بعد مضي أربعة قرون على وفاة شكسبير؛ لا زال الجدل حول عبقريته يثير تساؤلات حول صحة نسبة أعماله إليه.

«أكون أو لا أكون» .. تلك هي المسألة

هذه العبارة التي قالها «شكسبير» على لسان شخصية «هاملت» بطل مسرحيته الشهيرة، والتي تعبر عن أعمق التساؤلات الفلسفية الوجودية، تجعلنا الآن نتشكك في كينونة قائلها. فبعد مضي 400 سنة على وفاة شكسبير، لم يزل الجدل حول شخصيته، ونسبة أعماله إليه متأجج، حتى يومنا هذا.

عبقرية مع وقف التنفيذ

فقد كانت ولم تزل ملكية شكسبير لمؤلفاته محط تساؤل؛ ومع أنه لم ينعم بالشهرة، إلا بعد انقضاء قرن ونصف على وفاته، إلا أن أول هذه الشكوك حول عبقريته، لم يخرج إلى النور، إلا في منتصف القرن التاسع عشر، بتزايد تملق شكسبير؛ بصفته أعظم كاتب في كل العصور، في ظاهرة أطلق عليها الكاتب «جورج برنارد شو» في عام 1901 مصطلح «صنم الشعراء الملحميين».

إلا أن حياة شكسبير، ولا سيما أصوله المتواضعة، وحياته الغامضة، وما عرف عنها، بما يعكس شخص شكسبير، كقروي ساذج، لا تتوافق مع بروز هذه العبقرية الشعرية والأدبية. فضلًا عن افتقاره إلى التعليم، وتشكك البعض في معرفته الكتابة؛ فكيف استطاع معرفة «اللاتينية واليونانية»، التي استقى منهما كثيرًا من أعماله؟ كذلك لم يكن لديه معرفة بالطبقة «الأرستقراطية» و«الديوان الملكي»، والتي تظهر بوضوح في أعماله؛ مما أثار الشكوك في أن شكسبير، قد لا يكون كاتب الأعمال المنسوبة إليه.

80 شكسبير محتمل!

اقتُرح هؤلاء كمؤلفين لأعمال شكسبير

أدى هذا الجدل إلى اقتراح أكثر من 80 مرشحًا لملكية هذه المؤلفات، أكثرهم شعبية كان «السير فرانسيس بيكون، وإدوارد دي فير، النبيل السابع عشر لأكسفورد». على الجانب الآخر، يعزو عدد من الباحثين، المعترضين على هذه التفسيرات، السبب إلى أنه لا يمكن الاعتماد على السيرة الذاتية للمؤلف، كتفسير لمؤلفاته. بجانب أن الكثير من معاصريه أكدوا صحة هوية الكاتب المسرحي كممثل.

وعلى الرغم من اقتناع «رالف والدو إمرسون» الأديب والفيلسوف والشاعر الأمريكي، بنسبة هذه الأعمال لشكسبير، إلا أنه أعرب عن هذا التنافر بين سمعة شكسبير، وسيرته الذاتية، في محاضرة ألقاها عام 1846 موضحًا أنه لا يمكن التوفيق بين أشعار شكسبير، وكونه ممثلًا ومدير مسرح.

اسمٌ مستعار لكاتب غير معروف

ستة توقيعات لشكسبير أثناء حياته كدليل على أميته.

لم يكتب وليام شكسبير اسمه كما يظهر على معظم الصفحات التي تحمل اسمه. فقد وجد المؤرخون تضاربًا في كل من الوثائق الأدبية وغير الأدبية، وفسروا أن الاختلاف البين في تلك الوثائق المكتوبة بخط اليد دليل على أنها لم تكن لنفس الشخص الذي كتب هذه الأعمال، وأنه استخدم اسمًا مستعارًا لمؤلف آخر.

النظرية البيكونية

فرانسيس بيكون

كونت الكاتبة الأمريكية «ديليا بيكون» في وقت مبكر من عام 1845 نظرية، مفادها أن المسرحيات المنسوبة إلى شكسبير كانت مكتوبة في الواقع من قبل مجموعة، بقيادة السير «فرانسيس بيكون»، مع السير «والتر رالي»؛ بصفته الكاتب الرئيس.

وكان الهدف منها غرس نظام سياسي وفلسفي تحت غطاء يحميهم من تحمل المسؤولية، وكشف شخصياتهم علنًا. لذا صدر بعدها كتيب نشر في سبتمبر (أيلول) 1856 تحت عنوان «هل كان اللورد بيكون مؤلف مسرحيات شكسبير؟»

قصة الرموز السرية تنكشف!

كرست فيما بعد «ديليا» أبحاثها حول هوية شكسبير؛ لتكشف نظريتها في كتاب. وفي العام التالي نشرت ديليا كتابًا؛ يشرح نظريتها تحت عنوان «فلسفة مسرحيات شكسبير تنكشف».

كانت ديليا بيكون أول كاتبة تصيغ نظرية شاملة حول أن شكسبير، لم يكن كاتب الأعمال المنسوبة إليه.

سافرت ديليا بمساعدة «إمرسون»، إلى إنجلترا؛ للبحث عن أدلة تدعم نظريتها. اعتقدت ليديا أنها قد تمكنت من فك شيفرات تعليمات وجدتها في رسائل بيكون؛ لتصبح مسألة الشيفرات عمودًا هامًا لـ«النظرية البيكونية»؛ إذ صدر كتاب «The Great Cryptogram» والذي يدعم هذه النظرية.

وبحلول عام 1884 كان قد صدر أكثر من 250 كتابًا حول هذا الأمر، وبعد عامين لاحقين تأسست «جمعية فرانسيس بيكون» في إنجلترا، والتي لا يزال أعضاؤها يواصلون مهمتهم وينشرون مجلة «Baconiana»؛ لتعزيز هذه النظرية.

ابن سري للملكة إليزابيث

«عجلة الشيفرات» التي استخدمها أوين للبحث عن الشيفرات الخفية التي يعتقد أن فرانسيس بيكون تركها في أعمال شكسبير.

شيد بعدها الفيزيائي «أورفيل وارد أوين» «عجلة الشيفرة السرية»، وهو شريط يبلغ طوله ألف قدم مصنوع من قماش، لصق عليه أعمال شكسبير، وغيره من الكتاب، وأقامها على عجلتين متوازيتين؛ حتى يتمكن من جمع الصفحات مع الكلمات المفتاحية، واستخدامها لفك التشفير.

سجل أوين بعدها في كتابه المكون من عدة مجلدات «قصة شيفرة السير فرانسيس بيكون» عام 1893، والذي ذكر فيه اكتشافه أن السيرة الذاتية لبيكون مضمنة داخل مسرحيات شكسبير، بما في ذلك كشفه أن بيكون هو الابن السري للملكة إليزابيث؛ مما يعطي دافعًا لإخفاء ملكيته لهذه الأعمال عن الجمهور.

المحكمة: الشيفرات تثبت أن بيكون هو شكسبير

مقالة خاصة نشرتها صحيفة شيكاغو تريبيون عن محاكمة حول ملكية شكسبير للمؤلفات. يظهر في المقالة من اليمين لليسار: بيكون وشكسبير وتوتهيل وفابيان.

في عام 1916، ترأس القاضي «ريتشارد توتهيل» محاكمة في شيكاغو. أثارها منتج فيلم ضد «جورج فابيان»؛ المؤمن بالنظرية البيكونية. قائلًا إن تأييد فابيان للنظرية يهدد الأرباح المتوقعة من فيلمه المرتقب حول شكسبير، إلا أن القاضي ارتأى أن الشيفرات التي حددها فابيان ثتبت أن فرانسيس بيكون كان مؤلف شخصية شكسبير، فقضت له المحكمة بصرف 5000 دولار؛ كتعويض عن الأضرار، إلا أن القاضي ألغى فيما بعد قراره، ورفض قاضٍ آخر البت في القضية.

المحكمة: شكسبير هو شكسبير وليس دي فير!

في عام 1987 عقدت محاكمة غير رسمية ترأسها ثلاثة قضاة في المحكمة الأمريكية العليا؛ للفصل في النزاع بين شكسبير؛ ودي فير والتي؛ انتهت لصالح شكسبير. تراجع أحد القضاة – فيما بعد – عن حكمه عام 2009؛ لاقتناعه بـ«النظرية الأوكسفوردية».

النظرية الأوكسفوردية

إدوارد دي فير نبيل أكسفورد السابع عشر

تناولت هذه النظرية – فيما بعد – أحداث الفيلم الروائي «Anonymous» أو كاتب مجهول في سبتمبر (أيلول) 2011، والتي تصور دي فير كمعجزة أدبية، والذي يصبح عشيق الملكة إليزابيث، ليكتشف أنه هو نفسه قد يكون نجل الملكة من عاشق سابق.

وتعقد إليزابيث صفقة؛ لعدم الكشف عن هويته؛ لإنقاذه من تنفيذ حكم الإعدام على خيانته؛ لدعمه تمردًا ضدها. يرى دي فير – في نهاية المطاف – أنه لا يمكن لمسرحياته أن ترى النور؛ فلا يرى سبيلًا في النهاية لعرض هذه المسرحيات، إلا من خلال «وليام شكسبير»، الذي صوره الفيلم، كشخص انتهازي.

تاريخ مزيف وأعمال «مسروقة»

عادة ما يعاني أي مؤرخ في الكتابة عن الحقبة الشكسبيرية في القرن التاسع عشر؛ فقد كان تصوير شكسبير لشخصياته من الملوك والملكات والنبلاء الذين حكموا من القوة بحيث يصعب التفريق ما بين الأسطورة والحقيقة. وذلك لما تحتويه مسرحياته من «الافتراءات التاريخية» بما في ذلك شخصية «بانكو» في «ماكبث»، والتي اخترعها مؤرخ اسكتلندي في القرن السادس عشر؛ لتوثيق نسب عائلة «ستيوارت».

لوحة 1849 لمشاهد وشخصيات من عدة مسرحيات لوليام شكسبير.

علاوة على ذلك، يرى باحثون ومتشككون في شخصية شكسبير أنه استمد قصص بعض مسرحياته التاريخية مثل «هنري الرابع، والملك لير، وماكبث، وسيمبلين» من مدونات المؤرخ «رافائيل هولنشيد» (Raphael Holinshd) عن تاريخ إنجلترا وإيرلندا وسكوتلندا، والتي استقى منها مادة مسرحية ماكبث، بينما نقل شكسبير حرفيًا في مسرحية «ريتشارد الثاني» نصوصًا من «هولنشيد».

أما مسرحيات شكسبير الرومانية مثل «يوليوس قيصر، أنطونيو وكليوباترا، كوريولينوس، تيمون الأثيني» فقصصها مأخوذة من كتابات المؤرخ اليوناني «بلوتارك». فيما استقى شكسبير «هاملت» من كتاب المؤرخ الدانماركي «ساكسو جراماتيكوس» «Saxo Grammaticus» بعنوان «أفعال الدنماركيين»، وتحكي عن قصة الأمير «آمليث» الذي حوله شكسبير إلى هاملت.

تذكرة حفلة مسرحية «تاجر البندقية» عام 1741

بينما يرى بعض المؤرخين أن مسرحية «عطيل»، والتي تتحدث عن عربي مغربي أسمر البشرة في البندقية، مأخوذة من قصة قصيرة بعنوان «الكابتن المغربي» للروائي الإيطالي والشاعر «جيوفاني باتيستا جيرالدي»، والمعروف أيضًا باسم Cinthio. فيما يرى آخرون أن شكسبير سطا على التراث العربي، وحوّر اسم «عطا الله»، إلى عطيل. يبقى لنا، سواء كان شكسبير قد كتب الأعمال المنسوبة إليه أم لا، حقيقة أن هذه الأعمال تشكل إرث بريطانيا التاريخي والثقافي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد