نقلًا عن الخليج الجديد

تبدأ الحكاية في الثامنة من مساء يوم السادس من أغسطس/ آب الحالي، حيث وشع الحظ العاثر سيارتين معا على مدخل دوران طريق الأزهري في مدينة اللاذقية الساحلية الموالية لـ«نظام الأسد». أحد السيارتين كان يقودها العقيد «حسن الشيخ» وهو مهندس عسكري في سلاح الجو السوري وعضو من عائلة علوية بارزة في المدينة، بينما تعود السارة الثانية لـ«سليمان الأسد»، وهو نجل «هلال الأسد» ابن عم الرئيس السوري «بشار الأسد».

قتل «هلال» في معركة ضد المعارضة في مارس/أذار من عام 2014 ، حيث كان يقود عصابات شبه عسكرية مدنية تسمى الشبيحة وهي معروفة بارتكاب فظائع ضد المدنيين.

حاول «سليمان» عبور الطريق الدائري ولكن سيارة «الشيخ» عبرت أولا، قاد «سليمان» سيارته مسرعا وقام بإيقاف السيارة التي يقودها «الشيخ»، قبل أن يخرج من سيارته حاملا مدفعه الرشاش وأطلق النار على «الشيخ» الذي قاد يقود سيارته برفقة زوجته وأطفاله، توفي «الشيخ» إثر إطلاق النار على الفور.

ولم تكن هذه سوى بداية القصة

قام شقيق «الشيخ» بدعوة القرويين، حيث تقيم عائلته، للتجمهر في وسط المدينة للاحتجاج على قتل أخيه. بدأ الاحتجاج قليل الزخم ولكنه سرعان ما تصاعد في وقت قصير. تحول الأمر إلى احتجاجات جماهيرية استمرت على مدار يومين وكانت موجهة ضد «الأسد».

وتعكس هذه الاحتجاجات العديد من الحقائق الخفية التي تميز الطبيعة الراهنة لمنظومة العلاقات بين الطائفة العلوية و«نظام الأسد». كتب شقيق الضابط (العقيد)، القتيل عبر صفحته الشخصية على فيسبوك قائلا: «إلى متى ستستمر هذه العائلة في الاقتيات على دمائنا وأجسادنا.. إلى متى سيتم تمزيق أوطاننا من قبل هذه الكلام المتوحشة»، كان واضحا أن الأخ لم يعكس مجرد غضب عائلة فقدت للتو أحد أفرادها.  المشاعر السائدة بين المجتمع العلوي بشكل عام يسيطر عليها الشك العميق بأن «بشار الأسد» وعائلته قد انتقلوا بهم إلى طريق مسدود له عواقب وخيمة. طالب المحتجون بالإعدام الفوري لـ«سليمان الأسد» بينما وقفت قوات الأمن إلى جانب المحتجين.

حقيقة أخرى تبدو غير واضحة وهي أن «سليمان»، الذي تم القبض عليه لاحقا من قبل نظام «الأسد» لتهدئة الاحتجاجات، هو واحد من الزعماء المحلليين لعصابات الشبيحة، بينما القتيل «حسن الشيخ» هو ضابط رسمي عسكري. والصراع بين كلام الفئتين «المعسكرين» المواليين للأسد لم يعد يخفى على أحد. الشبيحة يخبرون العلويين ليلا ونهارا أن عليهم تمكين مجتمعهم وأن انتقاد الرئيس «الأسد» هو علامة على الجحود. الجيش يقول للسكان أنه، وليس الشبيحة، هو خط الدفاع في نهاية المطاف عن المجتمع.

هل يمكن تعميم هذه الخصائص والسمات التي باتت تسيطر على العلويين على سائر شرائح المجتمع العلوي في سوريا؟ الإجابة تعتمد على خصوصية كل مجتمع وتمركزه الجغرافي والظروف الخاصة التي شكلت الهوية الطائفية الجماعية في قضية معينة.

على سبيل المثال في حمص، حيث تتواجد جالية علوية كبيرة، يمتلك الشبيحة سيطرة كاملة على تلك الأجزاء من المدينة التي يقطنها العلويون. والسبب في ذلك يرجع إلى أن مجموعات الشبيحة تشكلت في وقت سابق كاستجابة من المناطق العلوية من نفس المدينة التي تقطنها أغلبية سنية. قربها من الخطوط المحتملة للصراع أعطى الشبيحة قاعدة دعم قوية بين العلويين هناك الذين يرون تهديدا ماثلا على بعد عدة ياردات.

وبسبب انخفاض الشعور بالتهديد وسيادة المشاعر والسلوكيات الطبيعية في المناطق الحضرية الساحلية، فالشبيحة لا يملكون ذات القاعدة العريضة من الدعم التي يحظون بها في أماكن أخرى.

ومع ذلك فإن هناك العديد من الأسئلة الهامة التي فجرتها احتجاجات اللاذقية. على رأسها هل تم توظيف هذه الاحتجاجات استخدامها من قبل بعض الدوائر في الجزء العلوي من الجيش السوري من أجل النأي بأنفسهم عن الشبيحة وجرائم الحرب التي ارتكبوها؟ إذا كان هذا صحيحا فهل يمكن أن يكون هذا أحد أصداء الأحاديث المتناثرة أنه يجري حاليا التفاوض حول مستقبل «الأسد» وأنه ربما يقترب من نهايته؟ هل يعني ذلك أن جرائم الحرب التي ارتكبت سوف يتم تعليقها في النهاية في رقبة «الأسد» وعصابات الشبيحة التابعة له من أجل الحفاظ على الجيش كمؤسسة؟ هل يختبر كبار الضباط العلويين في الجيش مدى قدرتهم على صناعة وخلق قاعدة من التأييد الشعبي بين الجمهور العلوي؟ هل هي محاولة لخلق مساحة أوسع من التباين بين الجيش ”الوطني“ والقوات شبه العسكرية ”الطائفية“. (شقيق سليمان الأسد لديه علاقات شخصية قوية مع العديد من كبار الضباط العلويين).

ربما تعكس هذه الأسئلة تمنيات شخصية، لكنها ربما تكون واقعية أيضا وسوف تتولى الأحداث في الأشهر القليلة القادمة داخل المجتمع العلوي مسؤولية ترجيح أي الفرضيتين أقرب إلى الصواب.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز – ميدل إيست بريفينج
عرض التعليقات
تحميل المزيد