على شواطئ البحر الأحمر يصدر صوت ضجة ما. لم يكن صوت مروحيات عسكرية تحوم في السماء أو صوت وحدات القوات الخاصة، المغطاة وجوههم بأقنعة البالاكلافا السميكة ويرتدون نظارات وقاية داكنة، التي تقوم بدوريات تحت أشعة الشمس. يصدح صوت الضجة من داخل مركز مؤتمرات شرم الشيخ الدولي، حيث يمازح عمالقة التجارة ورؤساء الدول بعضهم ويتقاسمون الفطائر تاركين خلفهم فتات مخبوزات الدانيش.

إنها الضجة التي تصاحب إعادة بناء مؤسسات أمة، وثمة أطراف كثيرة في مصر وخارجها، تأمل بأن يعلو صوت الضجة بما يكفي للتشويش على صوت احتجاجات الخصوم والمناوئين. فاليوم تزدحم أروقة الثورة المضادة أكثر من أي وقت مضى، والنخبة الدولية هي التي تحدث هذه الضجة.

جرى وصف مؤتمر تنمية الاقتصاد المصري، الذي جذب أكثر من 1700 مستثمر ومسئول حكومي وخبير استشاري فضلاً عن توني بلير إلى جنوب سيناء في عطلة الأسبوع المنصرم، بأنه عرس قومي، واللحظة التي ستنسى فيها هذه الدولة العريقة سنوات الاضطراب التي تلت الانتفاضات وتنضم إلى العالم الغربي المتحضر، حيث ستكون للأسواق استقلاليتها، والمظاهرات لن تكون ذات معنى والعنف الممارس من طرف الدولة سيعتبر غير ملائم كأسلوب للحوار السياسي.

“إن الصور التي كانت تأتي من هذا الجزء من العالم لا تعكس حقيقة ما يجري على الأرض” يقول أحمد هيكل، المدير التنفيذي ومؤسس شركة قلعة هولدينغز وهي إحدى أكبر شركات الاستثمار الخاصة في الشرق الأوسط. وواصل: “نود أن ننقل الجزء الطبيعي من القصة، وهو أن مصر منفتحة على الاستثمار”.

ليس هناك ما يمثل مؤتمرًا فخمًا ينعقد داخل منطقة معزولة بالكامل، وما عداه ثمة تمرد مسلح يستعر في شمال سيناء، وبمتوسط أربع قنابل تنفجر أسبوعيًا في القاهرة، وثلث أطفال البلاد يعانون من سوء التغذية. ولكن مصر تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي منفتحة بشدة على الاستثمار. فستمنح قوانين الاستثمار وإشهار الإفلاس الجديدة حصانة للمستثمرين والمسئولين الحكوميين عند التعامل مع التمويل، وتخفيف القيود على الأصول العامة التي يتم تسليمها إلى القطاع الخاص بلا مقابل، وتمكين الشركات الأجنبية من نبذ المشاريع الخاصة بشكل عملي دون توقيع عقوبة عليهم إنْ اختاروا ذلك. ويجري ترتيب طبقات البنية التحتية وتجهيزها للسيطرة المشتركة للقطاعين العام والخاص، وفي نفس الوقت، جرى خفض الضرائب على الشركات وكبار المستثمرين، والحد من قدرة العمال على الإضراب.

عكست أجواء المؤتمر حالة جديدة جدًا. بدءًا من قاعة الجلسات العامة إلى قاعة الاجتماعات الثنائية، وطاولات الغداء إلى تطبيق الهواتف الذكية الخاص بالسوق، حيث يمكن للقادة وذوي النفوذ الترتيب لاجتماعات عصف ذهني. فثمة أجواء سائدة تشعر المرء كيف أن مصر السيسي شابة وتتسم بالإيجابية.

كانت كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، من بين أولى الشخصيات التي امتدحت العقلية الإصلاحية الخاصة برجل تقول منظمة هيومان رايتس ووتش (التي جرى حجب موقعها عبر شبكة الواي فاي الخاصة بالمؤتمر) إنه ارتكب أكبر مجازر في حق متظاهرين في التاريخ الحديث، إلى جانب جون كيري وزير خارجية أميركا، وفيليب هاموند وزير خارجية بريطانيا، وتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق.

لكن الذاكرة الإنسانية ضعيفة. فالنموذج الاقتصادي الذي قاده الاستثمار الأجنبي، والناتج المحلي الإجمالي الموجه كانا السمة المميزة لديكتاتورية مبارك التي حظيت بدعم كامل من صندوق النقد الدولي. والنتيجة كانت فسادًا غير مسبوق، وظهور طبقة من الرأسماليين فاحشي الثراء على رأس الدولة، ومعاناة باقي الشعب من البؤس. كان شعار الثورة هو الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية، ومع ذلك لم يأخذ أي نظام حكمٍ تلا نظام مبارك، بدءًا من المجلس العسكري الذي تسلم زمام السلطة مباشرة بعد مبارك ثم مرورًا بفترة الحكم القصيرة التي قضاها الإخوان المسلمون في السلطة فالعودة إلى الاستبداد العسكري، أيًا من تلك المطالب على محمل الجد. أعلن الإخوان المسلمون أن مصر ليست للبيع، متناسين أن نفس الشركات متعددة الجنسيات التي تبرم الصفقات حاليًا في شرم الشيخ كانت تتودد لمحمد مرسي بنفس الشكل. ففي القمة الاقتصادية المنعقدة في مصر، كلما تغيرت الأمور؛ بقيت على حالها.

يتمحور المؤتمر في الواقع حول قيام الجيش المصري بعرض وجهة نظر اقتصادية معتادة للمستقبل، وهي النظرة التي يعمل رأس المال الخليجي والغربي في شراكة مع جنرالات الجيش لتقسيم البلاد والمتاجرة بها، وحيث يتم التعامل مع الهوية المصرية، التي جرى الطعن فيها بشكل كبير في السنوات الأخيرة، بشكل أحادي من طرف السلطة. ولكن السيسي ليس باستطاعته القيام بمثل هذا العمل الصعب بمفرده. فإدخال شبكة مترابطة من الاستشارات الدولية ووكالات العلاقات العامة رفيعة المستوى المتخصصة في إعادة صياغة شكل الأمة ليس بالعمل السهل.

نُظم المؤتمر من طرف مؤسسة ريتشارد أتياس وشركاؤه (RAA)، وهي شركة استشارات إستراتيجية يديرها الرجل الذي مول الاجتماع السنوي لمنتدى الاقتصاد العالمي في دافوس. وتتشارك مؤسسة RAA مقرها الرئيسي مع مؤسسة غلوبال كاونسل، وهي شركة يديرها الوزير السابق عن حزب العمال بيتر ماندلسون، والذي دافع علنًا عن جمال مبارك عندما اندلعت الثورة. إلى جانب أن ماندلسون هو رئيس وممثل دولي لمؤسسة لازارد، وهي شركة الاستشارات المالية التي تقدم المشورة لحكومة السيسي حول السياسات الاقتصادية. وكل من RAA وغلوبال كاونسل تابعتان لشركة WPP، أكبر مؤسسة إعلانية في العالم. وقد كان مديرها التنفيذي، السير مارتن سوريل، أحد المتحدثين الرئيسيين في المؤتمر. كما كان بلير، الذي كانت الغارديان قد كشفت العام الماضي عن عمله مستشارًا للرئيس السيسي كجزء من برنامج الاستشارات الممول من طرف الإمارات، أحد المتحدثين البارزين.

“أعتقد أنه ولأول مرة حسبما أذكر، توجد قيادة في مصر تفهم العالم الحديث، وعلى استعداد لاتخاذ تدابير ذات صلة بالعالم الحديث، وترغب بالتحاق مصر بهذا العالم من الاتجاه الصحيح” قال بلير أمام المؤتمر وسط تصفيق حماسي.

إن شخصيات مثل بلير وسوريل وأتياس تمثل أهمية كبرى للسيسي وهو يحاول أن يدشن شرعية عالمية لنظامه. تبدو رسالة نظام السيسي التي تتكون من شقين، بأن مصر في الخط الأمامي من الحرب على الإرهاب وأنه سيحكمها المتشددون دون دور القمع الذي يؤديه السيسي، وفي نفس الوقت فإن مصر مكان آمن لجذب السياحة والاستثمارات الأجنبية؛ متناقضة بطبيعتها، لكنَّ مديري التخطيط يبذلون جهودًا كبيرة لإصلاح مكامن الخلل. قال سوريل للغارديان: “إن مؤتمرات كهذا تغير الصورة السائدة والأجواء والتصورات. وبالنظر إلى ما حدث في مصر في آخر أربع سنوات، من الواضح أن العلامة التجارية تغيرت وظهرت ضرورة لإعادة صياغتها”.

يقول المنتقدون إن الهدف من إعادة الصياغة هو تبييض انتهاكات حقوق الإنسان؛ فتحتَ رئاسة السيسي تم الزج بآلاف المعتقلين السياسيين خلف القضبان، وجرى حظر التظاهر وتفشَّى التعذيب على يد الشرطة، حيث لقي 90 محتجزًا مصرعهم العام الماضي، وثمة مركز شرطة بعينه في حي المطرية في القاهرة، معروف بسمعته السيئة في مصر ويطلق عليه السكان المحليون اسم “مقبرة الأحياء”. وفي يناير الماضي، قُتلت الناشطة شيماء الصباغ أثناء وضعها إكليلاً من الزهور في ميدان التحرير في ذكرى ثورة يناير.

يقول ريتشارد أتياس ردًا على سؤال من الغارديان حول مثل تلك الحوادث “بصراحة، لست مختصًا على الإطلاق بهذا الأمر. أعتقد أنك عليك أن تسأل السلطات المحلية. فلا يمكنك حل المشكلات المتجذرة في دولة ما عن طريق إقصائها من المجتمع الدولي”.

بالنسبة إلى بلير، لا تبدو المفاضلة بين الديمقراطية والاستقرار أمرًا صعبًا. قال بلير أمام المؤتمر “انظروا، أنا في صالح الديمقراطية تمامًا، وأعتقد أن في نهاية المطاف، كل الدول أثناء سيرها نحو التطور ستصل إلى الوضع الذي تنتخب فيه الجموع الحكومات. ولكني أعتقد أيضًا أنه يتعين أحيانًا التحلي بالواقعية حول سبيل التطور، وأنه في بعض الأحيان سيكون لديك دولة لا تنتهج الديمقراطية الغربية بنسبة 100%، ولكنها في نفس الوقت تسير في طريق التطور، وهذا أمر هام جدًا”.

إن اتجاه مصر نحو التنمية هو أمر في غاية الأهمية، على الرغم من أن المستفيد من ذلك سيظل سؤالاً مفتوحًا. وبالنسبة إلى كل الكلمات الرنانة في المؤتمر حول المنافع المشتركة والاندماج الاقتصادي، فإن السيسي قد تبنى حتى الآن قواعد لعبة التقشف المرهقة، وعلى الرغم من أن الاستثمارات الأجنبية من المحتمل أن يتم تسخيرها لخير سكان مصر البالغ 90 مليون نسمة، طالما أن الدولة واقتصادها يظلان تحت القبضة الحديدية لجنرالات الجيش الذين لا يقبلون بوجود معارضة، ويتركون الفساد مستشريًا، فلا يزال من الصعب رؤية إلى أي حد ستختلف السياسة الاقتصادية المنفتحة التي يتبعها السيسي عن سياسة مبارك.

العديد من المصريين متحمسون حقًا بسبب الوعود الهائلة، مليارات الدولارات من الاستثمارات، وانخفاض حاد في معدلات البطالة، وعاصمة جديدة، التي كُشف عنها في المؤتمر وحظيت بتغطية بارزة من قبل وسائل الإعلام المحلية. ومن الصعب أيضا، رؤية كيف سوف يجري احتواء الاضطرابات إذا فشلت النخبة السياسية القمعية مرة أخرى.

“إذا كان لديك منتج سيء، يمكنك إقناع الناخبين فقط أو حمل شخص على شراء شيء مرة واحدة، وهذا ينطبق على السياسة أيضًا” قال سوريل، وواصل: “لن تخدع الناس مرتين”. في الواقع، إن كبارَ الشخصيات والاستشاريين الذين توافدوا إلى البحر الأحمر في الأيام الأخيرة واثقون من أن العكس هو الصحيح، وأن ضجيج المؤتمر سوف يسكت المشككين. ولكن قد تكون هذه الثقة في غير محلها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد