينتقلون إلى وديان أنهار المسيسبي وأهايو، ويشكلون تحالفات مع الأمريكيين الأصليين في محاولة للسيطرة على تجارة الفراء. وفي عام 1749، أعطى حاكم فرجينيا منحة أرض ضخمة لشركة أوهايو، التي كانت في الأساس شركة تطوير عقاري، كي ينتفع منها الموالون لحاكم فرجينيا.

لم يبد الأمر مُرضيًا للأمريكيين الأصليين وحلفائهم الفرنسيين؛ لاعتقادهم بأن لهم الحق في الأرض. لذلك؛ طلبت شركة أوهايو من الفرنسيين الاعتراف بمطالبتهم في الأرض، إلا أن الفرنسيين رفضوا. وبدأت حرب السنوات السبع فعليًّا عندما قاد المستعمرون البريطانيون حملة بقيادة جورج واشنطن، البالغ من العمر حينها 22 عامًا؛ والذي بعثه حاكم فرجينيا لطرد الفرنسيين من الحصون التي كانوا يبنونها في غرب بنسلفانيا، وإنذارهم بالبقاء بعيدًا عن المنطقة المحيطة بمدينة بيتسبرج الحالية.

Embed from Getty Images

رفض الفرنسيون مجددًا، وفي أثناء عودة واشنطن من بعثته الفاشلة، تورط عدد من رجاله في مناوشة مع معسكر فرنسي، أدت إلى مقتل المساعد الفرنسي جوزيف كولون دي جومونفيل. وخوفًا من انتقام الفرنسيين؛ أمر واشنطن ببناء «حصن الضرورة Fort Necessity». لكن ذلك لم يمنع هزيمته في معركة «فورت نيسيستي» في الثالث من يوليو (تموز) عام 1754، والمعروفة أيضًا باسم معركة «المروج الكبرى»، والتي استسلم خلالها هاجرًا الحصن الذي بناه، بعد أن خسر ثلث رجاله في القتال الذي نشب بينه وبين الفرنسيين.

كان ذلك الاستسلام الأول والوحيد لجورج واشنطن، لكنه لم يكن الخسارة الوحيدة للبريطانيين؛ فقد لحقت بخسارة واشنطن هزيمة الجنرال إدوارد برادوك، والحاكم ويليام شيرلي من ماساتشوستس، اللذين فشلا في إيقاف الفرنسيين. وخسر الجنرال برادوك ثلثي قواته في معركة حصن دوكين، حيث لقي حتفه بها في عام 1755. واستمرت الهزائم تلحق بالبريطانيين خلال العامين التاليين. وفي عام 1756، السنة الرسمية الأولى للقتال في حرب السنوات السبع، تلقى البريطانيون سلسلة من الهزائم ضد الفرنسيين، وشبكتهم الواسعة من التحالفات مع سكان أمريكا الأصليين.

ولكن في عام 1757، أدرك رئيس الوزراء البريطاني ويليام بيت إمكانات التوسع الإمبراطوري، التي ستأتي من تحقيق النصر على الفرنسيين، وقرر اتخاذ مسار جديد. ونتيجة لذلك؛ اقترضت بريطانيا بكثافة لتمويل مجهود حربي واسع؛ من أجل هزيمة الفرنسيين في أمريكا الشمالية. كذلك، اتجه بيت لتمويل حرب بروسيا، ضد فرنسا وحلفائها في أوروبا.

وأخذت الأعمال العدائية بين الفرنسيين والبريطانيين تتجاوز النزاع في أمريكا الشمالية متجهة إلى أوروبا؛ إذ أعلن كلا البلدين الحرب رسميًّا. وبحلول عام 1759، اتسع النطاق أكثر واندلعت الحرب في كل من أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، ومنطقة البحر الكاريبي؛ لتنخرط إمبراطوريات أوروبا في حرب عالمية.

إمبراطوريات أوروبا تخوض أول حرب عالمية للهيمنة على العالم

تطايرت شرارة الحرب التي اشتعلت في أمريكا الشمالية؛ لتصل إلى أوروبا وبقية أنحاء العالم. وتتفشى عدوى الصراع الفرنسي البريطاني بين إمبراطوريات أوروبا، التي دخلت معترك أول حرب عالمية يشهدها العالم في القرن 18، قبل أكثر من 150 سنة من قيام الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت في القرن  20. وكان عنوان تلك الحلقة من صراع العروش «ما الإمبراطورية التي سوف تُهيمن على العالم؟».

Embed from Getty Images

وقد شملت حرب السنوات السبع نزاعين رئيسيين: الأول، بين بريطانيا من جهة وفرنسا وإسبانيا من جهة أخرى، من أجل السيطرة على بحار وأراضي أمريكا الشمالية. أما النزاع الثاني، كان بين فريدريك الثاني حاكم بروسيا (إحدى المقاطعات الألمانية قبل توحيد ألمانيا)، وأعدائه في النمسا، والسويد، وفرنسا، وروسيا. إلى جانب نزاعات أقل أهمية بين فرنسا وجورج الثاني، حاكم هانوفر وحليف بروسيا.

واندلعت شرارة الحرب في أوروبا عام 1756، عندما غزا فريدريك الثاني ساكسونيا (مقاطعة ألمانية) حليفة النمسا؛ حتى لا تتخذها النمسا وروسيا قاعدة للهجوم عليه. وحاول أيضًا غزو بوهيميا، لكن النمساويين قاوموه بقوة، وأجبروه على الانسحاب. وكان النزاع بين بروسيا والنمسا من أجل السيطرة على ألمانيا، التي لم تكن موحدة حينها. وكانت فرنسا حليفة النمسا، في حين ساندت بريطانيا بروسيا. وحاربت بريطانيا مع بروسيا ضد فرنسا والنمسا، إذ أراد آل هابسبورج النمساويون استعادة إقليم سيليسا من ملك بروسيا، الذي استولى على معظمه من النمسا، ولكنهم فشلوا في ذلك.

ويمكن عد حرب السنوات السبع جزءًا من الحرب الأوروبية، التي استمرت تسع سنوات بين بريطانيا وفرنسا؛ للاستحواذ على أكبر قدر من الأراضي والمستعمرات في الهند وأمريكا الشمالية، والسيطرة على موارد العالم الجديد وخيراته. كذلك، انضمت روسيا للحرب بعد أن زاد قلقها بسبب قوة بروسيا المتزايدة، وأخذت تتحين الفرصة لشن حرب وقائية؛ من أجل إيقاف نمو قوة بروسيا. وفي الوقت نفسه، قررت بروسيا شن حرب وقائية؛ لإبقاء سيليسيا بحوزتها، وبدأت تحلم بالسيطرة على أراضٍ جديدة، واشتد الصراع بين دول أوروبا؛ من أجل السيطرة على أقاليم ألمانيا الغنية بالموارد.

وعلى مدار سنوات الحرب، اتضح أن الطابع الأساسي للحرب الأوروبية المتمثل في تشابه الأسلحة، والتدريب، والتوازن بين الأسلحة المكونة للجيوش المختلفة؛ جعل من الصعب تحقيق الانتصارات الشاملة، على عكس المواجهات مع الخصوم غير الأوروبيين.

ثورة فرنسية وديون بريطانية ووثيقة استقلال أمريكية

انتصر البريطانيون في معاركهم التي خاضوها في أمريكا الشمالية، ومنطقة البحر الكاريبي، وأوروبا، وفي مناطق أخرى مثل الهند. وفشلت المحاولات الإسبانية لمساعدة فرنسا في الأمريكتين، وعانت فرنسا أيضًا من هزائم أمام القوات البريطانية في الهند. وبحلول عام 1760، طُرد الفرنسيون من كندا.

وبعد ست سنوات من الحرب الرسمية (كانت في الفترة 1756- 1763)، جاءت «معاهدة باريس»؛ لتسدل الستار على آخر فصول الحرب، معلنة انتهائها. في 10 فبراير (شباط) عام 1763، وقعت المملكة المتحدة، وفرنسا، وإسبانيا معاهدة باريس، التي فقدت فرنسا على إثرها مستعمراتها في أراضي أمريكا الشمالية، والتي استولت عليها بريطانيا.

وقد حصلت بريطانيا على كندا من فرنسا، وفلوريدا من إسبانيا. وفي المقابل، حصلت فرنسا على جوادلوب، ومارتينيك، وجُزر السكر الواقعة في البحر الكاريبي، والتي كانت أكثر قيمة نقديًّا من كندا. وحصلت إسبانيا على كوبا ذات التجارة المزدهرة في السكر، والفلبين التي كانت أكثر قيمة من فلوريدا حينها.

Embed from Getty Images

ومع أن المعاهدة جاءت لترسم خط النهاية للحكم الفرنسي في مستعمرات نصف الكرة الغربي، فإن تأثيرها ما يزال قائمًا، فقد بقي عديد من المستوطنين الفرنسيين في المستعمرات البريطانية. ونجد في مقاطعة كيبيك الكندية مثلًا، أن الطعام، واللغة، والثقافة الفرنسية مازالوا مهيمنين. وبالمثل، يمكن أيضًا رؤية الطابع الثقافي الفرنسي في ولاية لويزيانا، حيث تضم ثقافات الكاجون والكريول التأثيرات الفرنسية.

وانتهت الحرب بظهور بريطانيا قوة عالمية مهيمنة، وإن كانت مُثقلة بالديون. وأصبحت بريطانيا القوة المهيمنة فى الهند؛ ما مكنها من إخضاع الهند، واستغلال موارده. ويقول بعض المؤرخين إن استغلال موارد الهند، كان له أكبر الأثر في قيام الثورة الصناعية في أوروبا. وشهدت الحرب أيضًا تحولًا في ميزان القوى الدبلوماسية، وذلك بانخفاض أهمية إسبانيا وهولندا؛ لتحل محلهما قوتان عظيمتان جديدتان هما: بروسيا، وروسيا. وأثبتت الحرب مكان بروسيا الجديد كدولة عظمى، وجعلت بريطانيا الدولة الاستعمارية الكبرى على حساب فرنسا.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
جافريلو برينسيب.. قصة المراهق الذي أسقط إمبراطوريات وأشعل الحرب العالمية

ومع أن بريطانيا ربحت الحرب، فإنه كان مكسبًا قصير الأجل؛ فقد أدت تكلفة الحرب إلى تولد مشكلات جديدة في علاقتها مع مستعمراتها، التي فرضت عليها الضرائب الباهظة بحجة الحماية، أو بالأحرى من أجل إعادة إحياء خزائنها التي أنهكتها الحرب. وساهم ذلك في توتر العلاقات بين المستوطنين الأمريكيين والمحتلين البريطانيين؛ مؤديًا إلى سلسلة من الأحداث التي أشعلت فتيل الثورة الأمريكية لاحقًا. وساهمت في استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن التاج البريطاني، وانحسار الشمس عن الإمبراطورية البريطانية؛ لتُشرق على الجانب الآخر، مُعلنةً ولادة الإمبراطورية الأمريكية محلها.

ولم تكن فرنسا أفضل حالًا، فقد كانت هي الأخرى في طريقها إلى كارثةٍ اقتصادية، بعد الديون التي تكبدتها في الحرب، ولاحقًا في دعم الثورة الأمريكية؛ الأمر الذي كان أحد الأسباب التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية. كذلك، لم يكن وضع بروسيا بالذي تُحسد عليه؛ فقد خسرت بروسيا تقريبًا 10% من سكانها خلال الحرب. لكن الخاسرين الحقيقيين للحرب لم يكونوا البريطانيين، أو الإسبان، أو الفرنسيين، بل الأمريكيين الأصليين، الذين تعاقب عليهم الغزاة، وسُلبت أرضهم، ونُهبت خيراتهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد