كان يمكن لهيلاري كلينتون في هذا اليوم، أن تكتب أي شيء آخر، السابع من ديسمبر (كانون الأول)، للعام الماضي 2015، موعد المقال الصباحي الافتتاحي لهيلاري، على صفحات «السيدة الرمادية»، اللقب الرسمي للنيويورك تايمز.

كان بإمكانها أن تتحدث أكثر عن برنامجها فيما يخص الرعاية الصحية، أو خفض معدل البطالة، أو حتى مهاجمة منافسها «دونالد ترامب»، إلا أنها تركت كل ذلك؛ لتتكلم عن شيء آخر، شيء يقبع في ظلام شوارع «وول ستريت»، أو ما يطلق عليه الاقتصاديون، في مختلف أنحاء العالم: «The global bogeyman- البعبع العالمي»، وما نعرفه باسمه الواقعي «بنوك الظل».

عنونت هيلاري مقالها بـ«كيف يمكنني كبح جماح وول ستريت»، وبدأت مقالها بالتذكير بالثلاثة أرقام الرئيسة، والمثيرة لخوف الكثير من الأمريكيين، والخاصة بتأثير الأزمة المالية العالمية عليهم، في عام 2008، حيث فقد حينها حوالي خمسة ملايين أمريكي منازلهم للبنوك، لعدم سدادهم الديون التراكمية أو لإفلاس هذه البنوك حينها، وفقد حوالي تسعة ملايين أمريكي وظائفهم، فضلًا عن تسبب الأزمة المالية في محو حوالي 13 تريليون دولار، من إجمالي الثروة الأمريكية القومية، وفقدانها تمامًا بلا عودة، ثم دعت إلى وقف جهود الجمهوريين، الرامية إلى تعطيل أغلب قوانين ضبط الأسواق المالية، المشرّعة في ولايتي «باراك أوباما»، والتصدي لهذه الجهود بأية طريقة.

شرحت هيلاري بعض الخطوط العريضة لخطتها الاقتصادية، من برنامجها الرئاسي، منها مثلًا فرض رسوم مخاطر جديدة على البنوك العملاقة، المجموعة الحاكمة لوول ستريت، مجموعة ينضم إليها أي بنك أصوله أكثر من 50 مليار دولار، فضلًا عن اتجاهها لإعلاء سلطات الحكومة الفيدرالية، ممثلة في هيئة مراقبة الأوراق المالية «SEC» بشكل رئيس، مما يسمح لها بإعادة تنظيم وتقليص، وحتى تفكيك، أي بنك أو مؤسسة مالية مهما بلغ حجمها، بحيث تضمن الحكومة عدم تضخم أي مصرف أو مؤسسة إلى درجة لا تسمح للولايات المتحدة بالسيطرة عليها، كما حدث في 2008.

لا تبدو هيلاري بذلك الإصرار بمفردها، وسواء كانت وعودًا انتخابية أكثر منها واقعًا، أو العكس، كما سنفصل في النهاية، فإن خطة هيلاري بشأن مواجهة بنوك الظل تبدو اتجاهًا ديموقراطيًا عامًا، ولذلك وفي الخامس من يناير (كانون الثاني) لعامنا الحالي 2016، أثار السيناتور الأمريكي، وأحد مرشحي الحزب الديموقراطي حينها للانتخابات الرئاسية، بيرنيساندرز، نفس قضية تضخم البنوك الكبرى، وكيفية مواجهة مؤسسات الظل المالية، إلا أن خطة بيرني، وبرنامجه الاقتصادي، كانا أكثر راديكالية من برنامج هيلاري بأشواط طويلة.

أراد بيرني أن يفكك البنوك العملاقة تمامًا، في غضون عام واحد حال توليه الرئاسة، وهي إحدى أوجه الخلاف الاقتصادي الرئيسة، بين هيلاري وبيرني، فكلينتون ترى أن الحل في سياسات أكثر صرامة، موجهة لأشخاص بعينهم تقيد حركاتهم المشبوهة، بينما يرى بيرني أن حل المشكلة سيأتي من معالجة جذورها، أي تفكيك الشبكة المصرفية في جزئها العملاق بالكامل، ومن ثم القضاء على نسبة كبيرة من معاملات سوق الظل المالي المشبوهة.

لم تأت تسمية البعبع العالمي من فراغ؛ فالجميع تقريبًا، من غير المستفيدين منها، يرون بنوك الظل الخطر الأكبر على منظومة الاقتصاد العالمي، تؤمن بذلك «جانيت يلين»، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وثالث أكثر امرأة نفوذًا وتأثيرًا في العالم، بحسب تصنيف فوربس السنوي لـ 2016، ترى أن «بنوك الظل تشكل تحديًا هائلًا للاقتصاد العالمي»، وكذلك «نيل كاشكاري»، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في «مينيابوليس» بمينيسوتا، مطالبًا في فبراير (شباط) الماضي بإجراءات «أكثر جرأة من أجل اصلاح القطاع المصرفي في البلاد»، داعيًا لضرورة تفكيك البنوك الكبرى «التي قد يؤدي فشلها المحتمل في نشوب أزمة في الأسواق المالية العالمية»، وهو الأمر الذي يتفق عليه أغلب فقهاء الاقتصاد الأمريكيين، مؤكدين على قدرة قطاع الظل المصرفي على تحريك «انهيار مالي عالمي آخر».

لماذا تثير «بنوك الظل» ذعر الجميع؟

ظهرت كلمتا «بنوك الظل» للنور، لأول مرة، عن طريق بول مكولي، الاقتصادي الأمريكي الشهير، وأحد مديري العموم في قطاع الاستثمار بـ «بيمكو»، عملاق إدارة الاستثمارات والأصول الشهير، والذي يدير أصولًا مالية تتعدى الـ 1.5 تريليون دولار، معرفًا إياه في مقال له فيما قبل الأزمة المالية العالمية.

يمكن تعريف بنوك الظل، بشكل عام، على أنها أي وسيط مالي خارج الشبكة المصرفية، أو بمعنى أدق هو النظام غير الخاضع لمراقبة وتشريعات اليد الحاكمة على الشبكة المصرفية، والممثلة غالبًا في البنك المركزي لأي دولة، نظام تستخدمه البنوك لإعطاء قروض خارج الميزانية العمومية لها، ثم أصبح مصطلحًا شاملًا، يضم تحت جناحه كل من يعمل خارج الشبكة المصرفية، أو بالأحرى الذي يديرون الأصول بمخاطر مرتفعة، كبعض شركات إدارة الأصول، وصناديق التحوط الاستثمارية، وأيضًا مكاتب الرهونات المختلفة، وشركات التأمين، وغيرها.

قدرت بلومبيرغ هذا العام حجم شبكة بنوك الظل حول العالم بـ70 تريليون دولار، أما «فايننشال تايمز» فرفعت الرقم إلى 72 تريليون دولار تقريبًا، وأخذته الإيكونوميست إلى حافة 80 تريليون دولار،وفي الثلاث حالات فالفارق ليس بالكبير؛ لأنه رقم يتعدى في كل الأحوال حجم شبكة أموال العمليات الرسمية، الخاضعة لرقابة وتنظيم البنوك المركزية، بمراحل عديدة، متضاعفًا ثلاث مرات على الأقل خلال العقد الأخير، ورقم يتعدى الناتج المحلي الإجمالي لكل دول العالم مجتمعة.

وعلى الرغم مما يروج عن ضمور بنوك الظل، جراء زلزال الأزمة العالمية وتوابعها، فإن ما حدث هو تأثر قطاع فرعي واحد في شبكة بنوك الظل، وهو ذلك الخاص بقروض الرهانات العقارية المدمجة، قطاع قدرت قيمته بـ 400 مليار دولار، قبل أن تأتي الأزمة المالية لتمحوه بالكامل، أما القطاع بأكمله فمستمر بالازدهار، خاصة بعد تشديد القواعد والإجراءات على البنوك التقليدية، بشتى الطرق، جراء الأزمة المالية العالمية في 2008، مما أدى إلى نزوح رؤوس الأموال للقطاع الأكثر تحررًا وسيولة.

يمكن شرح الأمر ببساطة كالتالي: يعمل نظام البنوك على أساس «الودائع – الاقتراض»، يأتي شخص ما إلى أي بنك، ويقرضه مبلغًا ما، يوضع في البنك باسمه كوديعة أو في حساب جاري، وفي الغالب لا يستخدمه كثيرًا، وإنما يترك الأصل مجمدًا، متابعًا زيادته الربحية عن طريق فائدة البنك، ثم يأخذ البنك أصل هذا المبلغ، ويستخدمه في اقراض شخص آخر، وغالبًا فإن القروض تذهب إلى أشخاص لآجال زمنية أطول.

ما الذي يحدث إذن عندما يطالب جميع المودعين بمدخراتهم البنكية في وقت واحد تقريبًا؟ هنا يبرز مصطلحي «الثقة المصرفية» و«الذعر المصرفي»، فالثقة المصرفية تأتي من قدرة البنك على تلبية طلب أي مودع بإعطائه أمواله في الوقت الذي يطلبها فيه، وهي لا تأتي من قيمة أصول البنوك فقط، وإنما من عملهم تحت إشراف البنك المركزي للدولة، الضامن لهم بغطاء مالي افتراضي، من احتياطي الدولة النقدي، يكفي لسداد كل مدخرات المودعين، وبالتالي عدم إعلان أي بنك لإفلاسه، إن حدث وطلب كل المودعين أموالهم في وقت قصير، وهو ما يسمى بالذعر المصرفي، إلا أن هذا الغطاء المالي لا يستخدم إلا نادرًا، وذلك لأنه جرى العرف بعدم حدوث هيستيريا المطالبة الجماعية بالودائع الشخصية، فيطلب عدد قليل من المودعين أموالهم بينما تستثمر البنوك في البقية.

تعمل بنوك الظل بشكل مقارب، إلا أن الفارق جوهري، فهي أولًا تُقرض عن طريق وسائط وليس وسيط واحد، وتأخذ أموالها في الغالب من كبار المستثمرين، ولا تتمتع بغطاء البنك المركزي، فضلًا عن تعاملها بالأوراق المالية والسندات، مزيج يحمل أرباحًا عالية وسريعة، وبلا قيود قانونية أو رقابة، إلا أن مخاطره تفوق المعتاد بمراحل.

المشكلة الصينية

تأتي الصين في المرتبة الأولى عالميًا، من حيث حجم بنوك الظل، حيث تقدر المعاملات المالية للقطاع بأكثر من ست تريليونات دولار، أي حوالي 69% من حجم الاقتصاد الصيني، ويتزايد حجم القطاع هناك باستمرار، مما يؤدي لقلق الكثير من الاقتصاديين العالميين، أو على حد تعبير محرر الفايننشال تايمز المالي، «باتريك جينكز»، فإننا لا نعرف إلى أين نتجه.

سمحت الصين، بشكل غير مباشر، بتضخم قطاع الظل المصرفي، عندما ركزت على اقراض نسبة كبيرة من الودائع البنكية للشركات الحكومية، تاركة عشرات الملايين من الأشخاص، سواء كانوا أسرًا عادية أو شركات صغيرة ومتوسطة، في مهب الريح، مما أدى لظهور مؤسسات الظل البديلة كنتيجة بديهية، وتعاملها في مساحات اقتصادية واسعة، لا تتعامل فيها البنوك التقليدية.

وبالرغم من الإجراءات الصينية شديدة الصرامة، الموجهة للقطاع المالي للتحكم فيه، واقدامها على اعدام بعض رجال الأعمال في السنوات القليلة الأخيرة، وتأكيدها المتواصل على أنها «ليست الولايات المتحدة»، وأن مخاطر بنوك الظل «تحت السيطرة الكلية»، بحسب تصريحات من بعض المسؤولين، إلا أن أغلب المحللين يعرفون أن قطاع الظل المالي لا يمكن التحكم فيه، تمامًا كأزمة الولايات المتحدة في 2008، فمن الممكن أن تظهر نقطة ضعف منهجية، تنتشر في النظام المالي متسببة في انهياره السريع والمباغت.

يخالفهم دوجلاس في ذلك، ففي دراسة لمحلل قسم الدراسات الاقتصادية بمعهد بروكنجز، دوجلاس إليوت، صدرت في مارس (آذار) للعام الماضي 2015، فإن التطور النوعي لقطاع الظل المصرفي في الصين كبير، مقارنة بتطوره العالمي، فربما كانت بنوك الظل الصينية أقل في حجمها من مثيلاتها، في الدول المتقدمة الأخرى، كبريطانيا والولايات المتحدة وهولندا، إلا أن حجم نموها بلغ 34% في عام 2013، مقارنة بنسبة نمو عالمية تقدر بـ 7%، لتصبح الأسرع نموًا في العالم.

إلا أن هذا التطور تحت السيطرة الصينية، ويخلص دوجلاس في نهاية دراسته لنتيجة مفادها أن «نسبة الخطر على الاقتصاد الصيني، من حدوث أزمة مالية بسبب بنوك الظل، هي نسبة منخفضة على المدى القصير، وبالطبع هناك خطر حقيقي من حدوث أزمة في داخل قطاع الظل نفسه، إلا أنه سيتم احتوائها على أغلب الظن، ولن تكون تأثيراتها عنيفة بالشكل الكافي لخلخلة الاقتصاد الصيني، لأن أغلب البنوك كبيرة بما يكفي لتحمل مخاطر أزمة كهذه، وعبور خسائرها بلا تفكك أو إفلاس».

عودة إلى واشنطن

إذن نتعامل في قطاع الظل المصرفي مع لاعبي بوكر بارعين، حاصلين على شهادات إدارة أعمال من كولومبيا، ووارتن ببنسلفانيا، وهارفارد، وبقية العشر كليات الأوائل في إدارة الأعمال، لاعبو بوكر يقومون بما لا تستطيع أن تقوم به البنوك التقليدية أبدًا، فيبتاعون برامج قروض محفوفة بالمخاطر، ويعطون قروضًا لمؤسسات لا تتمتع بأهلية ائتمانية كافية، ويحققون في كل ذلك أرباحًا خرافية، حتى في ظل الأزمات الاقتصادية، والأوضاع المالية الخانقة، شيء أشبه بالسير على حبل بين جبلين، معصوب العينين، وتتوقف ثنائية «الأرباح – الخسائر» على مدى براعة أي مؤسسة مالية في إدارة هذه المخاطر، سواء كانت ممارسات شرعية أو غير شرعية.

في الوقت الذي بدت فيه هيلاري حازمة أمام قطاع الظل وول ستريت، في بداية العام، فإن الصحافي الاقتصادي، «ديفيد داين»، يرى أنها مجرد كلمات لا أكثر، في مقال له في يوليو (تموز) الماضي، ففي الوقت الذي تعد هيلاري فيه بالوقوف أمام بنوك الظل، فإن «هاملتون توني جيمس»، أحد عمالقة وول ستريت، ورئيس العمليات لبلاك ستون، أكبر شركة استثمار بديل في العالم، والمصنفة على أنها إحدى أيقونات نظام الظل المصرفي، يجمع تبرعات لحملة هيلاري الانتخابية، تبرعات بأرقام بجانبها ستة أصفار.

شعار بلاك ستون في مكاتب المجموعة، نيويورك(مصدر الصورة: بلومبيرج)

تأتي بلاك ستون كمثال واضح على كيفية لعب البوكر، ففي ظل أزمة 2008 العالمية، دخلت الشركة الاستثمارية بثقلها، واشترت حوالي 43 ألف منزل في الولايات المتحدة، في فترة عامين تقريبًا، هما ذروة الأزمة المالية الخانقة، حتى أنها ابتاعت منازلًا بقيمة 100 مليون دولار في أسبوع واحد فقط، بعد ذلك حولوا أغلب هذه المنازل لنظام إيجاري، مما عاد على الشركة بأرباح خرافية، وجعلها بتعبير ديفيد «إحدى أكبر ملاك الأراضي في العالم».

كيف ستضرب هيلاري بنوك الظل، وحملتها تمول من قبل أحد عمالقتهم؟ لا أحد يعلم، ويبدو الفارق بين البرامج الانتخابية، والقوة الاقتصادية الفعلية، شاسعًا، حتى في دولة كالولايات المتحدة الأمريكية؛ ولذلك يعرف الجميع أن محاولة الاقتراب من البنوك والشركات الكبرى، التي يعمل جزء لا بأس به منها في قطاع الظل المصرفي أيضًا، له على الأغلب ثمن فادح، وأن تفكيكها كما يطالب العديدون، يتطلب التصدي أولًا لقوتها السياسية وتوغلها في الإدارات الحكومية التنفيذية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد