«لا يمكن للسفينة إنديورانس أن تنجو من هذا، أيها القبطان. قد يستغرق الأمر بضعة أشهر، وقد تكون مجرد مسألة أسابيع، أو حتى أيام. لكن ما يحصل عليه الجليد، يحتفظ به الجليد» 

كانت هذه كلمات إرنست شاكلتون لقبطان السفينة إنديورانس في اجتماعهما الخاص لمناقشة تطورات وضع السفينة المحاصرة بالجليد من كل جانب، وهكذا انتهت قصة السفينة من قبل أن تبدأ، وبدأت قصة شاكلتون ورجاله للنجاة.

نحن الآن في عام 1914 والحرب الكبرى على الأبواب، لكن الأوامر قد وصلت. ستتحرك السفينة إنديورانس من الميناء، و«الرحلة الاستكشافية عبر القطب الجنوبي» ستبدأ، بقيادة إرنست شاكلتون، المستكشف الشجاع الذي يريد إثبات نفسه بعد فشل مهمته الأولى، لكنه لم يكن يعلم أنه في غضون أشهر ستتغير مهمته من كونها مهمة استكشافية إلى مهمة نجاة، فماذا حدث لشاكلتون وطاقم إنديورانس؟

إرنست شاكلتون والقطب الجنوبي

وُلِد إرنست شاكلتون المستكشف الأنجلو-أيرلندي، في أيرلندا وانتقل مع عائلته إلى لندن عندما كان طفلًا. حاول والده إقناعه بالالتحاق بكلية الطب ليتبع خطاه، لكن إرنست اتجه نحو البحر فالتحق بالبحرية التجارية، وبسبب شخصيته استطاع الترقي في الرتب سريعًا، وأن يضع اسمه في أوائل الصفوف دائمًا.

بسبب طبيعة عمله سافر إرنست كثيرًا وصار معروفًا في أوساط البحرية الملكية، لينضم في عام 1901 إلى الضابط والمستكشف البحري البريطاني الشهير روبرت فالكون سكوت، في رحلة شاقة إلى القطب الجنوبي جعلت الرجلين أقرب إلى القطب من أي شخص آخر سبقهما، لكن انتهت الرحلة – للأسف – بشكل سيئ بالنسبة لشاكلتون، الذي أصيب بمرض خطير واضطر للعودة إلى المنزل.

رحلة السفينة إنديورانس.. عندما نجت البعثة الإمبراطوية من "غضب" القطب الجنوبي

إرنست شاكلتون – مصدر الصورة: بريتانيكا

هذه الرحلة خلقت بداخل شاكلتون تحديًا؛ تحديًا للقطب الجنوبي بظروفه المناخية المميتة، وطبيعته غير المستكشفة وغير المأهولة، وولدت داخل شاكلتون رغبة بالذهاب إلى القطب الجنوبي واستكشافه والمشي فوق الأراضي التي لم يمشِ عليها إنسان من قبل. لذلك حاول في عام 1907، تحقيق هدفه، لكنه فشل مرةً أخرى؛ إذ كان على بعد 97 ميلًا من القطب الجنوبي قبل أن تجبره الظروف القاسية على العودة.

وفي عام 1911، تحطم حلم شاكلتون في أن يصبح أول شخص تطأ قدمه القطب الجنوبي، عندما وصل المستكشف النرويجي رولد أموندسن إلى هناك. لكن عوضًا عن التخلي عن روح الاستكشاف، قرر شاكلتون وضع عينه نصب حلم جديد، أكبر من الذي سبقه، وهو حلم عبور القارة القطبية الجنوبية، من البحر إلى البحر، وهو للحق هدف طموح بشكل غير عقلاني بالنسبة للكثيرين، مع الأخذ في الاعتبار أن في ذلك الوقت 10 رجال فقط وصلوا إلى القارة القطبية، خمسة منهم ماتوا في طريق العودة، لكن هذه المعلومة لم تعن شيئًا لشاكلتون الذي بدأ في التجهيز لـ«البعثة الإمبراطورية عبر القارة القطبية الجنوبية».

السفينة إنديورانس.. بداية النهاية

كانت الخطة هي الانطلاق من منطقة بحر ويديل القريب من جنوب أمريكا الجنوبية وعبور منطقة غير مستكشفة تمامًا من القارة القطبية الجنوبية، إلى القطب الجنوبي، ثم إلى بحر روس القريب من نيوزيلندا، ولصعوبة الرحلة وطولها؛ تقرر وجود فريقين، فريق ينطلق إلى بحر ويديل، وآخر على الجهة المقابلة ليضع مؤن للطرف العابر للقارة القطبية الجنوبية لاستخدامها في رحلتهم إلى الساحل من القطب، وسيكون على متن سفينة ثانية.

في البداية واجه شاكلتون مشكلة مع التمويل؛ إذ وجد نفسه يكافح بشدة للحصول على أموال كي يبدأ مغامرته ويحقق حلمه. ورغم صعوبة الأمر فإنه في النهاية، حصل على التمويل، ومع نهاية يوليو (تموز) 1914، اكتملت الاستعدادات تقريبًا. كانت السفينة راسية قبالة ساوث إند في الرابع من أغسطس (آب) 1914 عندما قرأ شاكلتون في صحيفة يومية أمر التعبئة العامة للقوات والإمدادات جنبًا إلى جنب مع دعوات للجنود المتطوعين.

لذلك عاد إرنست شاكلتون على الفور إلى السفينة، وجمع الطاقم وأخبرهم أنه سيرسل برقيةً إلى الأميرالية يعرض السفينة والمخازن والخدمات إلى البلاد في حالة اندلاع الحرب. في غضون ساعة بعد إرسال البرقية، تلقى شاكلتون ردًّا من الأميرالية بكلمة واحدة «أكمل». وبعد مرور ساعتين، وصل رد آخر من ونستون تشرشل شكرهم فيه على عرضهم، لكنه أراد أن تستمر الحملة. وفي تلك الليلة، عند منتصف الليل، اندلعت الحرب.

لقطات من فيلم رحلة لإرنست شاكلتون والسفينة إنديورانس

انطلقت إنديورانس، وبحلول أواخر الخريف، وصل الطاقم إلى جورجيا الجنوبية، وهي جزيرة تقع في جنوب المحيط الأطلسي. غادرت إنديورانس جورجيا الجنوبية إلى القارة القطبية الجنوبية في 5 ديسمبر (كانون الأول) 1914، وعلى متنها 27 رجلًا (بالإضافة إلى شخصٍ واحدٍ تسلل خلسة، أصبح خادمًا للسفينة)، و69 كلبًا، وقط أطلق عليه خطأً، اسم السيدة شيبي.

وكان هدف زعيم الحملة شاكلتون، الذي فشل مرتين من قبل للوصول إلى القطب الجنوبي، هو إنشاء قاعدة على ساحل بحر ويديل في أنتاركتيكا، ومن هناك ينطلق فريق صغير، بقيادته لعبور القارة المتجمدة، ليصل في النهاية إلى بحر روس، حيث تنتظرهم مجموعة أخرى، بعد أن وضعت مستودعات للطعام والوقود والمؤن على طول الطريق.

لكن هذه الخطة لم يكن مكتوبًا لها النجاح، فبعد يومين فقط من مغادرة جورجيا الجنوبية، دخلت إنديورانس حزمة الجليد (حاجز الجليد البحري السميك الموجود حول القارة القطبية الجنوبية) ولعدة أسابيع، توغلت السفينة وشقت طريقها بصعوبة عبر الجليد، بحذر اتجهت إنديورانس نحو الجنوب. ولكن في 18 يناير (كانون الثاني) هبت عاصفة شمالية شلت حركة السفينة وجعلتها عالقة، وفجأة لم يكن هناك طريق للمضي قدمًا، أو العودة إلى الوراء. كانت السفينة كما وصفها أحد أفراد الطاقم توماس أوردي ليس، «مجمدة مثل اللوز في منتصف قالب الشوكولاتة».

كان انجراف الجليد يدفعهم ببطء بعيدًا مع مرور كل يوم، ولم يكن هناك شيء آخر لفعله سوى الاستعداد وانتظار الشتاء. «لا يمكن للسفينة أن تنجو من هذا، أيها القبطان. قد يستغرق الأمر بضعة أشهر، وقد تكون مجرد مسألة أسابيع، أو حتى أيام. لكن ما يحصل عليه الجليد، يحتفظ به الجليد».

كان ما قاله شاكلتون لقبطان السفينة في الاجتماع الخاص كما كتب ألكسندر ماكلين، أحد جراحي السفينة، لكنه لم يُظهر هذا القلق أمام الطاقم بل «لم يغضب على الإطلاق، ولم يبد أدنى علامة على خيبة الأمل؛ أخبرنا ببساطة وهدوء أننا سنقضي الشتاء على الجليد؛ شرح مخاطر الأمر واحتمالاته. لم يفقد أبدًا تفاؤله واستعد لفصل الشتاء».

صورة لطاقم السفينة إنديورانس، مصدر الصورة: فليكر

كان الجميع يعلم أن أحد أمرين سيحدث بعد مرور الشتاء، إما أن يذوب الجليد ويتفكك في الربيع، وبالتالي تتحرر السفينة، أو أنه سيتماسك ويتصلب ويقودها بفعل تأثيرات الرياح والمد والجزر على مدى مئات الأميال من البحر ويسحق الجليد جسد السفينة المتهالك من الصقيع.

خرج الرجال للبحث عن اللحوم الطازجة للكلاب ولأنفسهم، فقمات أو بطاريق أو أيًّا كان ما يستطيعون العثور عليه، فقد كانت الحيوانات في حالة نقص بعد أن اختفوا في بداية الشتاء.

انجرفت السفينة على بعد 1186 ميلًا على الأقل منذ أن بدأت تخترق الجليد لأول مرة قبل 281 يومًا، وكانت على بعد 346 ميلًا من جزيرة بوليت، وهي أقرب نقطة حيث كان هناك أي احتمال للعثور على الطعام والمأوى، وكان شاكلتون قد أمر بإنزال القوارب والعتاد والمؤن والمزالق على الجليد، فنصب الرجال خمس خيام على بعد 100 ياردة من السفينة لكنهم أجبروا على التحرك عندما بدأت سلسلة من التلال في شطر الجليد تحتها.

وفي 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1915 وبسبب ضغط الجليد من الأعلى وضغط مياه المحيط من الأسفل انهارت مقاومة السفينة وغرقت تحت الجليد، لتنتهي قصة إنديورانس ويبدأ فصل جديد في رحلة شاكلتون: النجاة.

شاكلتون والصراع من أجل البقاء

كانت الخطة الأولية هي السير عبر الجليد نحو اليابسة، ولكن جرى التخلي عن ذلك بعد أن مشى الطاقم سبعة أميال ونصف فقط في سبعة أيام. كتب شاكلتون في كتابه «الجنوب»: «لم يكن هناك بديل سوى التخييم مرة أخرى على الطوف الجليدي والتحلي بالصبر حتى تبدو الظروف أكثر ملاءمة لتجديد محاولة الهروب».

ببطء وثبات، انجرف الجليد إلى أقصى الشمال؛ وفي 7 أبريل (نيسان) 1916، ظهرت القمم المغطاة بالثلوج في جزر كلارنس والفيل، مما جدد لدى الطاقم الأمل، لكن هذه القمم تعني أن الجليد بدأ في التفتت. وفي 20 ديسمبر (كانون الأول)، قرر شاكلتون أن الوقت قد حان للتخلي عن معسكرهم والسير تجاه اليابسة.

كتب إرنست شاكلتون في مذكراته: «لقد كان الطوف صديقًا جيدًا لنا، لكنه وصل إلى نهاية رحلته، وهو عرضة للتفكك في أي وقت الآن». لذلك وفي التاسع من أبريل ركب الطاقم قوارب النجاة التي نجت من غرق إنديورانس، لتبدأ مغامرتهم مع المحيط الذي ألقى الرذاذ المتجمد على وجوههم وقذف الماء المتجمد فوقهم، وضربت أمواجه القوارب من جانب إلى آخر، وبعد قرابة الأسبوع، نجح الطاقم في الوصول إلى جزيرة الفيل.

IH169263

المصدر: فليكر

لم يصدق أفراد الطاقم أنفسهم، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يقضون فيها ليلتهم على أرض يابسة منذ مغادرتهم جورجيا الجنوبية قبل 497 يومًا. فيحكي شاكلتون: «بينما كنا نتجمع حول موقد الدهن، ومع تدفق الدخان اللاذع في وجوهنا، كنا صحبةً سعيدةً مبتهجةً، لم تكن الحياة سيئةً للغاية. تناولنا وجبتنا المسائية بينما انجرف الثلج من على سطح النهر الجليدي وأصبحت أجسادنا المبردة دافئة».

لكن للأسف لم تكن هذه نهاية المحنة؛ إذ كان احتمال أن يصادفهم أي شخص ضئيلًا للغاية، وهكذا بعد تسعة أيام من التعافي والاستعداد، انطلق شاكلتون ورسلي وأربعة آخرون في أحد قوارب النجاة لطلب المساعدة من محطة لصيد الحيتان موجودة في جورجيا الجنوبية، والتي تبعد عنهم أكثر من 800 ميل.

«أخبرت الرجال الآخرين بأن السماء كانت صافيةً، وبعد ذلك ببرهةٍ أدركت أن ما رأيته لم يكن صدعًا في الغيوم بل قمةً بيضاء لموجةٍ هائلةٍ. خلال 26 عامًا من الخبرة في المحيط بجميع حالاته المزاجية، لم أواجه موجةً عملاقةً جدًّا كهذه. صرختُ قائلًا «بحق الله، تمسكوا! لقد نال منا. ثم جاءت لحظة من التشويق بدت ممتدةً لساعات. اندفعت المياه الهائجة من حولنا، شعرنا أن قاربنا يُرفع ويُقذف إلى الأمام مثل الفلِّين. كنا في فوضى غليظة من الماء، لكن بطريقةٍ ما نجا القارب، نصفه مملوء بالماء. كنا رجالًا يقاتلون من أجل الحياة، نلقي بالماء من كل جانب بكل وعاء يأتي بأيدينا، وبعد 10 دقائق من عدم اليقين، شعرنا بأن القارب ينبض بالحياة تحتنا»، كما حكى شاكلتون.

استطاع شاكلتون ورجاله الوصول إلى شاطئ الجزيرة أخيرًا، لكن الأمواج والتيارات كانت قد ألقت بهم على الجانب الآخر من الجزيرة، الجانب غير المأهول، وهكذا بدأ المستكشف سيئ الحظ رحلته لعبور الجزيرة، وبالطبع الرحلة لم تكن سهلةً؛ فقد كان عليهم عبور سلسلة الجبال الممتدة بطول الجزيرة، والمشي على طريق لم يمشِ عليه إنسان قبلهم قط، لكن ما جعل هؤلاء الرجال يتخطون كل هذه الصعاب، لم يكن ليجعل سلسلة من الجبال العالية والمكسوة بطبقاتٍ وطبقاتٍ من الجليد تقف أمامهم.

لم يكن هناك أي سيناريو يمكن تصوره يظهر فيه ثلاثة غرباء من العدم في محطة صيد الحيتان الموجودة على الجزيرة، وبكل تأكيد ليس من اتجاه الجبال. ومع ذلك وصلوا بشعورهم الكثيفة ولحاهم المتلبدة، ووجوههم السوداء بالسخام الناجم عن مواقد الشحوم، مجعدة من قرابة عامين من الإجهاد والتعب.

منوعات

منذ 10 شهور
«فص ملح وذاب».. 5 رحالة مستكشفين اختفوا في حوادث غامضة!

بدأ شاكلتون في محاولات الحصول على سفينة لإنقاذ طاقمه الموجود على جزيرة الفيل، وبعد عدة محاولات عرضت الحكومة التشيلية توفير سفينة وانطلق بها شاكلتون لإنقاذ رجاله. وكل صباح في جزيرة الفيل، كان فرانك وايلد، الذي تركه شاكلتون مسؤولًا، يوجه نداءً للجميع لتجهيز متعلقاتهم وحزم حقائبهم. «قد يأتي الرئيس اليوم!» أعلن  وايلد ذلك يوميًّا. ولكن تسلل الإحباط والشك إلى الطاقم. 

وأخيرًا، وفي 30 أغسطس 1916، وصلت القصة لنهايتها. كان الطاقم على الجزيرة يستقرون لتناول غداء من العمود الفقري لفقمة مسلوقة عندما رأوا سفينة شاكلتون قبالة الساحل. لقد مر 128 يومًا منذ غادر رئيسهم، والآن قد عاد لينقذهم أجمعين، وبعد 20 شهرًا من الانطلاق إلى القطب الجنوبي، كان كل فرد من أفراد طاقم إنديورانس آمنًا وعلى قيد الحياة. «هل الجميع بخير؟» سأل شاكلتون وايلد الذي أجابه «الجميع بأمان، الجميع بخير!».

وعلى الرغم من أن شاكلتون لم يستطع تنفيذ المهمة التي انطلق من أجلها، فإن المغامرة التي خاضها، واستطاعته العودة بجميع رجاله سالمين، رغم كل ما واجهوه، سطرت اسمه بين أهم مستكشفي العصر الذهبي للقارة القطبية الجنوبية. وبشخصيته العنيدة حاول شاكلتون العودة مرةً أخرى للقطب الجنوبي، لكنه لم يكن مقدرًا له الوصول لأنتاركاتيكا، وبعمر السابعة والأربعين مات شاكلتون في رحلته الأخيرة نتيجة أزمة قلبية، ليموت المستكشف العنيد، قبل أن يحقق حلمه ويسيطر على جليد الجنوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد