تعد فترة الكساد الكبير من أكبر وأشهر الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، بدأت عام 1929 واستمرت حتى عام 1939 تقريبًا، وفي تلك الفترة حدثت تغييرات سريعة ومعقدة في المجتمعات وبالأخص المجتمع الأمريكي، والذي تغيرت فيه أنماط الحياة بالنسبة الرجال والنساء على حد سواء، ومن خلال الجنس يمكن كشف هذا التغير في المجتمع الأمريكي، والذي لم يعد ثانية لما كان عليه حتى بعد انتهاء الكساد الكبير.

«سنمارس الجنس ثم نتزوج لاحقًا»

كان الرجال في المجتمع الأمريكي يلعبون الدور التقليدي في الزواج، فالرجل هو المسئول عن البيت ماديًّا ومعنويًّا، لكن في فترة الكساد العظيم ارتفعت نسبة البطالة بين الرجال، بينما زادت عمالة المرأة؛ نظرًا إلى أن مجالات الاقتصاد الأكثر تضررًا من الانهيار كانت الصناعات الثقيلة، والتي كان يهيمن عليها الرجال، بينما الوظائف التي حصرت المرأة فيها كالتدريس، والخدمة المنزلية، كانت أقل تأثرًا بالكساد، وبالتالي عانى الرجال من البطالة.

أدت البطالة إلى تغييرات كبيرة في المجتمع الأمريكي؛ فالرجال العازبون امتنعوا عن الزواج، وانخفضت معدلات الزواج في بداية الكساد ووصلت نسبته إلى 10.1 لكل ألف رجل من السكان في عام 1929، وانخفض أكثر ليصل إلى 7.9 في عام 1932، ولجأ الرجال العازبون إلى نمط جديد آنذاك بديلًا للزواج، وهو العيش مع شريكته، كان هناك الكثير من «سنتزوج لاحقًا، لكن في الوقت نفسه لن ننتظر»، كان هذا سائدًا في المدن الكبيرة، وخاصة في واشنطن العاصمة.

أما بالنسبة للرجال المتزوجين فإن البطالة حرمتهم من ممارسة الجنس مع زوجاتهم، ووجدت عالمة الاجتماع ميرا كوماروفسكي أن النشاط الجنسي توقف فعليًّا في بعض الأسر بعد أن فقد الرجل وظيفته، خلصت ميرا إلى هذه النتيجة في دراسة لها قابلت فيها 59 أسرة بين عامي (1935- 1936)، وكان عدد الرجال الذين توقفوا هم 22 من أصل 38 عائلة تحدثوا بهذا الشأن، أي أكثر من نصف المشتركين، وأقل من الثلثين.

حين خلع الأمريكيون ملابسهم

فرض العراة أنفسهم في أوروبا مع العقود الأولى للقرن العشرين، واكتسب العري هناك شعبية متباينة، أما المجتمع الأمريكي فكان رافضًا للفكرة، لكن في فترة الكساد الكبير ظهر العري بشكل رسمي ومنظم في عام 1931، وواجه حربًا من أغلب السياسيين، وقادة المجتمع، ورفضوا أنشطة العراة في المدن الرئيسية، إلا أن مؤيدي العراة، حاولوا ربط «منع العري» بقانون «تهديد الخصوصية الشخصية»، وبالتالي تمكنوا من خوض معركة محسومة دستوريًّا.

ردًّا على الغضب الأخلاقي الذي أعقب محاولات العراة الأولى في التعري على الشواطئ، تحول دعاة حركة العري إلى المناطق الريفية وأسسوا تدريجيًّا مخيمات على البحيرات؛ معزولة نسبيًّا عن السلطات، وعن أعين المتطفلين، والأهم من ذلك أن تلك المجتمعات كانت أقل إثارةً للجدل من الناحية الأخلاقية بالنسبة للمدن الكبرى، وأيضًا لأن التعري جلب سياحًا من أبناء بلادهم إليهم في فترة تعج بالكساد.

بداية من عام 1932 بدأ انتشار حركات التعري، ومع المواجهة الكبيرة من قبل رموز المجتمع، قررت مجموعات العراة شراء أراضٍ لصنع منتجعات ونوادي عراة، وفي عام 1933 كانت ولايتا شيكاغو وأنديانا بها منتجعات ونوادي للعراة، ومن أبرز تلك النوادي آنذاك «بحيرة أو وودز كلوب»، والذين قدموا في عام 1936 مؤتمرًا دوليًّا عن التعري، وما يزال ذلك النادي موجودًا، ويعد من أقدام نوادي العري في أمريكا.

تحديد النسل بدأ من الكساد

في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، وبطالة، كانت إجراءات تحديد النسل أمرًا مفروغًا منه، سواء لمن أقام علاقة جنسية خارج الزواج أو الأسر الشرعية، وبالأخص أن نهاية الأزمة لم تكن معروفة، لذا تبنى المجتمع مفهوم تحديد النسل، وكان هذا قرار الدولة أيضًا، إلا أن قرار الدولة كان سرًّا؛ لأنه تضارب مع أحد قوانينها وهو قانون كومستوك لعام 1873، والذي ينص على حظر أي مادة مهما كانت لمنع الحمل أو الإجهاض، ومع ذلك تبنت العديد من الولايات تشريعات سمحت للنساء بالحصول على وسائل منع الحمل.

