جيب عسكري إسرائيلي في مزارع شبعا


لم يثر احتلالها منذ عام 1967 خلافًا كبيرًا كما أثارت مسألة إثبات “ملكيتها ” و”أحقية السيادة عليها”. فبينما تصر دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنها مزارع سورية تقع ضمن الجولان المحتل وتصر لبنان على أنها لبنانية بالخرائط والأدلة، يبقى الموقف السوري والدولي ضبابي ومتشبع.

تلك هي “مزارع شبعا” التي تمتد على طول 20 كيلومترًا من الأراضي المطلة على بحيرة طبريا وتقع في المثلث الحدودي بين سوريا ولبنان وفلسطين، وهي بذلك بمثابة حجر العثرة الذي يضفي مزيدًا من التعقيد على الوضع بين الدول الثلاث التي يكبلها الاحتلال، لبنان تجتهد دائمًا لإثبات أن تلك المزارع لبنانية كانت جزءًا في قضاء “حاصبيا” قبل العام 1914، وتدلل على ذلك بالخرائط العثمانية التي تعود إلى هذه المرحلة، والصكوك الصادرة عن الدولة العثمانية التي تبرهن أن المزارع لبنانية.

أين تقع شبعا؟

تمتد هذه المزارع طوليًا بحدود 24 كم ويتراوح عرضها بين 13 و14 كم. تقع على منحدرات وتلال وبعض السهول والهضاب وتتدرج من علو 1200 مترًا عن سطح البحر كمزرعة برختا وصولًا إلى مزرعة المعز التي تنخفض لتوازي مستوى سطح البحر.

احتلت دولة الاحتلال الإسرائيلي هذه الأراضي في حرب 1967 عندما احتلت الجولان وكانت آنذاك ضمن السيطرة السورية على الأراضي اللبنانية، والآن تسيطر دولة الاحتلال على 12 مزرعة مهجورة تقع بين جبل السماق وجبل روس من الشمال ووادي العسل من الجنوب.

وعندما انسحب الاحتلال من الجنوب اللبناني عام 2000 لم ينسحب من مزارع شبعا بادعاء أنها أراض سورية وليست لبنانية، لذا يصر تنظيم “حزب الله” على الاستمرار في تنفيذ عملياته الفدائية من حين لآخر ضد جيش الاحتلال في تلك المزارع.

موقف الأمم المتحدة

في المحصلة، القرارات الدولية المتعددة لم تقر صراحة بلبنانية هذه المزارع على اعتبار أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تصر على اعتبارها سورية وليست لبنانية، وبالتالي فإن مصيرها مرتبط بالمفاوضات الإسرائيلية مع سوريا وليس لبنان، خاصة أنها كانت كما أسلفنا تحت سيطرة السيادة السورية عندما احتلتها إسرائيل عام 1967 ومن ثم وسّعت رقعة احتلالها في تلك المنطقة السياحية الشتوية المهمّة والتي طوّرها العدو الإسرائيلي لتصبح مركزًا مهمًّا لإنتاج العنب والنبيذ.

الآن مجلس الأمن يتعامل مع هذه المزارع على أنها أرض سورية محتلة فيها قوات فصل دولية تدعى «أندوف» وتتبع القرار الدولي 242 الذي أوقف حرب 1967، بينما يتعامل المجلس المذكور مع باقي مناطق الجنوب اللبناني التي احتلتها إسرائيل من منطلق القرار 425 الذي ترى الأمم المتحدة أنه نفّذ بعد انسحاب إسرائيل مهزومة في 24 أيار/مايو من عام 2000، وأن قوات الطوارئ العاملة في الجنوب تدعى “يونيفيل”.

 

موقف سوريا

لماذا لا تعترف سوريا رسميًا بلبنانية شبعا؟ ولم تستمر في مواقفها الضبابية؟ سؤال يجيب عليه أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية د.عصام خليفة فيقول: من مصلحة سوريا استمرار ما يسمى بـ “مسمار جحا في لبنان”، ويعتبر خليفة أن مزارع شبعا ورقة رابحة في يد سوريا لجهة تحسين شروط المفاوضات الدولية، ويضيف: “سوريا تعمل على تغذية كل ما من شأنه إضعاف الوضع اللبناني لتعيد سيطرتها على لبنان وهذا يعتبر أحد وسائل إضعاف وضع لبنان (قضية المزارع) وسوريا يهمها كذلك رؤية لبنان مضطربًا”.
ويشير خليفة إلى أن الحكومة السورية تلعب لعبة مزدوجة، فمن جهة تحجم عن وضع محضر مع الحكومة اللبنانية تؤكد فيه لبنانية المزارع وقرية النخيلة. وبالمقابل هناك تصاريح عديدة لمسؤولين سوريين تؤكد على لبنانية المزارع دون ذكر لقرية النخيلة.

من جهته يذكر الكاتب راجح الخوري في مقاله: “لبنانية مزارع شبعا: إلى أن توافق العروس السورية”: “أن هناك بعض التحليلات التي تُنشر في بيروت وتقول إن دمشق لم تخرج بعد من المعادلة السياسية القديمة التي طالما اعتبرت اتفاق سايكس – بيكو مؤامرة، وأن من حقها ليس استعادة الأقضية الأربعة من لبنان بل «استعادة» لبنان كله. ويضيف في مقاله الذي نشر في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية: “على هذا الأساس فإنها في اللحظة التي توافق على ترسيم الحدود في مزارع شبعا تكون قد تراجعت عن نظرية مؤامرة سايكس – بيكو، ويصبح الترسيم مسألة واقعة على امتداد الحدود كلها”.

مقاومة حزب الله

عندما أراد تنظيم حزب الله قبل أيام توصيل رسالة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، اختار أن يكون مكان الانفجار مزارع شبعا، ورغم أن هذه هي المرة الأولى التي يتبنى فيها الحزب رسميًا مهاجمته دورية إسرائيلية في مزارع شبعا منذ حرب يوليو/تموز 2006، حيث التزم بالقرار الدولي 1701 بـ “وقف الأعمال الحربية بينه وبين إسرائيل”، إلا أنه كثيرًا ما أعلن أن تلك المناطق محتلة وأنه سيستمر في مقاومة الاحتلال ما دام يحتلها.

وعلى اعتبار أن هذه العملية تأتي كما برر حزب الله بأنها “رسالة بأن الحزب مستعد لمواجهة عدوه القديم رغم مشاركته في الحرب إلى جانب النظام السوري” فإن المحلل والكاتب علي الأمين يرى في مقاله “شَعرُ شبعا لا يغطّي صَلعة بريتال”: بأنها عملية تأتي خارج السياق السياسي الذي انتهجه حزب الله منذ “تحرير القصير” في سوريا، والانتقال إلى “حماية المراقد المقدّسة”، و”استنقاذ” حمص من أيدي معارضي النظام السوري. كلّ الإمكانيات البشرية والمادية التي صُرِفَت في حروب الواجب المقدّس، رغمًا عن اللبنانيين ومعظم الشعب السوري.

ويضيف: “لم تُتَح لمزارع شبعا الجزء اليسير منها، بهدف تحريرها، وبالطبع ليست مصادفة أن تأتي عملية المزارع إثر ضربة معنوية وعسكرية تعرّض لها حزب الله في جرود بريتال”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد