منذ زمن بعيد والجنس والحرب مرتبطان ببعضهما البعض، واستخدام الأول سلاحًا لكسر شوكة العدو، أو لشحن طاقة الجنود الرجال المحاربين، كان أمرًا متعارفًا عليه، وينفذ على أرض الواقع دون خجل، وأثناء الحرب العالمية الثانية ظهر مصطلح «بيوت الراحة» أو «نساء الراحة»، وهي الأماكن التي منحت الجنود المحاربين في ذاك الوقت بعضًا من المتعة بعيدًا عن مرمى نار العدو، ولكن تلك البيوت لم تُدر بإرادة النساء اللاتي يقدمن المتعة والراحة للجنود؛ فتأسيس تلك الأماكن في بعض الدول جاء رغمًا عن سكان البلد ونساء الراحة أنفسهن، وهو أمر ترك ندبة تاريخية ترفض أن تلتئم حتى الآن. والصراعات المُتفاقمة بين اليابان وكوريا الجنوبية مثال واقعي معاصر على هذا.

كانغ شايل.. احزمي حقائبك يا عزيزتي!

كانت كانغ آيل مراهقة في ذاك الوقت، تجلس في منزلها بكوريا الجنوبية، وتحاول أن تشغل بالها عما يمارسه الجيش الياباني من أفعال استعمارية في بلدها ظنًا منها أن جدران منزلها آمنة.

حجزني الجيش الياباني في غرفة؛ وأرغموني على ممارسة الجنس مع أكثر من 10 رجال يوميًا *أحد تصريحات كانغ للإعلام.

سمعت كثيرًا عن القتل والقسوة بالخارج، ولكن منزلها كان يمثل لها الآمان، حتى تلك اللحظة في عام1943 خلال الحرب العالمية الثانية، حين اقتحم منزلها جنود الجيش الياباني وأخبروها أن لحظة تجنيدها قد حانت. هل سأحارب على جبهة أم خلف خطوط النار؟ – تخيل كانغ تسأل – كلا يا عزيزتي، ستحاربين على الفراش حربًا تخسرينها كل يوم، دون أمل في الفوز مرة واحدة، حتى حين يصبح عمرك 80 عامًا؛ فلن تجدي التعويض النفسي أو المعنوي عن مساهمتك في صراع ليس لك فيه ناقة أو جمل، هل اتفقنا يا عزيزتي! احضري حقيبتك إذًا! تخيل جنود الجيش الياباني يجيبون عليها.

كانغ شايل خلال إحدى المؤتمرات الصحافية. مصدر الصورة موقع مينيتشي

ربما لم يجيبوا على كانغ في ذاك الوقت بنفس  تلك الجمل المُتخيلة، ولكن الأهم أن تلك الإجابات المُتخيلة هي ما حدثت بالفعل، وحتى يومنا هذا، وكانغ مسنة وضعيفة ومنتهكة نفسيًا؛ تطالب بتعويضات – تعلم جيدًا أنها لن تداوي ندوب الحرب في روحها – ولكنها أيضًا لا تستطيع الصمت حتى يأتي يوم فراقها للحياة.

ولذلك نظمت كانغ بمساعدة بعض الحقوقيين، ونساء الراحة الباقيات على قيد الحياة، العديد من المظاهرات والاحتجاجات؛ مطالبين السلطات في كوريا الجنوبية باتخاذ موقف حاسم تجاه ضرورة صرف التعويضات المالية لنساء الراحة على قيد الحياة، والاعتراف بالجرم المُرتكب تجاههن أثناء الحرب العالمية الثانية.
Embed from Getty Images

صورة تجمع نساء كوريات مع تمثال لإحدى سيدات بيوت الراحة، خلال إحدى الاحتجاجات.

وعلى الرغم من مرور 70 عامًا على استقلال كوريا الجنوبية من القبضة اليابانية، إلا أن «إماء الجنس»، وهو الاسم الإعلامي الشائع غربيًا لضحايا بيوت الراحة اللواتي عانين من الاستعباد الجنسي، مازلن يشكلن عقبة كبيرة في طريق تحسين العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية، خاصة حين فشلت اليابان في إظهار الندم الكافي على أفعالها في كوريا الجنوبية أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي وصفتها «الجارديان» بـ«فظائع  ضد الإنسانية»، وهذا التجاهل الياباني لرد حق النساء الكوريات وصفه جيف كينغستون، مدير الدراسات الآسيوية بجامعة تيمبل في طوكيو؛ بكونه لا مبالاة نابعة من غرق اليابان في قناعة زائفة بأن أمر تلك النساء لا يستحق الانتباه الكافي، وأنهن لا يسببن مشكلة سياسية كبيرة.

اقرأ ايضًا: «أينما وجد الجنود يكسب القوادون».. كيف أصبح الجنس سلاحًا وأداة ضغط سياسي؟

موقف السلطات الكورية في الماضي: الحياد

خلال عام 2012، وأمام لجنة تابعة للأمم المتحدة، كررت كوريا الجنوبية ضرورة اعتراف اليابان بـ«إماء الجنس» وتعوضيهن معنويًا وماديًا، وفي إطار تلك الجلسة أكدت كوريا الجنوبية أن اليابان لم تتحمل المسؤولية القانونية عن جرائمها ضد الإنسانية، ولكن على جانب آخر صرحت اليابان أن مطالبات الكوريين الجنوبيين تم تسويتها بموجب معاهدة وقعت عام 1965، بغرض إقامة علاقات دبلوماسية ناجحة بين البلدين، ولكن رد كوريا الجنوبية كان حاسمًا في عام 2009، حين أكدت السلطات أن تلك المعاهدة استبعدت قضية عبيد الجنس من بنودها، ولكن أيضًا – في ذاك الوقت – لم تطالب كوريا الجنوبية رسميًا اليابان بأي تعويضات أو رد حقوق نساء الراحة.

كيم هاك سون.. شرارة الغضب الأولى

عدد النساء اللواتي أرغمن على ممارسة الجنس، ولقبن بنساء الراحة، لم يحدد بالضبط، ولكن الأمر المؤكد أن الرقم قد يزيد عن 100 ألف امرأة، معظمهن من كوريا الجنوبية، وأعداد ضئيلة من الصين وأوروبا، وخوفًا من الفضيحة، أو إثارة أصابع اتهام المجتمع إليهن، توفيت معظم نساء الراحة وهن يحملن ألمهن وسرهن إلى القبر، حتى عام 1991؛ حين خرجت للنور كيم هاك  سون، أول سيدة راحة من كوريا الجنوبية، وأثارت الجدل حين صرحت بما حدث لهن أثناء الحرب العالمية الثانية، مؤكدة أن أفعالًا يجب على واحدة منهن أن تواتيها الجرأة لفضحها؛ حتى تُسجل جرائهم في التاريخ.

كيم في إحدى المظاهرات. مصدر الصورة إلديارو

شاركت كيم في إحدى المؤتمرات الصحافية في أغسطس (آب) عام 1991، وشرحت للرأي العام للمرة الأولى المعاناة التي مر بها أولئك النسوة، مؤكدة أن رؤية العلم الياباني مازال يترك في حلقها غصة، وفي جسدها رجفة.

ولذلك كان عليها أن تواجه الخوف للعديد من الأعوام التي أرادت فيها الخروج إلى العامة، وقص ما حدث لهن، ولكنها تغلبت على كل مخاوفها بعد هذا المؤتمر، وتقدمت بدعوى قضائية ساندها فيها الكثير من المهتمين بشؤون حقوق المرأة وضحايا الحروب، ووجهت الاتهام للحكومة اليابانية نفسها، ومن بعد تلك الخطوة الشجاعة لحق بها عشرات النساء من كوريا الجنوبية وإندونيسيا والفلبين،  واللاتي تشجعن بموقفها التي صمدت عليه حتى توفيت عام 1997؛ ليكمل باقي نساء الراحة على قيد الحياة كفاحهن للحصول على التعويض المادي والمعنوي.

إماء الجنس.. السادية مرت من هنا

المصورة الصحافية باولا إلين تسافر حول العالم من أجل تغطية قصص شجاعة للسيدات اللواتي يواجهن العنف والاضطهاد، وفي عام 2005 أولت اهتمامها لنساء الراحة  في العالم، ومن بينهن نساء كوريا الجنوبية، واللاتي عشن في هذا الوقت بمنزل أطلقوا عليه «بيت المشاركة».

عبرت باولا في ذاك الوقت عن انبهارها بشجاعة أولئك النسوة في الإفصاح عن انتهاكات جنسية مررن بها، على الرغم من عمرهن المتقدم، والذي قد يدفعهن للصمت حتى يرحلن عن العالم في سلام، خاصة وأن أعمارهن كانت تتراوح في ذاك الوقت بين 60 و80 عامًا؛ ولكنهن على عكس ذلك، كانت قناعتهن في فضح الفظائع التي تعرضن لها أقوى بكثير من خوفهن من الفضيحة في هذا السن.

على يسار الصورة لي اكسن إحدى سيدات الراحة مع صديقاتها. مصدر الصورة من مقال باولا الين

حوار باولا مع إماء الجنس بكوريا الجنوبية – كما صرحت – كان صوتًا وصورة، وكما عبرت ألسنتهن في وصف المعاناة، أظهرت أجسادهن وحشية تصعب على الكلمات وصفها: من ثدي مشوه بملعقة ساخنة كانت في يد جندي سادي، وأقدام عليها علامات دائرية دامية من الربط بالحبال لإرغامهن على ممارسة الجنس، ومهبل تهتك وتشوه من اغتصاب وحشي قاسي.

وأكدت باولا في إحدى مقالاتها أن تلك الخطوة الجريئة التي اتخذتها كيم هاك سون، ومن ورائها العديد من النساء في العالم، شجعت باقي ضحايا العنف الجنسي والاغتصاب بإخراج رؤوسهن من الرمال والتصريح للعامة عما عانوه من ظلم وهتك أعراض.

والاهتمام بنساء الراحة لم يتوقف على الأعلام فقط، بل امتد إلى الدراما والأدب، وجاء من خلال بعض الأعمال الدرامية، وربما يعتبر أشهرها الفيلم الكوري «Spirits’ Homecoming عودة الأرواح للوطن» الذي أنتج عام 2016، ووصفته «رويترز» بكونه تجسيدًا مرعبًا للأهوال التي واجهتها النساء الكوريات المسميات: «إماء الجنس»، ودارت أحداث الفيلم حول مراهقتين في 14 أو 15 عامًا تم إرغامهن على ممارسة الجنس مع الجيش الياباني.

Embed from Getty Images

تمثال يرمز إلى نساء الراحة بكوريا الجنوبية.

وقام الوسط الأدبي بدوره في إلقاء الضوء على معاناة أولئك النسوة، من خلال الكتاب الكوري الذي تناول قصة حياة كيم هاك سون «book The Korean Comfort Women Who Were Coercively Dragged Away for the Military» (نساء الراحة اللاتي أرغمن على ممارسة الجنس مع الجيش)، وحرر هذا الكتاب ونشره في عام 1993 المجلس الكوري للمرأة، وتناول الكتاب قصة حياة 18 امرأة أخرى بجانب قصة حياة كيم، هذا إلى جانب التماثيل الرمزية التي شيدت لنساء الراحة وإماء الجنس في الشوارع والمواصلات العامة لكوريا؛ وهذا بغرض تكريم أولئك النسوة، والإشارة بأنهن جزء لا يتجزأ من المجتمع الكوري.

الوجه الآخر لليابان.. أزيلوا تمثال نساء الراحة

تحت الضغط الإعلامي والاجتماعي الذي وقع على السلطات اليابانية والكورية، عُقدت في نهاية عام 2015 اتفاقية بين اليابان وكوريا الجنوبية، صرح من خلالها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي عن أسفه لنساء الراحة اللواتي تعرضن لجرائم جنسية على يد الجيش الياباني، مؤكدًا صرف تعويضات مالية لهن.

سيدة الراحة السابقة لي أوك سن، البالغة من العمر 88 عامًا في ذاك الوقت، وكانغ اعترضتا على تلك الاتفاقية، وأكدت لي أن تلك الاتفاقية لم تشاور نساء الراحة الناجيات في بنودها، ولم يعلمن شيئًا عنها إلا من وسائل الإعلام، ولم تتوجه لهن اليابان باعتذار رسمي لشخصهن، مُصرحة أن تلك الاتفاقية كأنها طلب مباشر لنساء الراحة بأن يسكتن ويمتن في الحال؛ حتى لا يسببن مشاكل أكثر بين البلدين، خاصة عندما طلبن مقابلة شينزو آبي شخصيًا، ولكنه لم يستجب لتلك الدعوة، كما أكدت كانغ للإعلام.

تمثال يرمز إلى نساء الراحة شيد أمام سفارة اليابان. مصدر الصورة رويتزر

الأمر الذي أشعل المزيد من الغضب، هو الشرط الذي وضعه شينزو من أجل تسليم التعويضات، والتي لم تلاق استحسان النساء من الأساس، وهو إزالة التمثال الذي يرمز لسيدات الراحة، والموضوع أمام سفارة اليابان في كوريا الجنوبية منذ عام 2011، وردًا على هذا الشرط جاءت تصريحات سلطات كوريا الجنوبية بقدرتها على محاولة إقناع من شيدوا هذا التمثال بإزالته، ولكن دون وعود ضرورة إقناعهم.

Embed from Getty Images

صورة تجميع بين رئيس كوريا الجنوبية ونساء الراحة

في نهاية العام الماضي 2017، وخلال الأيام الأولى من هذا العام، توالت تصريحات مون جاي رئيس كوريا الجنوبية الذي انتخب حديثًا خلال عام عام 2017، حول الاتفاقية التي عقدت مع اليابان في 2015 مؤكدًا ضعف تلك الاتفاقية ووصفها بكونها «معيبة»، ولن تكون قادرة على حل الأزمة الدبلوماسية القائمة بين البلدين، إثر استغلال أولئك النسوة في ممارسة الجنس عنوة ووضعهم على قمة قائمة عبيد الجنس في العالم.

وتفاقم الأزمة بين كوريا الجنوبية واليابان بسبب إماء الجنس

يبدو من تلك التصريحات أن قضية نساء الراحة في كوريا الجنوبية من الموضوعات التي كرس لها مون جاي وقتًا كبيرًا، سواء لإيمانه بالقضية بالفعل، أم لكسب الرأي العام في صفه. في كلتا الحالتين لقد اتخذ مسارًا ودودًا تجاه أولئك النسوة، خاصة حين قابلهن في بداية هذا العام في البيت الأزرق الرئاسي بكوريا الجنوبية، ووعدهن باتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل التعويضات المعنوية والمالية التي من شأنها تعويضهن ولو قليلًا عما مررن له في ذاك الوقت.

على الجانب الآخر جاء رد اليابان رسميًا وغاضبًا من خلال وزير الخارجية الياباني، تارو كونو، والذي حذر من أن العلاقات الثنائية بين البلدين ستصبح غير قابلة للإدارة في حالة عدم التزام كوريا الجنوبية بالاتفاق الذى تعهد فيه الجانبان بحل النزاع «نهائيًا وبلا رجعة»؛ كما ورد في نص الاتفاقية، مؤكدًا – تارو – أن الاتفاق بين اليابان وكوريا الجنوبية كان اتفاقًا رسميًا موثقًا بين الحكومتين، وحظى – في رأيه – بتقدير كبير من المجتمع الدولى.

إماء الجنس والوضع الاقتصادي للبلدين

خلال قمة اقتصادية أقيمت في عام 2009، شارك فيها كل من اليابان وكوريا الجنوبية، عُقدت صفقة اقتصادية بتبادل عملات بين البلدين بقيمة 20 بليون دولار؛ بغرض تحسين الأوضاع الاقتصادية في مواجهة وتقليل أثر الأزمة الاقتصادية العالمية.

ولكن مع تدهور العلاقات بين البلدين؛ نتيجة الضغط الاجتماعي والإعلامي الداعم لنساء الراحة اللاتي مازلن على قيد الحياة، صرحت كوريا الجنوبية عام 2012 برفضها تجديد تلك الصفقة الاقتصادية مع اليابان، وعلى الرغم من وضوح أسباب الرفض، إلا أن كوريا الجنوبية أكدت أن الأمر ليس له علاقة بالنزاعات الإقليمية بين البلدين وقضية إماء الجنس.

ولكن مرة أخرى في نهاية العام الماضي 2017، ومع تفاقم قضية عبيد الجنس بتجاهل اليابان لحقوقهن، والتي كان من المفترض تسليمها في عام 2015؛ قررت كوريا الجنوبية تأجيل المناقشة في أمور تلك الصفقة الاقتصادية، وهذا بعد أن تسربت بعض الأخبار في أكتوبر «تشرين الأول» 2017 بأن كوريا الجنوبية تنوي توسيع تلك الصفقة وتجديدها، ولازلت تلك الصفقة معلقة حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!