في الكثير من عيادات النساء ازدهرت وسائل منع الحمل، وخاصة بعد صدور أحكام محكمة تدعمها في عامي 1930 و1936، وسُمح للأطباء بتوفير أجهزة تحديد النسل في معظم الولايات، أما النساء اللاتي أخطأن وحملن فقد لجأن إلى الإجهاض المخالف للقانون، لذا لجأت عشرات الآلاف من النساء إلى إجراء عمليات الإجهاض في المنزل، بينما هناك من ذهبن إلى أطباء في مراكز طبية واتخذت تدابير احترازية لمخالفتها للقانون.

المثليون.. المجتمع الأمريكي يرفض تشويه الهوية الذكورية

رغم رفض المجتمع لهم في أوائل عشرينيات القرن العشرين؛ فإن الرجال المثليين تمكنوا من العيش معًا في مدن مثل شيكاغو وسان فرانسيسكو بهدوء نسبي، لكن خلال فترة الكساد الكبير انقلب الوضع للأسوأ، واستهدف الرجال المثليين من الرجال، فقد نُظر إليهم كعنصر إضعاف للهوية الذكورية، وبالأخص مع تقلبات الرجال بين البطالة، والاكتئاب.

Embed from Getty Images

في فترة الكساد في ولاية نيويورك؛ سُنت قوانين تحظر المثليين جنسيًّا من التجمع في أي مكان عام، أما الأماكن الخاصة بالمثليين قبل الكساد مثل البارات والمطاعم والملاهي، فهددّت بفقدان تراخيص المشروبات الكحولية إذا استضافوا رجالًا مثليين جنسيًّا، بل أغلقت الحكومة الأمريكية المئات من أماكن ضُبط فيها مثليون، وأيضًا في أوائل الثلاثينيات راقبت الحكومة النقاش العام حول قضايا المثليين، وحظر القانون على هوليوود وجود شخصيات مثلية في الأفلام.

عُدَّت المثلية مرضًا نفسيًّا في فترة الكساد، وانتشر رهاب المثلية في كل أنحاء الولايات الأمريكية، وشيكاغو والتي كانت قبل الكساد مشتهرة بأماكن كثيرة لتجمعات المثليين، فهي أيضًا حظرت النشاط المثلي، وشن عمدة شيكاغو آنذاك حملات في ثلاثينيات القرن العشرين على المقاهي والنوادي الليلية لضبط المثليين، وبحلول عام 1935 كان العمدة قد قضى على الحياة الليلية للمثليين في شيكاغو.

ينهار الاقتصاد العالمي وتبقى الدعارة

زاد نشاط الدعارة خلال فترة الكساد، ففي فترة الثلاثينيات عملت شقق الدعارة كما لو أن الاقتصاد بخير، وكان هناك نوعان من منازل الدعارة: «المستقلة»، و«المسلسلة» والأخيرة كان لها مكتب مركزي، ومنظمة، وتسجيل الفتيات فيها وفقًا للعمر والبشرة، وسنوات الخبرة، وكان تجرى اختبارات صحية واختبارات أخرى قبل العمل، وكانت تقتسم مع الفتاة ربحها، وكانت ترسلهن إلى يخوت الأثرياء لجلب المزيد من المال.

بعيدًا عن المدن الكبرى، وفي مناطق أولئك الذين ظلوا أثرياء في فترة الكساد؛ وتحديدًا في جزر هاواي الأمريكية، كان نشاط الدعاة مزدهرًا، ورغم أن قانون هاواي يجرم الدعارة، فإن الدعارة كانت موجودة بشكل منظم أثناء الكساد، وكانت النساء يجندن ويحتجزن في الجزر كمستعبدات جنسيًّا لمدة ستة أشهر تحايلًا على القانون، وكان الأجر يجعلهن يتحملن تلك الظروف القاسية؛ لأنهن كن يكسبن بين 30 ألف دولار وحتى 40 ألف دولار في السنة، وفي فترات ما كانت المرأة العاملة ذات الراتب الجيد تجني نحو ألفي دولار سنويًّا.

المثليات تمكنَّ من العيش رغم كل شيء

وفي أمريكا كان العيش بالنسبة للمرأة المثلية أمرًا صعبًا للغاية، فكان الخوف من المثليات أكثر من ذي قبل، وبالأخص المرأة العاملة التي تعيش وحدها دون رجل ينفق عليها، لذلك أخفت العديد من المثليات ميولهن، وكانت المثليات يتزوجن أحيانًا كستار اجتماعي.

كانت المرأة المثلية تبحث عن امرأة تشاطرها الميول في أماكن تجمع النساء، مثل الكليات، أو الجامعات، أو المعسكرات الصيفية، وإذا كانت أكثر ثراءً فتبحث في النادي، وكان هناك نادٍ خاص في مدينة نيويورك تقام فيه حفلات أسبوعية لمثليي الجنس، وكان في المدن الكبرى عدد قليل من البارات المرحبة بالمثليين جنسيًّا، لكن لم يكن هناك أي خيار آمن تمامًا، وكان على المثلية توخي الحذر مع شريكاتها في الشارع.

روت ليليان فادرمان في كتابها «Odd Girls and Twilight Lovers: A History of Lesbian Life in Twentieth-Century America» أن المثليات استمتعن بحريات أكبر من نظرائهن الرجال، فكان يمكن للمثليات السفر معًا دون الحاجة إلى تبرير علاقاتهن، كما روت ليليان قصة مثليات في تكساس لم يكن لديهما أي فكرة عن وجود مثليات أخرى لأكثر من 20 عامًا؛ نظرًا إلى رهاب المثلية الذي ضرب المجتمع الأمريكي في فترة الكساد.

المصادر

تحميل المزيد