الجنس جزء طبيعي من الحياة، وسلوك صحي تمامًا كالطعام والشراب، بل وعدم الرغبة في ممارسته قد تعكس وجود حالة اكتئابية، لكن غير الطبيعي هو أن يتسبب هذا السلوك والرغبة الجنسية في تعطيل الحياة، أو إلحاق الأذى بالشخص، أو بأشخاص آخرين، أو عدم القدرة على المقاومة، والسيطرة على هذا السلوك. عندها لا بد من التدخل لبحث سبب هذه الحالة، والتي تُعرف بـ«إدمان الجنس»، أو فرط النشاط الجنسي، وهي حالة تصيب النساء والرجال. ويعاني منها 30 مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها.

ما هو إدمان الجنس؟

هناك الكثير من المعلومات عن إدمان الكحول والمخدرات، لكن قلما نجد معلومات فضلًا عن التعاطف والتفهم لمدمني الجنس. تكمن صعوبة تعريف إدمان الجنس في اختلاف النظرة لبعض السلوكيات الجنسية، تبعًا لأعراف المجتمعات، فربما يُرى اتخاذ عدة شركاء جنسيين نوع من أنواع إدمان الجنس في مجتمع ما، ويراه مجتمع آخر شيئًا عاديًا.

فحتى المتخصصون لا يتفقون على مصطلح إدمان الجنس، لكنهم يصفونه بأنه سلوك لا يملك الشخص مقاومته. وتعرف «الجمعية الأمريكية لطب الإدمان (ASAM)» حالة إدمان الجنس بأنها حالة مرضية يستخدم فيها الشخص الجنس باعتباره مخدرًا، ومتنَفسًا يخفف من حالته النفسية السيئة، ويمكن أن تبدأ هذه الحالة من المراهقة.

لا نعرف على وجه التحديد لماذا يدمن بعض الأشخاص الجنس دونًا عن الآخرين، لكن هناك بعض المعلومات عن عوامل بيئية وجينية وعاطفية واجتماعية مؤثرة؛ مثل عدم توازن الموصّلات العصبية في المخ، مثل الدوبامين، والسيروتونين، والنور إيبينيفرين، وهي مواد كيميائية في المخ مرتبطة بتحسين المزاج، ويمتلك مدمني الجنس نسبًا عالية من هذه الموصّلات.

كما  وُجد أن 82% من مدمني الجنس قد تعرضوا لاستغلال جنسي منذ الطفولة، ودائمًا ما يصف من يعانون من إدمان الجنس آباءهم بأنهم غلاظ، ومهملين، وبعيدين عنهم. على الجانب الآخر فإن فرط النشاط الجنسي أحد أعراض ثنائية القطب، وهو مرض يتسبب في حدوث اضطرابات مزاجية تتأرجح من الاكتئاب إلى إرتفاع المزاج والهوس، وفي حالات الهوس تزداد الرغبة الجنسية لدرجة جامحة.

إدمان الجنس والخيالات الجنسية المستمرة

إدمان الجنس ليس مذكورًا في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الإصدار الخامس، لكنه كان مذكورًا في الإصدار الرابع، ما يعني أنها حالة جدلية، لكن المتفق عليه هو أن هذه الحالة تسبب لصاحبها التفكير المكثف المتكرر في فانتازيات (خيالات) جنسية، ونتيجة لذلك يفقد الشخص سيطرته على سلوكه الجنسي، وينخرط في هذه التصرفات الجنسية، متجاهلًا أي أذى قد يلحق بأطراف أخرى.

هذه النوعية من الإدمان قد تكون مرتبطة بحالة نفسية سيئة؛ من اكتئاب، أو قلق. ويمثل الجنس مَهربًا من حالة الشخص النفسية السيئة، فيخفف عنه بشكل مؤقت مشاعره السلبية، ويحجبها وتسبب للشخص حالة يوفوريا (فرط السرور).

وتكمن خطورة إدمان الجنس في صعوبة إقامة علاقات سوية معه، كما إنه يؤثر على الصحة النفسية، والجسمانية للفرد تمامًا مثل إدمان المخدرات. وعادةً ما يتخذ هذا الشخص عدة شركاء، ولكن ذلك ليس علامة اضطراب في حد ذاته، إنما يحتاج هذا الشخص دائمًا لمحفز جنسي، سواء صور جنسية، أو أن يقوم بالاستمناء، وعدم القدرة على كبح جماح رغبته، بشكل يعطله عن مهام حياته، فقد انصبّ كل تفكيره في الجنس.

Embed from Getty Images

أثبتت الدراسات أن إدمان الجنس له تأثير سيئ على الشركاء، فهو يتسبب في تقليل الشعور بالإشباع الجنسي. فمدمن الجنس لا يستطيع السيطرة على نفسه، فهو منهمك تمامًا في أفكار جنسية، لا يستطيع توقيفها، ولا السيطرة عليها، تؤثر على عمله، وعلاقاته مع البشر، وحياته الاجتماعية، وقد يعرض نفسه لمخاطر بسبب هذا السلوك الإدماني، ودائمًا ما يشعر بالذنب جراء ذلك. بالإضافة إلى زيادة فرص إصابته بأمراض جنسية، فقد ثبت أن 38% من الرجال، و45% من النساء من مدمني الجنس يُصابون بأمراض تناسلية.

إدمان الجنس.. هل هناك حل لهذه المشكلة؟

«قبل أن نأتي لزمالة مدمني الجنس المجهولين، لم نعرف أن لحالتنا اسمًا، كل ما كنا نعلمه أننا لا نستطيع السيطرة على سلوكنا الجنسي، بالنسبة لنا كان الجنس يستهلك كل حياتنا، وبالرغم من أن تفاصيل حكاياتنا مختلفة، إلا أن مشكلتنا واحدة. فقد كنا ندمن السلوك الجنسي، ونعيده مرارًا وتكرارًا، بغض النظر عن العواقب». *من برنامج «زمالة مدمني الجنس المجهولين».

في الحقيقة إن هذه الحالة لها علاج، يشبه استراتيجية التعافي من المخدرات والكحول؛ فيبتعد الشخص عن حياته العادية لمدة 30 يومًا، يمكث خلالها في مستشفى، ويتبع خطوات برنامج «زمالة مدمني الجنس المجهولين» أو الـ«SAA»، وهي متاحة للرجال والنساء، ويعتمد برنامج الاثنى عشر خطوة الخاص بالزمالة على الاعتراف أولًا بالمشكلة، من الانغماس في التفكير الجنسي، واستخدام الجنس للتلاعب النفسي بالآخرين، والخلط بين الحب والاحتياج، وإدمان والتعلق بالغرباء. ولوم الشريك أو الشركاء على عدم إشباع، وتحقيق التخيلات الجنسية للشخص المدمن. 

ومثل أي اضطراب نفسي لا يوجد اختبار واحد لتبيّن الإصابة القاطعة بالحالة أو عدمها. وذلك يقود إلى الخطوة الثانية في الحل هي العلاج السلوكي المعرفي وهي طريقة تعتمد على العلاج الكلامي بين المريض، والطبيب النفسي، يستطيع خلالها الطبيب بحث السبب الأولي للحالة، ويتم ذلك في عدة جلسات، ويعتمد الطبيب على عدة نقاط بوصفها مرجعًا لتشخيص الحالة مثل السلوك العنيف، أو امتلاك تاريخ إجرامي، أو وجود عرض آخر لمرض نفسي.

على جانب آخر؛ ثبت نجاح بعض مضادات الاكتئاب في علاج إدمان الجنس، تحديدًا الأدوية السيروتونونية، والتي تستهدف مادة السيروتونين، وهناك حالات تستلزم المكوث في المستشفى، والخضوع لبرنامج علاجي مكثف. أما الوقاية من الإصابة بإدمان الجنس فتعتمد على عدة عوامل منها مساعدة الشخص في تحسين ثقته ونظرته لنفسه، ومعرفة المشاكل العاطفية المسببة للحالة، معرفة أن الاستخدام السيئ للمواقع الإباحية له يد في هذه الحالة.

«الكساد الجنسي الكبير».. لماذا صار الأمريكيون أكثر زهدًا في العلاقة الحميمية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد