ميرفت عوف

6

ميرفت عوف

6

1,960

يتلاحق الكشف عن جرائم التحرش الجنسي في المجتمعات العربية والغربية، لكن الأكثر صدمة على هذه المجتمعات هو انتشار الظاهرة في الجامعات الأكاديمية، وبروز متهم هو الأستاذ الجامعي الذي كان منزهًا عن الخطأ إلى حد كبير، لقد أصبح العالم يقدم أدلة موثقة بأن هذا الأستاذ ليس معصومًا عن ارتكاب الجرائم في الحرم الجامعي، وبحق من أمنه المجتمع على تعليمهن، جرائم تتجاوز التعسف وإهدار الحق في التقييم الأكاديمي إلى الاعتداء على الجسد في حرمة العلم.

لاشين ليس الأول.. حالات التحرش بمصر متلاحقة

في شهر يوليو (تموز) الماضي، أصدر موقع «ويبومتريكس» المتخصص في ترتيب الجامعات عالميًا، المؤشر العالمي لترتيب الجامعات للعام 2017، لتظهر الأرقام تفوق للجامعات الأمريكية عالميًا، والجامعات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، بينما احتلت جامعات الدول العربية مواقع متأخرة، فالمملكة العربية السعودية التي شكلت المرتبة الأولى على المستوى العربي، جاءت في المركز رقم 425 عالميًا.

وحسب التصنيف السابق، تظهر جامعة القاهرة كأفضل جامعة على المستوى المحلي في مصر، وذلك بحلولها في المركز رقم 742 عالميًا، وقبل أيام جاءت فضيحة تحرش أستاذ جامعي في قسم الإعلام فيها كضربة قوية لسمعة الجامعة، إذ ضجت شبكات التواصل الاجتماعي بتسجيل صوتي منسوب لأستاذ يدعي «ياسين لاشين»، يطالب فيه فتاة جامعية بالتصوير عارية لاستغلالها، ويظهر التسجيل محاولة الاستغاثة من قبل الفتاة، بينما يهددها «لاشين» ويخيرها بين القتل أو التعري، متفاخرًا بأنه فوق القانون ويستطيع تدميرها.

لم تكن حادثة التحرش في جامعة القاهرة هي الوحيدة في الفترة الأخيرة، ففي مايو (أيار) 2017، اشتكت مجموعة من الطالبات بكلية الآداب في جامعة طنطا بقيام أستاذ جامعي بالتحرش بهن، طلب منهن إرسال صورهن عاريات أو مقابلته، وهو ما دفعهن لفضحه، كما شهدت كلية العلوم في جامعة الإسكندرية، حادثة تحرش في مايو (أيار) 2016، طالب فيها أستاذ جامعي طالبة بالدخول في علاقة جنسية معه، مهددًا إياها بالقتل في حال رفضت، وقد أُوقف الأستاذ عن العمل وأحيل للتحقيق.

في المغرب العربي التحرش مقابل «تنقيط جيد»

«تجاهلت رسائله ودعواته المتكررة، كما أكدت له أنني متزوجة، بيد أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في تعقبي، معتبرًا أن لا شيء يمنعني من الخروج معه حتى ولو كنت متزوجة»، كان هذا جزء من شهادة الطالبة المغربية «نور»، ضحية تحرش لأحد أساتذتها الذي كان يشرف على رسالة الماجستير خاصتها في جامعة محمد الخامس بالرباط.

صورة تعبيرية

تقول نور: «شيئًا فشيئًا بدأ الأستاذ يتجاوز حدود المسموح به في العلاقة، بعد أن صارت دعواته لتناول الغذاء أو شرب القهوة بعيدًا عن الجامعة تتكرر، ناهيك عن عبارات الغزل»، لقد أدى امتناع نور عن الرضوخ لتحرش أستاذها للانتقام منها في الدرجات، وتعاني المغرب من زيادة حالات التحرش في الجامعات، وقد شهد أبريل (أيار) الماضي، وتحديدًا في كلية العلوم في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان (شمال المغرب) فضيحة أخلاقية وتربوية، عندما اتهمت طالبة أستاذ جامعي بممارسة الابتزاز الجنسي مع الطالبات مقابل منحهن علامات عالية في مساقات يدرسها هذا الأستاذ، بل وصل الأمر لحد طلب ممارسة الجنس مقابل ذلك.

المجتمع المغربي ككل تحرك ضد هذه الجريمة، وقد جاء في بيان لـ«منظمة التجديد الطلابي» (غير حكومية)، أن: «أحد الأساتذة الجامعيين مُتورط في فضيحة أخلاقية مع مجموعة من طالباته، حيث يدعوهن إلى ممارسة الجنس مقابل منحهن نقاطًا عالية في المادة التي يدرسها»، ولم تتوان وسائل الإعلام المغربية في الإفصاح أكثر عن القضية؛ إذ كشفت إحدى المحادثات المسربة أن أستاذ مادة الجبر بكلية العلوم في تطوان، يدعو طالباته إلى إقامة علاقات جنسية مقابل تنقيط جيد في مادة الجبر التي يدرسها، ومقابل الحصول على ميزة مستحسن.

ضمن حملة لمكافحة التحرش بالطالبات في الجزائر (الفيسبوك)

في الجزائر.. 27% من الطالبات قلن إنهن تعرضن للتحرش

الجزائر أيضًا تعاني من ظاهرة التحرش في الجامعة، وتكشف دراسة أعدها مركز البحث في الأخلاقيات الاجتماعية والثقافية أن 27% من الطالبات قلن إنهن تعرضن لتحرش جنسي داخل الحرم الجامعي، ويتجاوز التحرش في جامعات الجزائر الأساتذة، إلى المسؤولين الإداريين وحرس أمن قاموا بالتحرش نظير أداء خدمات لطالبات، وتعرف هذه الظاهرة في المجتمع الجزائري بـ«شونطاج النقاط».

تقول إحدى الطالبات: «صديقتي لاحقها أحد أساتذتها، فرفضت ملاحقته، فتعمد أن يمنح لها نقطة إقصائية في مادة أساسية، عندها تعمدت الاتصال به عن طريق الهاتف مخبرة بأنها موافقة على الخروج معه، وسجلت صوته على الهاتف، لتلتقي به في اليوم الموالي، وعندما أخبرته بما فعلت قال لها بأنه سيحطم جميع سنواتها الدراسية وسيحيل ملفها إلى مجلس التأديب وسينتهي بها الأمر إلى الطرد إن هي كشفت عن التسجيل الصوتي».

من جانبه، يقول الأمين العام للاتحاد العام الطلابي الحر «سمير عنصل» إنه: «يتلقى من حالة إلى حالتين تحرش سنويًا، لكن بالرغم من خطورة التحرش في الوسط الجامعي والمجتمع باعتباره انتهاكًا لشرف المرأة وحقوقها، إلا أنه لا يزال مصنفًا ضمن التابوهات، حفاظًا على سمعة المتعدى عليها».

التحرش جزء شائع من تجارب الطالبات الغربيات أيضًا

«صادم لحد كبير أن تعلم أن الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي جزء شائع من تجارب هؤلاء الطلاب في حياتهم الأكاديمية والاجتماعية»، هذا ما قالته رئيسة لجنة التمييز على أساس الجنس «كيت جينكينز» تعقيبًا على دراسة أجرتها لجنة حقوق الإنسان الأسترالية.

طالبات في الجامعات البريطانية

الدراسة التي صدرت قبل أيام بينت أن أكثر من نصف طلاب الجامعات في أستراليا تعرضوا للتحرش الجنسي مرة واحدة على الأقل في عام 2016، وبحسب الدراسة التي شملت 39 جامعة و 31 ألف طالب، فقد وقع التحرش والاعتداءات الجنسية بدرجات متفاوتة في كافة الجامعات الأسترالية، إذ «أكد نحو 20% من الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية أنهم تعرضوا لسلوك مشابه خلال نشاط اجتماعي في الجامعة أو السكن الجامعي»، حسب الدراسة.

