ربما تعتقد أنّ العالم منشغل بأمور وأخبار كالذي يحدث مع رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري والسعودية، أو ما يحدث مع قطر ضمن ما يُعرف إعلاميًا باسم الأزمة الخليجية، أو حتى بما يحدث من تطورات قد تخص قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 من أجل إنجاح الرئيس الحالي دونالد ترامب في الانتخابات، أو حتى بتطورات الانقلاب العسكري في زيمبابوي، أو حتى بالأزمة السورية، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتطورات الوضع في مدينة البوكمال السورية بدير الزور، كلها أخبار تتصدَّر الصحف والوكالات العالمية يوميًا، ولكن ليس هذا فقط، وإنما توجد وسط هذه العناوين أخبار عن أمرٍ آخر، خاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو التحرش الجنسي داخل الكونجرس الذي يعد إحدى أهم مؤسسات الدولة.

وبشكلٍ يومي، أصبحت قضية التحرش الجنسي متصدرة عناوين الصحف والوكالات المحلية والدولية في مختلف البلدان، وسط سيل من الاتهامات والاعترافات التي أفصحت عنها النساء اللواتي تعرضن للتحرش من قبل. الأمر الذي طال عددًا من الأوساط الدولية والعالمية؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، ظهر وجهٌ آخر للوسط الفني الأمريكي في هوليوود لتحدث صدمة للجماهير في العديد من الشخصيات المحبوبة والمفضَّلة لديهم. اتهامات واعترافات واعتذارات، وما زالت قضية التحرش الجنسي متصدرة الرأي العام الأمريكي والعالمي، بل إنها وصلت إلى أوساط أخرى كالمؤسسات الإعلامية، والمؤسسات والمنظمات الدولية، والكونجرس بمجلسيه؛ مجلس النواب، ومجلس الشيوخ الأمريكي؛ الأمر لم يكن مقتصرًا على شخصية واحدة أو اثنين، بل شملت الاتهامات بالتحرش العشرات من رجال الكونجرس الأمريكي، فماذا تعرف عن التحرش في الكونجرس؛ ممثل السلطة التشريعية في الولايات المتحدة؟

اقرأ أيضًا:حرب جديدة في المنطقة.. ملف «ساسة بوست» لكل ما تريد معرفته عن أزمة لبنان الأخيرة

كيف قادت نساء هوليوود قضية التحرش الجنسي حتى وصلت إلى الكونجرس؟

منذ حوالي شهر ونصف الشهر، أصبح الحديث عن التحرش الجنسي في الأوساط المختلفة في الولايات المتحدة الأمريكية هو الحديث الأبرز الشاغل للرأي العام في البلاد؛ بحيث لا يمر يوم واحد إلا وتظهر فيه اتهامات بالتحرش الجنسي لأحد الشخصيات العامة المعروفة في المجتمع في المجالات المختلفة.

البداية كانت في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) السابق؛ حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية خبرًا يتعلَّق باتهامات للمخرج والمنتج السينمائي الأمريكي المعروف هارفي وينشتاين؛ إذ اتهمته الممثلتان روز ماكجوان، وأشلي جود، بالتحرش الجنسي، والاعتداء والاستغلال الجنسي لهن؛ حيث كانت من بين الاتهامات إجبارهن على تدليكه ومشاهدته عاريًا، أو طلب مزايا جنسية منهم في مقابل حصولهم على امتيازات للعمل معه في أفلامه الشهيرة والمعروفة؛ فمن المعروف عن وينشتاين أنَّ أفلامه ترشحت إلى أكثر من 300 جائزة من جوائز الأوسكار، وفازت بـ81 جائزة منهم؛ حيث قرر وينشتاين استغلالهن بالجنس مقابل الشهرة. اعترف المخرج بالاتهامات مقدمًا اعتذارًا مؤكدًا فيه أنه «تسبب بالألم للكثيرات».

المنتج والمخرج الأمريكي هارفي وينشتاين

توالت الاتهامات من قِبل سيدات مختلفات، ممثلاتٍ أو غيرهن، ضد وينشتاين بتعرضهن لمواقف مشابهة، بالتحرش، أو الاعتداء الجنسي، أو حتى بالاغتصاب، الأمر الذي وصل حتى لحظة كتابة هذا التقرير إلى اتهامات من قِبَل 65 سيدة مختلفة في الولايات الأمريكية وخارجها على مدار 30 عامًا ضد المخرج والمنتج المعروف؛ وكانت من بينهنّ الممثلة أنجيلينا جولي وجوينيث بالترو الحاصلات على جوائز الأوسكار.

ردود الفعل على اتهامات التحرش لوينشتاين أدَّت إلى تصويت مجلس إدارة أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، التي تنظم جائزة أوسكار، في الرابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) على قرار يقضي بطرد واينستين من عضويتها، وحظره مدى الحياة. كما قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إنه اتخذ خطوات لسحب وسام جوقة الشرف، وهو أعلى وسام فرنسي، والذي حصل عليه واينستين في عام 2012، هذا بجانب التحقيقات التي تجريها الشرطة في نيويورك ولوس أنجلوس وبيفرلي هيلز ولندن. ومن هنا، بدأت الممثلات تحكين عن حوادث تحرش أخرى في الوسط الفني الأمريكي، مما أثار ضجة كبيرة في الرأي العام الأمريكي، أدت في النهاية إلى تدشين وسم #أنا_أيضًا، الذي وصل إلى أروقة الكونجرس في وقتٍ لاحق.

«وأنا أيضًا» داخل أروقة الكونجرس

الاتهامات العديدة التي لاحقت المنتج والمخرج الأمريكي، هارفي واينستين، دفعت عددًا من النساء اللواتي تعرضن للتحرش إلى تأسيس الوسم المعروف إعلاميًا باسم #أنا_أيضًا أو #MeToo، والذي انتشر على شبكات ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، كفيسبوك، وتويتر، وإنستجرام.

(المنتج والمخرج الأمريكي هارفي واينستين)

مدشنو الوسم صرَّحوا أنهم قاموا بذلك من أجل تشجيع بعضهن البعض من أجل الإفصاح عن تجاربهن، ومشاركتها مع الأخريات والآخرين، وذلك من أجل نيل حقوقهن، ومن أجل بيان مدى حجم المشكلة المأساوي الموجود في معظم دول العالم، المتقدم منها والمتأخر؛ حيث قالت أليسا ميلانو، الناشطة والممثلة الأمريكية، أنها فكرت في البداية في أن تشجع النساء على سرد قصصهن وتجاربهن مع التحرش الجنسي والمضايقات في الولايات المتحدة.

(أليسا ميلانو، مؤسسة وسم #أنا_أيضًا)

وكتبت أليسا في تغريدة لها «لو استطاعت كل النساء اللاتي تعرضن للتحرش الجنسي، أو المضايقات من قبل أن يكتبوا جملة (وأنا أيضًا) فقد يمكن للناس أن يشعروا بمدى خطورة المشكلة»، غير أنها فوجئت بوجود أكثر 60 ألف رد على هذه التغريدة في ساعاتٍ قليلةٍ فقط بعد كتابتها، لكثيرات يحكين قصصهن، مما دفعها لتحويل الوسم إلى حملة من أجل مكافحة التحرش الجنسي في الولايات المتحدة.

الناشطة في مجال المساواة في الجنسين، ومكافحة الاعتداءات ضد النساء والفتيات، تارانا بورك، قالت في تصريحاتٍ لها إن فكرة الوسم ليست مجرد وسيلة لتجميع الفتيات والسيدات اللاتي تعرضن للتحرش فقط، وإنما هو وسيلة للعلاج من الصدمات أيضًا؛ حيث إنه يمكّن الضحايا من الشعور بأنهن لم يكن وحدهن، مشيرةً إلى أن ذلك قد يقلل من الأضرار النفسية لديهن.

الكونجرس من أسوأ الأماكن للسيدات

صنَّفت صحيفة نيويورك تايمز، الكونجرس الأمريكي بغرفتيه؛ مجلس الشيوخ، ومجلس النواب، على أنه أحد أسوأ الأماكن في الولايات المتحدة بأكملها التي تتعرض فيه النساء للتحرش بمستويات عالية وغير مسبوقة، في الوقت الذي وصفته موقع «فوكس» الإخباري الأمريكي أنه أرضًا خصبة للتحرش الجنسي.

(إحدى قاعات مبنى الكونجرس والمعروف باسم كابيتول هيل)

وكانت نيويورك تايمز قد رجَّحَت عدة أسباب وعوامل بخصوص انتشار ظاهرة التحرش الجنسي داخل الكونجرس، والتي يمكن أن تنطبق على حالات العديد من أماكن العمل أيضًا؛ أبرز هذه العوامل، بحسب الموقع، هي الهيمنة الذكورية في الكونجرس، مما يؤدي إلى تعرض النساء، ذات الأقلية في هذه الحالة، إلى نسبة عالية من التحرش. وأمَّا العامل أو السبب الثاني المتعلق بانتشار التحرش الجنسي داخل الكونجرس هو الصورة الشخصية والصفات التي يرسمها كل شخص لنفسه؛ حيث إن الكونجرس بغرفتيه يتطلب شخصيات تتميز بالذكاء، والفصاحة، وذات تأثير، ويرى الموقع أن أولئك هم الأكثر ارتكابًا لحالات تحرش.

وأمَّا العامل أو السبب الثالث فيرجع إلى انخفاض الأجور في عدد من الأقسام، وللموظفين داخل الكونجرس؛ حيث أن إولئك الذين يتقاضون أجورًا منخفضة هم الأكثر عرضةً للتحرش، وذلك نظرًا لعدم تمتعهم بالقوة، أو السلطة، التي تُمكِّنهم من الرد على التحرش الجنسي الموجه لهن.

وفي الواقع، هناك مشكلة أخرى تتعلق بالمضايقات الجنسية داخل الكونجرس الأمريكي، وتكمن في عدم وجود آلية فعَّالة للإبلاغ عن حالات التحرش داخله، وفي الحقيقة، الآلية موجودة، ولكنها غير فعَّالة، وجاري العمل على معالجة هذا الأمر في الوقت الحالي؛ حيث إنه لا توجد أي إدارة لتلقي هذه الشكاوى، في الوقت الذي لا تعتبر فيه مثل هذه الشكاوى من اختصاص إدارة الموارد البشرية. الجدير بالذكر أن الآلية المراد وجودها في المجلس يجب أن تتميز بالسرية، والتعددية، وذلك حتى لا يتسنى للجاني أن يؤثر على عدد أكبر من المسؤولين عن تلقي الشكاوى.

تاريخ من التحرش داخل الكونجرس الأمريكي

العشرات من حالات التحرش شهدتها قاعات وأروقة الكونجرس، من أعضاء الكونجرس ببعضهم البعض، أو من موظفيه ببعضهم البعض، أو حتى من عدد من أعضاء الكونجرس بالموظفين، الحالات تكاد تكون لا تحصى منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا.

أبرز الأسماء المتهمة بالتحرش في الوقت الحالي من مجلس النواب الأمريكي، والذي يعتبر الغرفة الأولى للكونجرس، والذين لحقت بهم الاتهامات في أعقاب اتهام المنتج واينستين، فيما عُرف إعلاميًا باسم «تأثير واينستين» كان طوني كورنيش، عضو مجلس النواب الأمريكي عن ولاية مينيسوتا، ورئيس لجنة الصحة العامة بالمجلس، والذي اتهمته سيدتان بالتحرش الجنسي بهما من قبل. وأمَّا عن زميله عن نفس الولاية، ولكن في مجلس الشيوخ، دان شاون، تم اتهامه هو الآخر من قِبل سيدتين بالتحرش بهن منذ بضعة سنوات، وذلك عندما كان عضوًا في مجلس النواب حينها، وسط دعوات بتقديم استقالته من مجلس الشيوخ، غير أنه لم يكترث بها، على الأقل حتى الآن.

(طوني كورنيش، عضو مجلس النواب الأمريكي المتهم بالتحرش الجنسي)

هناك أيضًا عضو مجلس النواب عن ولاية أوهايو، ويزلي جودمان، والمعروف عنه أنه مناهض لحقوق المثليين جنسيًا، وذلك بعد أن عُثر عليه يمارس الجنس مع رجل في مكتبه بمبني كابيتول هيل، حيث يقع الكونجرس، مما أدى إلى تقديمه استقالته بسبب هذا الأمر، وهو ما حدث بالفعل أول أمس في الخامس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017.

جيف هوفر، عضو مجلس النواب عن ولاية كنتاكي، إحدى ولايات الكومنولث الأمريكية، والمتحدث الرسمي باسم المجلس، استقال أيضًا في الخامس من نوفمبر الجاري من منصب المتحدث الرسمي باسم المجلس، وذلك بعد اتهامات لحقته هو الآخر بالتحرش بأحد عضوات فريق عمله في الكونجرس، ولكنه أعلن أنه سيظل عضوًا بالمجلس من أجل خدمة مواطني ولايته، مشيرًا إلى أن استقالته هذه حديثًا رسميًا فقط.

الاتهامات طالت أيضًا عضو مجلس النواب عن ولاية كولورادو، ستيف لبسك، بعد اتهامه من قِبل زميلته في المجلس، عضو مجلس النواب عن نفس الولاية، فايث وينتر بالتحرش بها، مطالبةً إياه بالاستقالة، إلا إنه لم يقدم استقالته. وأمَّا دون شوتر، عضو مجلس النواب عن ولاية أريزونا، فقد اتهمته سيدة تبلغ من العمر 26 عامًا، بالتحرش بها لفظيًا، والتعامل معها بطريقة تحمل إيحاءات جنسية، وذلك خلال حضورهما مؤتمر في شهر أغسطس (آب) الماضي.

الاسم الأشهر حتى الآن ضمن أعضاء الكونجرس، سواء كان من مجلس النواب، أو مجلس الشيوخ، هو آل فرانكين، عضو مجلس الشيوخ الذي يتصدر اسمه جميع الصحف والمجلات العالمية، حتى أنه تصدر وسم بhسمه على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، على مستوى العالم.

(آل فرانكين يتصدر وسوم العالم)

سبب شهرة آل فرانكين أنه تم اتهامه أول أمس، 16 نوفمبر (تشرين الثاني)، من قبل الإعلامية والمعلقة، ومقدمة البرامج الرياضية المعروفة، ليان تويدن؛ متهمةً إياه بمحاولة تقبيلها دون موافقتها وذلك عام 2006. بالإضافة إلى نشرها على حسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، صورة لها وهي نائمة، بينما كان آل فرانكين يحاول التحرش بها.

وجاء رد آل فرانكين مصحوبًا باعتذار، موضحًا أن الصورة كان مقصودًا بها المزاح والضحك، ولكنها لم تبدُ كذلك. وبعد ذلك بساعات، تم إرسال المعلومات إلى لجنة الأخلاقيات في مجلس الشيوخ لاستعراضها، قبل أن ينشر آل فرانكين اعتذارًا طويلًا من أجل ليان.

(السيناتور آل فرانكين، عضو مجلس الشيوخ المتهم بالتحرش)

الجدير بالذكر أنه في نفس الوقت، أعلنت ليان قبولها لاعتذار آل فرانكين، مؤكدةً أنها لم تطالبه بالاستقالة من مجلس الشيوخ، إلا في حالة تبين أنه تحرش بنساء أخريات، بينما طالب عدد من الشخصيات العامة آل فرانكين بتقديم استقالته.

تدريبات إلزامية للحد من التحرش من أجل دخول الكونجرس

ومن أجل الحد من معدلات المضايقات، والاعتداءات، والتحرش الجنسي داخل الكونجرس الأمريكي، فقد تقرر خضوع جميع الأفراد العاملين بالكونجرس لتدريبات إلزامية؛ سواء كانوا من المشرعين وأعضاء الكونجرس بغرفتيه، أو حتى من الموظفين العاملين داخل الكونجرس.

ودعا القرار، والذي تولى رعايته كلًا من السيناتور تشاك جراسلي، والسيناتور آيمي كلوبوشار، إلى نشر استطلاع للرأي، بحيث لا يظهر هوية المشارك فيه، وذلك من أجل جمع المزيد من المعلومات حول التحرش الجنسي، أو أي سلوك غير لائق مماثل يحدث داخل الكونجرس.

(السيناتور تشاك جراسلي)

وكان مجلس النواب الأمريكي قد أعلن يوم الثلاثاء، السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، على لسان رئيسه، بول رايان، إن التدريب سيكون ملزمًا، وأنه سيكون للوقاية من المضايقات الجنسية في الأساس. قبل ذلك بأسبوع واحد فقط، أصدر مجلس الشيوخ قرارًا مماثلًا أيضًا يقضي بإلزام التدريب ضد التحرش، مما يُعتبر أحد التغييرات الرئيسية في الكونجرس فيما يخص هذا الأمر.

وبالنسبة للقرار، فإنه ينص على أن كل عضو جديد للكونجرس، أو موظف في الكونجرس، سيخضعون للتدريب في الأيام الستين الأولى من انضمامهم للكونجرس، بالإضافة إلى تكرار التدريب على الأقل مرة كل دورة انتخابية، أي كل عامين.

(السيناتور آيمي كلوبوشار)

الجدير بالذكر، أن التدريب على الوقاية من التحرش في مكان العمل كان موجودًا من قبل في الكونجرس الأمريكي، ولكنه كان مجرد تدريب اختياري لأعضاء الكونجرس، وللموظفين العاملين هناك، ولذلك لم يهتم الكثيرون بحضوره. كما أن هناك أيضًا عددًا من التدريبات الأخرى الاختيارية كأخلاقيات العمل في الكونجرس، والأمن الإلكتروني، وغيرهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد