نشرت «إسرائيل بالعربية» على حسابها على «تويتر» يوم الأحد الماضي أن سفير الإمارات في إسرائيل زارَ الحاخام شالوم كوهين، رئيس مجلس حكماء التوراة، ورئيس حركة «شاس» المُتطرفة، وتبادلا الهدايا في منزل الحاخام في القدس.

وأظهر مقطعٌ آخر السفير منحنيًا تحت يد الحاخام، بعد أن طلب منه مباركته «ببركة الكهنة»، وحولهم مجموعة من أتباع الحاخام كوهين، رأس واحدة من أخطر المجموعات الدينية في إسرائيل وأشدها تطرفًا. ولكن هذا ليس التواصل الأول بين الإمارات وهذه الحركة الصهيونية المتطرفة، فقد زارَ أحد حاخاماتها الإمارات خاتمة عام 2020 لزيارة الجالية اليهودية وكنيسها في دبي. وفي هذا التقرير نستعرضُ تاريخ هذه الحركة وأفكارها، وأبرز شخصياتها اليوم في السياسة الإسرائيلية.

صعود الحاخام عوفاديا

يشهد المجتمع والسياسة الإسرائيلية انقسامًا له أسباب مختلفة، منها الانقسام الإثني بين يهود إسرائيل، وهنا ننظر في الخلاف الذي وُلدت من رحمه حركة «شاس»، نتيجةَ الانقسام بين «السفارديم» وهم اليهود المهجرون من إسبانيا، ويهودُ «مزراحيون» ممن جاؤوا من العالم العربي والشرق الأوسط، و«الأشكناز»، اليهود الغربيون القادمون من أوروبا.

أما «الحريديم»، فهي طائفة يهودية متشدَّدة وملتزمة بالكامل بالتعاليم اليهودية، وتنادي بتطبيق التوراة على كل نواحي الحياة وتعادي العلمانية في إسرائيل.

يتمتع الحريديم بنفوذ سياسي كبير، نظرًا إلى سيطرتهم على العديد من المؤسسات الرسمية في الداخل الإسرائيلي، والتي من بينها وزارة الشؤون الدينية ودار الحاخامية، بجانب العديد من وسائل الإعلام، والتي تُعد «شاس» أحد كبرى الحركات داخل هذا التيار.

في عام 1912 في بولندا، التابعة للإمبراطورية الألمانية في ذلك الوقت، تأسس حزب «أغودات إسرائيل» من الأشكناز الحريديم، والذين عارضوا في ذلك الوقت الحركة الصهيونية ولم يروا في إقامة إسرائيل – طبقًا لمعتقداتهم – خلاصًا دينيًّا.

وتظلُّ الحركة اليوم حركةً دينية، ولكنها من أكثر تيارات المتدينين اليهود التي تبنَّت أجندة صهيونية بالكامل، رغمَ معارضتها دينيًّا لقيام إسرائيل من الأساس؛ إذ ترى هذه التيارات أن خلاص اليهود لا يتم إلا بقرار إلهي، وأن الحركة الصهيونية ذنبٌ ووعدٌ كاذب.

Embed from Getty Images

الحاخام عوفاديا يوسف 

وتعامل الأشكناز الحريديم في حزب أغودات إسرائيل باستعلاءٍ وتمييز ضد اليهود السفارديم والشرقيين، فمثلًا مُنع الزواج والمصاهرة بينهم، وفُصلت مدارسهم الدينية، ثمَّ مع تأسيس إسرائيل عامَ 1948 إثرَ النكبة الفلسطينية، انخرطَ الحزب مع باقي القوى الصهيونية لبناء الدولة، متماهين بذلك مع الواقع الجديد الذي يخالف معتقداتهم.

وفي السبعينيات، تصدَّرت قضية التمييز السياسة الداخلية الإسرائيلية، التمييز بين اليهود وليس تمييز إسرائيل ضدَّ الفلسطينيين، وانتقدَ حينها المتدينون الشرقيون نظرائهم الغربيين والعلمانيين. وفي بحث لأستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، عبد الناصر سرور، يذكر حادثةً أججت الأزمة بين الشرقيين والغربيين، حين رفضَ الحاخامات الأشكناز طلب الحاخام عوفاديا يوسف بتعيينه في مجلس علماء التوراة الذي يقود أغودات إسرائيل، في محاولة منه لضم السفارديم للحزب، وتحجَّجوا بأن انضمامه غير ممكن «لأن المحادثة في المجلس تتم باللغة اليديشية» وأنه لن يفهم شيئًا منها.

تأسيس «شاس».. حركة تمثِّل اليهود الشرقيين المتدينين

على إثر ذلك وتعبيرًا عن احتجاجهم على المؤسسة الدينية الأشكنازية المتمثلة في أغودات إسرائيل؛ تأسست حركة «شاس» على يد الحاخام عوفاديا في 1983، وهكذا أصبحت «شاس» الحركة السياسية الشرقية الوحيدة التي استطاعت البقاء فاعلةً في الساحة السياسية الإسرائيلية، حيث ظهرت حركات شرقية كثيرة قبلها، إلا أنها اختفت ولم تستمر.

وتعني كلمة «شاس» «حراس السفارديم»، وأصبح الزعيم الروحي للحركة والشخصية المركزية فيها هو الحاخام عوفاديا يوسف ذو الأصول العراقية، وهو أصلًا من مواليد بغداد عاصمة العراق، وظلَّ يوسف الأب الروحي للحركة إلى أن توفي عامَ 2013.

أما في العمل السياسي للحركة، فصعدَ نجم الحاخام آرييه درعي زعيمًا لها، ولتصل الحركة إلى ذروة قوتها في انتخابات 1999 عندما حصلت على 17 مقعدًا في الكنيست من أصل 120، قبل أن يتراجع إلى 12 مقعدًا عام 2006 إلا أنه تساوى مع حزب الليكود الحاكم، لتصبح حركة «شاس» القوة الأولى دينيًّا والثالثة سياسيًّا في إسرائيل.

وبرز في الحركة أيضًا إيلي يشاي، وله نفوذ كبير وتأييد في مجلس الحاخامات في الحركة، والذي تقلد عدة مناصب في الحكومات الإسرائيلية، من بينها وزارات الداخلية والصناعة والتجارة والعمل، أما درعي فعمل بعدَّة مناصب أيضًا كان أهمها وزارة الداخلية، ووزارة الاقتصاد، في عدة حكومات إسرائيلية، إلا أن الأخير اتُّهم بقضايا فساد دخل على إثرها السجن لمدة عامين.

وفي انتخابات عام 2012 نشب خلاف بين الرجلين على قيادة الحزب، بعد عودة درعي من السجن ليجد يشاي في قيادة الحزب، وبالرغم أن عوفاديا كان يميل لصالح يشاي، فإن درعي هدد بالانسحاب من الحركة والإعلان عن حزب جديد للسفارديم، وهذا ما كان يرفضه عوفاديا بشكل قاطع، واستطاع تسوية الصراع بين الطرفين بأن يكون يشاي على رأس القائمة الانتخابية، مقابل منح درعي صلاحيات قيادية واسعة داخل الحركة.

Embed from Getty Images

السياسي الإسرائيلي المتطرِّف إيلي يشاي، أحد قادة حركة «شاس» والذي انشقَ عنها لاحقًا عام 2014

وبوفاة عوفاديا في 2013 تجدد الصراع ليس فقط بين الطرفين سابقي الذكر، بل داخلَ مجلس الحاخامات نفسه، غير أن الأمر حُسم لصالح الحاخام شالوم كوهين، فأصبح رئيس «شاس» وخليفة عوفاديا، وهو الحاخام ذاته الذي قابله السفير الإماراتي قبل أيام.

ويُذكر أن لعوفاديا تصريحات عنصرية ضد العرب والمسلمين، فمثلًا صرح عام 2009 في إحدى خطبه متحدثًا عن المسلمين: «إنهم أغبياء، ودينهم قبيح مثلهم»، وصرَّح عدّة مرات مطالبًا بقتل العرب، فقال في خطبة عام 2001: «يجب ألا نرأف بهم, ولا بد من قصفهم بالصواريخ وإبادة هؤلاء الأشرار والملعونين»، وتمنى موت كلِّ الشعب الفلسطيني.

حركة «شاس» والتطرف في معاداة العرب والفلسطينيين

كانت حركة «شاس» منذ تأسيسها ذات ميول سياسية يمينية قريبة من خط حزب الليكود، وجعلت الحركة من نفسها حركة اجتماعية تقدِّم خدمات دينية وثقافية للسفارديم.

ومع صعود إيلي يشاي في العقد الأخير، واحتلاله مكان آرييه درعي، وتوغله وحصوله على الثقة الكاملة من عوفاديا يوسف، أخذ يشاي حركة «شاس» إلى آخر يمين الخارطة السياسية، وذلك طبقًا لتحليل أستاذ العلوم السياسية مهند مصطفى، في ورقة بحثية يدرس فيها حركة «شاس» وأثرها في السياسية الإسرائيلية.

وبهذا أصبحت «شاس» في عهد يشاي أكثر تطرفًا، لا بسبب ميول يشاي اليمينية والمعادية للعرب فحسب، بل أيضًا بالتوازي مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، والتي زادت تطرف موقفهم من الفلسطينيين وتأييدهم أكثر لبناء المستوطنات، واعتبار القدس العاصمة الموحَّدة لإسرائيل، وهذا أدى بالحركة إلى تبني مواقف يمينية متطرفة، بعد أن كان الانطباع أن الحركة كانت معتدلة في مسألة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في عهد آرييه درعي.

مع انخراط حركة «شاس» في عملها السياسي على الساحة الإسرائيلية، أصبحت الحركة قوةً وحزبًا رئيسيًّا يشارك في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وشارك الحزب منذ تأسيسه في معظم الحكومات الإسرائيلية، وانسحبت «شاس» من حكومة إيهود باراك الأولى (1999-2001) بسبب موقفه الأولي الموافق على التفاوض مع الفلسطينيين، وهو ما لا تقبله حركة «شاس» ولا قواعدها، وامتنعت الحركة عن الدخول في حكومة شارون من عام 2003 إلى 2006، وذلك بسبب ضمّ حزب شينوي العلماني إلى الحكومة.

ووفقًا لما أورده الأستاذ عبد الناصر سرور في بحثه، فإن «شاس» لها خمس قواعد أساسية يأتي منها أتباعها: «الحريديم السفارديم، وخريجو المعاهد الدينية الشرقيّة، وتلاميذ الحاخام عوفاديا يوسف ويعدون بالآلاف، والتائبون من اليهود العلمانيين الشرقيين، وأبناء الطوائف الشرقية العلمانيين المتعاطفين مع شاس».

ولا شك أن انحياز حركة «شاس» إلى السفارديم أجَّج حالة الانقسام المستمر في إسرائيل، فحركة «شاس» تهاجم الأشكناز الحريديين والتيارات العلمانية في الوقت نفسه، وتحاول تعزيز الهوية الشرقية، ليس بين صفوف أبناء الحركة فقط، بل أيضًا في السياسة الإسرائيلية ككل، بعد أن كانت الطبقة السياسية الحريدية تحتقر وتستهين بالسفارديم.

تتطابق سياسات حزب الليكود الأمنية والخارجية مع ميول أبناء حركة «شاس»، وتحظى بدعم كبير من السفارديم، ما زاد في حصة الليكود من المقاعد الحليفة في الكنيست، وساهمَ في إبقائه في الحكم طوال العقد الماضي بزعامة نتنياهو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد