رجل ثارت لأجله موجة غضبٍ عارمة في داغستان، حين انتقده الرئيس الشيشاني، رمضان قديروف، العام الماضي في تصريحاتٍ حاولت النيل من زعامة «الإمام» لمقاومة شمال القوقاز ضد الروس في القرن التاسع عشر. 

لم يكن الغضب مجرد هبّة شعبية، بل استوجبت تصريحات رئيس الشيشان المجاورة ردًا من رئيس البرلمان الداغستاني والمفتي العام في البلاد، وانضم إليهم العديد من الشخصيات والأفراد الذين شاركوا الجماهير غضبهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتشتعل سلسلة من المناوشات التي لم تضع أوزارها بسهولة. فمن هو هذا الرجل، الإمام شامل الداغستاني، الذي يأبى أن يموت في وجدان الداغستانيين وذاكرتهم، رغم مرور السنين، بل ويُلهِبون ظهر من يتجرأ على محاولة النيل من تاريخه المقاوِم، ولو كان رئيس دولةٍ مجاورة؟ 

الإمبراطورية الروسية تتوسع.. والقوقاز الصغير يقاوم 

كان قدر البلدان الصغيرة المتناثرة على رؤوس الجبال في القوقاز أن تكون طريقًا لمطامع الإمبراطورية الروسية التي كانت تسعى لبسط نفوذها على المزيد من الدول، بعد أن أصبحت واحدة من الإمبراطوريات الكبرى في العالم في القرن التاسع عشر. 

وداغستان هي جزء من منطقة القوقاز الشمالي التي تضم الشيشان والأنجوش وأوسيتيا، وهي منطقة مواجهة لروسيا مباشرة، وبالتالي فهي طريقهم للوصول إلى تركستان ومنها إلى الهند لانتزاعها من المغول وبسط سيطرتها عليها. هذا هو المخطط الذي أحبطه الإمام شامل، وظل حجر عثرة في طريق تحقيقه طيلة ربع قرن، بعد أن خاض وبلاده الصغيرة حربًا مع دولة عظمى، لم تكن موازين القوى الاعتيادية لتسمح بها. 

الإمام شامل الداغستاني.. «لم أكن أطول قامة أو أكبر حجمًا»

هذا الفارق الهائل في القوى، يسجله المؤلف رسول حمزاتوف في روايته «بلدي»، على لسان الإمام شامل الداغستاني شخصيًا، حين سأله أحد جنوده هذا السؤال نفسه: «قل لنا أيها الإمام، كيف استطاعت داغستان الصغيرة نصف العارية أن تقاوم قرونًا دولًا قوية وأن تصمد في وجهها؟ كيف استطاعت أن تحارب 30 سنة كاملة؟» 

فأجاب شامل الداغستاني: «لم تكن داغستان لتصمد في صراع كهذا لو لم تتقد في صدرها شعلة الحب والحقد، هذه النار هي داغستان ذاتها. أنا ذاتي من أكون؟ لم أكن أطول قامة وأعرض منكبًا من غيري، بل كنت في غاية الضعف والسقم في صغري، وكانوا يقولون إنني لن أعيش طويلًا. ولكن حدث أن التقى بي صبية أشقياء عند إحدى القرى، وخطر لهم أن يسخروا مني، خطفوا غطاء رأسي وأخذوا ينزلون سلال الدراق عن ظهر حماري، وكانوا يقهقهون من منظري العاجز. 

شعرتُ بنارٍ لم أعهدها تضطرم في داخلي فأخذت خنجري ولحقت بذاك الذي هرب بغطاء رأسي ورميته في ساقية قذرة ووضعت حد خنجري على نحره، فطلب الرحمة، فقلت له: إياك أن تمزح مع النار (وإلا أحرقتك). هل أنا الذي كنت أبحث عن الضجة والعراك؟ إنهم هم الذين أخرجوني عن طوري وأضرموا النار في قلبي».

على الرغم من الضعف والسقم اللذين تحدَّث عنهما الإمام في صغره، لم يصل العشرين من عمره إلا وقد اشتهر بقوته الجسمانية ولياقته البدنية، وفوقهما تمرّسه في الفنون القتالية، ويذكر الكاتب محمد حامد في كتابه «الإمام شامل: أول زعيم عصابات مسلم» أن الإمام كان بإمكانه اجتياز حفرةٍ عرضها 27 قدم قفزًا، ويستطيع المشي برشاقة فوق حبلٍ يمسك به رجلان، ولم يكتفِ الإمام بامتلاك أدوات القوة البدنية، بل حرص أيضًا على أن يضم إليها القوة الفكرية؛ فدرس قواعد البلاغة والمنطق والحديث والفقه، وأتقن العربية واستخدمها في مراسلاته كلها. 

تحويل الأعداء إلى إخوة وتوحيد القرى المتصارِعة

عندما أعلنت روسيا حمايتها على جورجيا المجاورة لداغستان، بدأ الداغستانيون يقاومون الوجود الروسي، وكان أول من حمل لواء المقاومة هو: الغازي محمد، ثم انتقلت الراية من بعده إلى الأمير حمزة بك، قبل أن يؤول الأمر بعد مقتله إلى الإمام شامل الداغستاني عام 1834. 

كانت المهمة الأصعب التي تنتظر الإمام هي توحيد القبائل والقوميات المختلفة؛ إذ إن هناك 30 قومية في هذه البقعة الصغيرة، وأكثر من 40 لغة تختلف كل منها عن الأخرى، كما يذكر المؤرخ زائد العزيزي الذي أطلق على القوقاز الشرقي اسم جبال اللغات. 

نجح الإمام في توحيد هذه القبائل في داغستان والشيشان، وأقام دولة مستقلة عرفت باسم «دولة شعوب القوقاز الموحدة»، وكان هذا الإنجاز من أكثر ما يفخر به الإمام. حين قال له الجنرال بارياتنسكي، بعد أن أسره في آخر مواجهاته ضد الروس: «عبثًا كانت كل جهودك»، أجابه الإمام: «كلا لم تكن عبثًا، لقد جعل نضالي من أعداء كُثُرٍ إخوة، ووحد قرى كانت تتنازع فيما بينها، وأصبحت شعوب داغستان الكثيرة التي كانت تتعادى فيما بينها شعبًا داغستانيًا واحدًا، فهل هذا شيء قليل؟». 

«حنكة عسكرية».. 5 مميزات للإمام أطالت زمن المقاومة لأكثر من 25 عامًا

يذكر المؤلف موشيه جامر في كتابه «مقاومة المسلمين للقيصر: شامل وغزو الشيشان وداغستان» أسبابًا جوهرية لنجاح مقاومة الإمام شامل من أهمها:

1- اعتاد القادة الذين سبقوا الإمام شامل أن يكوّنوا قوة من عشرات أو مئات المدافعين الذين يرافقونهم أينما ذهبوا، ولكن الإمام قسَّم قوات جيشه البالغ عددها 60 ألفًا إلى فرق، ونشرها في أنحاء البلاد. 

وقسّم البلاد نفسها إلى 32 ناحية، وعيّن على كل منها نائبًا ومفتيًا وأربعة قضاة، فاكتسب بذلك ميزة مفاجأة الروس؛ إذ كان المقاومون يتحركون فرادى ويهاجمون مجتمعين، عدا عن التشتت الذي أحدثه تفرق هذه القوات للروس.

2- في أوائل عام 1840، أمر الإمام كل 10 بيوت أن تنتدب فارسًا يفرغ للمهام العسكرية (الحراسة والدوريات والتفخيخ وغيرها)، بينما يعتني الآخرون بأهليهم ويعفون من الضرائب. 

وفَّر هذا الأمر قوة جاهزة لقتال الروس، ومجابهة التمردات الداخلية في أي وقت. كما قدَّم مجموعة من الفوائد للمنخرطين في النشاط العسكري، الأمر الذي ضمن ولاء هؤلاء الأشخاص للإمام، وجعله في المقابل يثق بهم، وأشاع الرغبة لديهم في استمرار حكمه. 

3- صنّع الداغستانيون أيضًا في عصر الإمام شامل بعض الأسلحة الخفيفة؛ إذ أمر ببناء ثلاثة مصانع لتصنيع البارود، وبنى سلاح مدفعية عام 1842 بمساعدة الفارين من الجيش الروسي والأسرى، وهي الخطوة التي شكّلت عنصر مفاجأة كبير للجيش الروسي الذي كان يعد المدفعية ورقة تفوقه الكاسحة على الداغستانيين.

4- أدرك شامل الداغستاني ميزة الغابات وأشجار البلوط الباسقة، التي يصل ارتفاع بعضها 200 – 300 قدم، وما تؤمنه من غطاء هائل للمقاومين وتحركاتهم في معركتهم ضد الروس، ففرض عقوبات على كل من يقطع الأشجار دون إذن مسبق، وقصر هذا النشاط على الاستخدام الضروري فقط. 

5- يقول ويليام شتاينيتز بطل الشطرنج الأول في العالم: «أنت لا تخسر بسبب الأداء الرائع لخصمك، بل لأنك ترتكب الأخطاء». وبالفعل، كان جزء هام من نجاح مقاومة الإمام شامل هي قدرته الفذة على التقاط أخطاء الروس، والاستفادة منها بأفضل ما يمكن.

«اترك عدوك يفرح بانتصارٍ وهميّ.. ثم انقضّ عليه باكتساح»

يروي عبد الرحمن سعيد الوليلي في كتابه «الأسطورة» بعضًا من نماذج دهاء الإمام وتخطيطه، الذي كثيرًا ما قلب الموازين لصالحه، فيقول: «أرسل القيصر حملة عام 1835 ضد الإمام شامل قوامها 30 ألف جندي بقيادة روندسوف، فمكر به الإمام، وجعله يتقدم إلى الأدغال حتى وصل القرية التي كان يفترض أن شاملًا يتحصن بها، وكان قد ترك فيها مجموعات مقاومة قليلة. 

تغلب روندسوف على القرية بسهولة، وسوّى بيوتها بالأرض، وفي طريق عودته فرحًا بانتصاره، فاجأه الشيشانيون الذين كمنوا له في الغابات، وانقضّوا على جنده وقتلوا منهم 25 ألفًا ولم ينج منهم سوى 5 آلاف. 

حين حوَّلت المقاومة أسقف البيوت إلى فخاخ قاتلة لجنود القيصر

في حملة أخرى ضد الشيشانيين بقيادة ولي عهد القيصر وكبار قادته، كان الجنود الروس يتوجهون لمهاجمة بلدة صغيرة في الشيشان، وكان الشيشانيون قد غطوا أبواب بيوتهم ونوافذهم بالطين، وغيروا أسقف البيوت إلى أخرى خفيفة السماكة، وغطوها بالتراب. فكان الجنود الروس حين يقفزون فوق أسطح المنازل، يفاجأون بها تهبط بهم إلى أسفل الدار؛ حيث ينتظرهم المقاومون.. فيلقون مصيرهم الذي لا مفر منه. 

الإمام يحقن دماء شعبه.. يموت في المدينة ويدفن في البقيع

بعد سنوات من القتال والحملات والمعارك، حشدت القيادة القيصرية عام 1859، 200 ألف جندي، وهو ثلث الجيش القيصري آنذاك، وشنت هجومًا كبيرًا هُزمت على إثره الشيشان وداغستان، حسبما يروي محمد عوض الهزايمة في كتابه «قضايا دولية». حوصر الإمام هو و500 شخص من أتباعه في جبل جونيب، فرأى أن يحقن دماء من معه؛ وترجل عن جواده، وسلّم نفسه للروس. 

يحكي رسول حمزاتوف أن الإمام قال لبارياتسكي وهو يسلم نفسه: لقد حاربت 25 سنة عن شرف هذه الجبال وهؤلاء الجبليين، جروحي الـ19 تؤلمني ولن تلتئم أبدًا. إني أستسلم الآن وأضع أرضي بين يديك. فرد بارياتسكي: يكفيك حزنًا وإشفاقًا! ليس في أرضك إلا الصخور والحجارة.

فقال الإمام: قل لي أيها السردار (النائب) من كان على حق أكثر في هذه الحرب، نحن الذين كنا نموت في سبيل الأرض ونعتبرها رائعة؟ أم أنتم الذين كنتم تموتون في سبيلها وتعتبرونها سيئة. ثم طلب الإمام أن يصطحب سيفه وكتبه، إذ كانت له مكتبة كبيرة ينقلها معه أينما ذهب، وكان يقول: «خسرنا كثيرًا من المعارك بسبب السيف، ولكننا لم نخسر معركة واحدة بسبب الكتاب». نُقل الإمام من موسكو إلى كالوجا، حيث قضى أيامًا في المنفى، قبل أن ينتقل إلى تركيا، ثم أُذن له في الذهاب إلى الحج، وزار المدينة المنورة، حيث توفي هناك عام 1871، ودفن في البقيع.

شامل وعبد القادر الجزائري.. تشابه السيرة من المحبرة إلى المقاومة 

وهذه السيرة لا تكتمل إلا بالانتقال إلى الجهة الأخرى من العالم؛ فبينما كان الإمام شامل يقاوم جحافل الروس في بلاد القوقاز، كان هناك مقاوِمٌ آخر يقاوِم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، هو الإمام عبد القادر. كل من درس سيرة الرجلين لاحظ التشابه الكبير في سيرتهما؛ فكلاهما انتقل من المحبرة إلى ساحات القتال، حيث سطرا مقاومة لا زالت حاضرة في أذهان الناس حتى اليوم، ولا عجب أن لقيا المصير ذاته منفيين بعيدين عن أراضيهما وأوطانهما.

تاريخ

منذ 5 شهور
الأمير عبد القادر.. حين أنقذ مجاهد جزائري مسلم آلاف المسيحيين من الموت المحقَّق
 

يقول محمد باشا ابن عبد القادر الجزائري في كتابه «تحفة الزائر في مآثر الأمير عبد القادر وأخبار الجزائر» أن المارشال الفرنسي سوليت قال عام 1850 «لا يوجد أحد في العالم يستحق أن يلقب بـ«الأكبر» إلا ثلاثة رجال: الأمير عبد القادر الجزائري، ومحمد علي باشا، ومحمد شامل الداغستاني».

ووجه الارتباط بينهما لا يتوقف عند حد التشابه في السيرة والمسيرة، فيذكر المؤلف علي محمد الصلابي في كتابه «كفاح الشعب الجزائري» أن الإمامين تبادلا الرسائل طوال فترة أسر الإمام شامل من 1860 – 1869، وسعى الأمير عبد القادر بكل الوسائل أن يطلق سراح الإمام. 

التئام شمل الإمامين في الحجاز

وعندما علم الأمير عبد القادر برغبة الإمام شامل الداغستاني في الذهاب إلى الحج، تحدث لامبراطور فرنسا عندما دعاه إلى معسكر شالون قائلًا: «إن الإمام الشيخ شامل عند ملك الروس يود الذهاب إلى بلاد الإسلام، وقد قاربت سنه السبعين، ولما كنت في الأستانة كلّمت سفير روسيا في شأنه، فقال: إن الملك وعد بإطلاقه في نهاية الحرب في الداغستان وقد انتهت. وتحدثت في الأستانة للصدر الأعظم وزير الخارجية في هذا الشأن فقال: إن الدولة العلية تقبل إقامته في بلادها وأنا لم أعنِ بأمر الشيخ شامل إلا لأنه قام بما قمت به والإنسان يميل بطبعه إلى شبيهه» كما ورد في مقال «مآثر الأمير عبد القادر الجزائري» للكاتب محمد أسامة عليبة. 

ويذكر كتاب «الروس.. شعب الإمبراطورية» أن الأمير عبد القادر التقى شامل الداغستاني في حج ذلك العام، بعد سنوات من التقاء الفكر وفرقة الأبدان، بينما تقول مجلة دعوة الحق التابعة لوزارة الأوقاف المغربية أنهما التقيا قبل ذلك في بورسعيد مصر عام 1863 برفقة الخديوي محمد سعيد.

طيلة سنوات المقاومة التي دامت ربع قرن، كان الإمام شامل يقف عقبة أداةً في وجه التغول الروسي على القوقاز وما وراءها. ورغم أن جثمانه واراه الثرى، فإن ذكراه لا تزال باقية باعتباره «أسد القوقاز» و«صقر الجبال»، محفورة في صدور شعبه، كما هي مسطورة في جبال داغستان وأزقتها، وفي مكتبات مدنها التي تمتلئ بسيرته، وفي الأشعار والقصائد وقصص العجائز وأهازيج النصر والفرح. 

المصادر

تحميل المزيد