وبالذهاب إلى بريطانيا في قضية التحرش الجامعي، يظهر تقرير حديث نشرته صحيفة «الغارديان»البريطانية أن «هناك 169 شكوى ضد موظفين أكاديميين وغير أكاديميين، في الفترة ما بين العام الدراسي 2011-2012 إلى العام الدراسي 2016-2017، وهناك 127 شكوى أخرى ضد موظفين مقدمة من زملائهم»، وخرجت هذه الأرقام بعد جمع معلومات من 120 جامعة.

وينوه التقرير الذي أشار إلى أن جامعة «أوكسفورد» احتلت المرتبة الأولى من حيث اتهامات التحرش لوجود أدلة على أن الأرقام الحقيقية في المملكة المتحدة ستكون صاعقة، وتعقب الشريكة الرئيسة في شركة «ماكليستير أوليفاريوس» للقانون، آن أوليفاريوس بقولها: «هذه الأرقام صادمة، لكن للأسف، فإنه من خلال خبرتنا، نستطيع القول إنها لا تمثل سوى غيض من فيض.. تحرش الموظفين الجنسي بالطلاب وصل إلى مستويات وبائية في الجامعات البريطانية، ولا تمتلك معظم الجامعات آليات فعالة لمنع الموظفين من الضغط على الطلاب لإقامة علاقات جنسية، وعندما يحصل ذلك، فإن الفعل التأديبي شبه غائب، فالمسئولون هم في العادة زملاء لديهم محفزات كثيرة لعدم التدخل».

وفي سبتمبر (أيلول) العام 2015، أجرت رابطة الجامعات الأمريكية مسح شمل 27 جامعة، لتظهر الأرقام أن لا يقل عن 23% من طالبات الجامعات الأمريكية تعرض للتحرش الجنسي، ويكشف المسح أن نحو 4.5 بالمائة من الطلبة في المرحلة الجامعية مارسوا علاقات جنسية دون رضاء الطرف الآخر، أما الصاعقة فهو ما خص جامعة «هارفارد» الأمريكية التي تصدرت ترتيب الجامعات حول العالم هذا العام، إذ يظهر المسح أن 72.2% من الطالبات المشاركات فيه، تعرضن لتحرش جنسي أثناء تواجدهم قي الجامعة، والأخطر هو ارتفاع حالات الاغتصاب لعدد غير مسبوق، فقد وقعت أكثر من ثلاث حالات اغتصاب في المتوسط شهريًا.

الجامعات الإسرائيلية «الأرقى في الشرق الأوسط» مليئة بالتحرشات الجنسية

احتلت الجامعات الإسرائيلية مرتبة متقدمة على مستوى جامعات الشرق الأوسط في المؤشر العالمي لترتيب الجامعات سابق الذكر، فكانت أفضل أربع جامعات في المنطقة إسرائيلية، لكن هل يعني ذلك مثالية الجامعات الإسرائيلية وخلوها من التحرش الجنسي؟

الرئيس الإسرائيلي السابق، موشيه كاتساف، المتهم بقضية تحرش واغتصاب

تؤكد ارتفاع نسبة الشكاوي من قبل الطالبات على وجود بيئة تحرشية في الجامعات الإسرائيلية، بيئة تخضع فيها الضحية لإمرة المتحرش في الغالب، وأحيانًا يتم عقاب المتحرش، ففي يونيو(حزيران) 2016 أنهى 11 أستاذ جامعي إسرائيلي عملهم بسبب قضايا تحرش جنسي، وذلك بعدما كشفت جمعية تُعنى بضحايا التحرش الجنسي ارتكابهم جرائم جنسية وصلت لحد اغتصاب طالبات في الجامعة العبرية في القدس، وجاء في رسالة الجمعية أن هناك : «خمس محاضرين اعتدوا على طالبات. تم ارتكاب بعض تلك المخالفات في العام الدراسي الحالي، وبعضها الآخر، وفق الإفادات، في زوايا الحرم الجامعي».

ومع هذا فالأكثر صدمة هو ما أكده معهد الهندسة التطبيقية (التخنيون) في حيفا، بأن هناك ارتفاعًا بنسبة 40% في شكاوى التحرش الجنسي داخل الحرم الأكاديمي في إسرائيل، حيث بلغت عدد الشكاوى المتعلقة بالتحرش الجنسي 24 شكوى في العام 2016، مقابل 17 في العام 2015، و15 في 2013 وعشرة في العام 2012، واحتلت الجامعة العبرية في القدس المرتبة الأولى، حيث قُدمت فيها 38 شكوى خلال العام الماضي، أما استطلاع غير رسمي أجراه اتحاد طلبة الجامعة العبرية، يظهر تعرّض الطالبة الواحدة لما يزيد عن أربع حالات تحرّش جنسي خلال شهر واحد.

تقول وزيرة المساواة بين الجنسين وتمكين الشباب الإسرائيلية، «جيلا جمليئيل»: «يحتاج الوضع الذي جعل المؤسسات التعليمية في إسرائيل تتحوّل إلى دفيئة للتحرشات الجنسية والاعتداءات الجنسية إلى نقاش مُستعجل في مؤسسة التعليم العالي. أود التوجه لوزير التربية لضمان قيام هذا النقاش في أسرع وقت ممكن».

لماذا تزيد نسب التحرش في الجامعات؟

في سياق انهيار حقل القيم، تعاظمت جرائم التحرش الجنسي في الجامعات الأكاديمية، لذلك تؤكد رئيسة «مؤسسة الأورومتوسط للنساء»، فوزية العسولي أن: «عشرات الطالبات يعانين في صمت من التحرش الجنسي، ولا يستطعن الدفاع عن حقوقهن، لأن إثبات التحرش عملية صعبة، ووسائل الإثبات تبقى ضعيفة، في الوقت الذي تتقاعس الدولة في فرض إجراءات قانونية تحمي الطالبات».

احتجاجات ضد التحرش

ولا ترتبط ظاهرة التحرش في الجامعات بسلطة الأستاذ، وإنما بسلطة الذكر، فالإحاطة بالظاهرة لا تتم في منأى عن مفهوم الذكورية، حسب ما يؤكده الباحث في علم الاجتماع، صلاح العريني، مضيفًا : «يتميز هذا الفعل بممارسته من طرف شخص يتوفر على سلطة، مادية كانت أو معنوية، فالهيمنة الذكورية في المجتمع، تعطي للأستاذ (الذكر) الحق في ممارسة جانب من سلطته عن طريق ابتزاز الطالبات، اللاتي لا يميز بين شكلهن بحيث يمكن أن تقع الطالبة المحجبة بدورها ضحية للتحرش».

من جانبه، يقول الخبير بالمركز القومي لبحوث التربية، كمال مغيث أن «الجامعة تمنح سلطات واسعة للأساتذة غير مدركة ما قد يرتكبه بعض المفسدين، فطالما نحن بشر فلسنا معصومين من الخطأ، وكلما زادت سلطات الفرد زادت احتمالات خطأه وطغيانه»، ويضيف مغيث لـ«رصيف22» عن أسباب تمادي الأساتذة في الفساد الأخلاقي أو الإداري ويقول: «السبب الرئيس هو التداخل بين الإدارة وهيئة التدريس، فبعض الأساتذة مسنودون بعلاقاتهم بإدارة الجامعة ولا يستطيع أحد اتخاذ إجراءات ضدهم، كما أن بعض الأساتذة يتودد للجهات الأمنية بكتابة تقارير عن طلابهم، وخاصة الثوريين منهم؛ ما يجعلهم بمأمن تام من العقاب، ويفتح لهم أبواب الترقية».