منذ أيام خرج «محمد عبدالله نصر»، المعروف بـ«الشيخ ميزو»، والذي يحبّ أن يلقب نفسه بـ «خطيب ثورة 30 يونيو»، خرج علينا معلنًا «مهدويته»، داعيًا السنة والشيعة، و«شعوب الأرض» أن يتبعوه. كان هذا عبر صفحته الشخصية على فيسبوك. بعد إشهاره لـ«مهدويته»، دُعي لمناظرة يديرها وائل الإبراشي، وفي بداية المناظرة أعلن الشيخ ميزو أن بيانه كان «صعقةً كهربائية»، ليستفز عقول الناس وعقول العلماء ليبحثوا في هذه القضية التي يرى أنها تسرّبت إلى العقيدة الإسلامية من عقائد مجوسية وزرادشتية.


لكن ميزو وإن كان «يمزح» أو أراد أن يثبت شيئًا ما، فإنّ التاريخ الإسلامي يعجُّ بالكثيرين من الذين ادعوا مهدويتهم وأكملوا دعواهم، وكانوا ذوي تأثير كبير، على المستوى الفكري والسياسي، سنستعرض بعضهم في هذا التقرير.

المهدي بن تومرت.. المهدوية تبني دولة قوية!

ولد محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المغربي في منطقة السوس، جنوبَ المغرب، وفي شبابه ارتحل إلى المشرق طلبًا للعلم، فاستقرّ في بغداد، واختلف المؤرخون في العلماء الذين درس عليهم، فمنهم: أبو حامد الغزالي، وأبو بكر الطرطوشي الفقيه، وأبو عبد الله الحضرميّ المُحدّث، وأبو بكر الشاشي الفقيه الأصولي، الذي انتهت إليه رئاسة الشافعية.

بعد أن حصّل مراده من العلم حزم أمتعته وانطلق عائدًا إلى المغرب، وفي الطريق سعى لتطبيق ما تعلمه ونصّب نفسه آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، طالبًا التغيير الفوري والإجباري، فأزعج أهل المدن التي مرّ بها، ونفاه والي الإسكندرية إلى طرابلس، وفي عودته ركبَ سفينة وعظ أهلها وزجرهم وأغلظ عليهم، فرماه ركاب السفينة في البحر. وعند وصوله للمغرب، وجدَ في نفسه رغبةً ملحةً لنشر العقيدة التي جاء بها من المشرق، (عقيدة الأشاعرة). واستمر في إنكاره للمنكر وأمره بالمعروف دون هوادة أو تلطف، وبذلك أُخرج من كل مدينة نزل فيها، حتى استقر في «رباط ملالة» وبُني له فيها مسجد لزمه للتدريس والتعليم والتنظيم.

إذاً.. كيف صارَ محمد بن تومرت هو المهدي المنتظر؟

اهتم محمد بن تومرت في كتبه بشكلٍ خاص بمسائل الإمامة وفروعها، وشدّد على عصمة الإمام في اعتقاده وفعله، وأكّد دومًا على خروج المهدي وجعَلَ الإيمان به واجبًا، وكان كثيرَ الإشارة إلى تطابق أحوال مجتمعه -الذي كان يراه فاسدًا- مع المجتمع الفاسد الذي تصفه أحاديث المهدي، وكان دائم الإشارة إلى صفات للمهدي تطابق صفاته في كتبه وخطبه، حتى خطبَ في الناس مرةً فقال:«الحمد لله.. وصلى الله على سيدنا محمد المبشر بالمهدي الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلاً كما مُلئت ظلمًا وجورًا… والمغربُ الأقصى منبته، وزمانه آخر الزمان، والاسم الاسم، والنسب النسب، والفعل الفعل…»، فقام أصحابه إليه وقالوا: إن هذه الصفة لا توجد إلا فيك، فأنت هو المهدي، فبايعوه!

قام بثورته في 1118م وأعلن فيها الحرب على المرابطين ودولتهم، وتحوّلت الثورة والحركة الثائرة إلى دولة في عام 1121م، وبدأت بالتوسع على يد عبد المؤمن بن علي، الخليفة الأول للمهدي بن تومرت، والذي قضى على المرابطين وقتل آخر أمرائهم، وسمّاه محمد بن تومرت بأمير المؤمنين، إذ أرسله على رأس جيشٍ وقال لجنوده: «أنتم المؤمنون وهو أميركم».

عندما شعر بدنو أجله، جمع الناس ووعظهم فضجّوا بالبكاء، وقال إنه ذاهبٌ في سفر بعيد لا يصحبه فيه أحد من الناس، ودخل بيته ولم يرَه أحدٌ من بعدها! ثم مات في 1130م، ولم يعلم بذلك إلا أتباعه المقربون، فأخفوا ذلك عن الناس وحتى عن زوجته، واستمروا يحكمون بأمره دون علم الناس بوفاته، ودُفن في تنمل، ولم يُعلن خبره إلا عند تنصيب خليفته الأول عبد المؤمن بن علي 1135م. خلَّف بن تومرت من بعده دولةً صلبةً حكمت لقرن ونصف بلاد المغرب العربي والأندلس.

صورة تقريبية للمهدي بن تومرت

عبيد الله المهدي.. «المهدي» يُسجن ويَقتل أتباعه!

ولد عُبيد الله في خوزستان، وهي الآن محافظة إيرانية. سعى عبيد الله لتأسيس الدولة الفاطميّة وأسسها بالفعل، ولكن كيف تمّ له ذلك؟

ادّعى عبيد الله انتسابه لآل البيت، وللسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وادّعى والده أنه المهدي المنتظر، ما جعلَ عبيد الله يطالب بحقه في إمامة المسلمين. وانتشر دعاة عبيد الله في الأرض، فذهب رستم بن حوشب النجار إلى اليمن وبدأ بجذب الناس إلى دعوة عبيد الله، ورغم تلقيه عددًا كبيرًا من الإشاعات إلا أنه رفض خيانة «إمامه المهدي». أما في المغرب، فقد كان لها أبو عبد الله الشيعي، الفذّ الذي استطاع أن يقنع قبيلة «كتامة» البربرية بهذه الدعوة، ووعدهم بخروجٍ قريب للإمام المنتظر. وبالفعل، استطاع بمناصرتهم فتح أجزاء واسعة من المغرب، وبذلك كان الرجل الأول في الدولة الفاطمية.

استدعى بعد ذلك إمامه عبيد الله المهدي، الذي حضر سرًا إلى المغرب ووقع في الطريق في الأسر بيد والي طرابلس، وبذلك صار في يد أعدائه الأغالبة، فحضر من أجله أبو عبد الله الشيعي، وفاوض والي المدينة ليدخلها بسلم دونَ حرب فلم يقبل، فقاتله حتى دخلها وحرر عبيد الله، ليُعلن حينئذ «مهدويته» في القيروان ويُبايَع فيها. واتخذ بعد ذلك مدينة -تقع في تونس الآن- أسماها «المهدية» عاصمةً لدولته.

وما أن باشر إدارة دولته بيده، حتى كفّ أيدي أبي عبد الله وشقيقه أبي العباس عن أمور الدولة، ما أثار حسد وحنق أبي العباس الذي بدأ يثير القلاقل حول صدق مهدوية عبيد الله وبدأ يحشد الناس ليثوروا عليه، فنما خوف عبيد الله المهدي من رفيقه ومؤسس دولته أبي عبد الله الشيعي ومن أخيه، فقرر إقصاءهم وأمر بقتلهم. وهنا كانت الطرفة، حيث أمر أبو عبد الله الجنود الذين قدموا لقتله بـ«لا تفعلوا»، فكان جوابهم: «إن الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك –أي: عبيد الله-». وقد كان لقتلهما أثر كبير على الدولة فاضطربت، وهاج الناس، فخرج عليهم عبيد الله فقتل منهم العلماء وغيرهم، وبهذا تمّ الأمر لعبيد الله المهدي وقامت دولته، دولةُ الفاطميين أو «العبيديين» نسبةً إلى عبيد الله.

الميرزا غلام أحمد القادِياني

ميرزا غلام أحمد القادياني، وُلد في 1839م، ودرس العربية والفارسية في بيت أبيه، والمنطق والفلسفة، وبعض التفسير والحديث.

غلام أحد أغرب مدّعي «المهدوية»، فقد جاء بآراء جديدة توصّل إليها بالتوهّم والوحي المزعوم.

بدأ غلام مسيرته بدعوة رجال النصارى والمُبشرين ليرد عليهم، ثم توسّع فأصبح يرد على شبهات البرهمية والهندوسية الرائجة في ذلك الوقت، وعندما بلغ عامه الخمسين أعلن أن الله أوحى إليه، وأخبره أنه المهدي المُنتظر الذي تحدثت عنه الديانات السماوية، ثمَّ قررَ أن المسيح عيسى عليه السلام لن يعود إلى الأرض، لأنه لم يُقتل ولم يُصلب وإنما نجا وهاجر إلى كشمير وفيها دُفن، ولا تكون عودته بخروجه جسديًا، بل ببعث رجل يشبهه ويفعل ما كان يفعل.

ميرزا غلام أحمد

ادّعى ميرزا غلام أن الوحي لم ينقطع، وأن الله أوحى إليه بأنه المسيح الموعود والمهدي المنتظر، ونسبَ نفسه مرةً إلى عائلة مغولية، ومرةً إلى عائلية فارسية مُختلطة النسب، من فارس ومن نسل السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي محمد، ويقول إنه علِم ذلك من الوحي الإلهي له.

ولم يكتفِ غلام بهذه الادعاءات، بل قال إنه خيرٌ من كل الرسل: آدم أخرج من الجنة وغلام يعيد بني آدم إليها، ونوح كفر ابنه أما غلام فقد آمن ابنه، ومحمد له ثلاثة آلاف معجزة، ولكن غلام لديه ما يزيد على مليون معجزة.

تزوّج امرأة وأنجب منها اثنين، ثم طلقها بعد 40 عامًا وتزوج بأخرى صارت «أم المؤمنين» التي أنجبت له ابنه الذي صار خليفة الجماعة: ميرزا بشير الدين.

يعتبره البعض ممن شكّلوا طعنةً للنضال ضد الاستعمار البريطاني، واتهم بذلك فكانت ردوده مفاجئة، وغير متوقعة: افتخر بذلك!

قال ميرزا غلام إن الإسلام جزءان: الطاعة لله، والطاعة للحكومة القائمة التي بسطت الأمان بالأرض وهي الحكومة البريطانية، وهو لا يكفّ عن ذكر عمالته للبريطانيين، وتقديمه الرجال والدماء لدعم بريطانيا، تلك «الدولة المباركة» على حد تعبيره.

كان غلام الرجل المُناسب لمهمة إخماد روح المقاومة والجهاد في قلوب المسلمين الهنود، فقد صدّر فتاوى عديدة يُعطل فيها حكم الجهاد (بشقيه الدفع والطلب) تمامًا ضد المستعمر البريطاني، ويُطالب أتباعه ومريديه بالدخول في ظلها.

لم تكتف بريطانيا بنشاط غلام في الهند، بل بدأت ترسل أعوانه حتى خارجها، فأرسلت إلى باكستان عبد اللطيف القادياني، الذي قتلته الحكومة الباكستانية عام 1925م خوفًا من أن يخمد الروح الثورية الموجودة لدى الشعب الباكستاني.

أصيب ميرزا غلام بعدة أمراض في حياته، وتعرّض في بعض الفترات للهلوسة والصداع الشديد، وتورمات في الرأس، ثم مات في 1908م بالكوليرا، تاركًا وراءه 80 كتابًا مليئة بالادعاءات، ونصوص الوحي الذي أوحي إليه.

بعد موته تتابع خلفاؤه، وما زالت جماعته قائمةً حتى الآن، ويرأسها ميرزا مسرور أحمد المُقيم في لندن.

علي محمد الشيرازي.. المهديّ أم بابُ الله؟!

من المهم أن نتحدث عن علي محمد الشيرازي، فهو رجل تطّورت دعوته شيئًا فشيئًا حتى صارَ كما يصفُ نفسه «باب الله».

ولد الشيرازي في مدينة شيراز، لعائلة من الطبقة المتوسطة، تعلَّم في صغره القراءة والكتابة والخط، وفي سن التاسعة عشر انتظم في دروس كاظم الرشتي، فتعلم أفكاره وعرف آراء مدرسته «الشيخية» عن المهدي المنتظر، وأوهمه الرشتي بأنه هوَ، شيرزا، قد يكون المهدي المنتظر.

بعد أن فارق الشيرازي شيخه وعاد إلى بلدته شيراز، تبعه «البشروئي» وأخبره بأنهُ –الشيرازي- هو المهدي الذي أشارَ إليه الرشتي، وبذلك يكونُ الشيرازي هوَ المهدي، و«الباب»، وصديقه البشروئي هو «باب الباب». فصدّقه الشيرازي، وأعلن وهو في الـ25 من عمره أنه المُرسل لتمهيد خروج «من يظهره الله»، والذي سيأتي لتأديب وتعليم العالم.

واعتبرَ مجيئه مدخلًا للإنسانية نحو تلك المرحلة، التي يظهر فيها من يُظهره الله، ولذا فهوَ «الباب». وقد تحدث أهم كتبه، كتاب البيان، عن خروج نبي جديد، يكون أعظم من «الباب» نفسه، ويحملُ رسالة جديدة للعالم.

انتشرت البابية، وآمن بالشيرازي كثيرون، مما أقلق المؤسسة الدينية القائمة في إيران، والتي بدأت تعمل على قتاله هو ومن آمن به، فسُجن مرتين، كان خلالهما يكتب ما يقول أنه وحيٌ إلهي له، وقد اعتبر كتابه «البيان» ناسخًا للقرآن الكريم، وقد حاولَ مرة أن يكتب بالعربية، ليثبتَ أن كلامه وحي من الله، فكتب كلامًا غير مفهوم وبلا معنى.

في بداياتهم لم يدّع البابيون أنهم أصحاب دينٍ جديد، بل ادعوا تجديدهم للدين الإسلامي وسعيهم لبث حركة الإحياء فيه، ثمَّ اجتماع كبير لهم ضمَّ 80 من كبار البابيين، أعلنوا أنهم يحملون دينًا جديدًا، مُكملًا لكل ما سبق ومنفصلًا عنه. وقد اختار الشيرازي أعوانًا ومُبشرين بدعوته عددهم –معهُ- 19 شخصًا، ومن هنا قدّس البابيون الرقم 19، فشهور السنة عندهم 19، وأيام الشهور 19 يومًا.

سعى الشيرازي لنشر دعوته خارج بلاده، فسافر إلى المدينة ومكة في فترة الحج، وفي أثناء حجه أشهر دعوته أمام شريف مكة وأمام بعض الحجاج، فلم يستجب له أحد منهم وعاد إلى بلاده دون جدوى.

أباح 3 علماء ومجتهدين من تبريز إعدام الشيرازي، فتم إعدامه رميًا بالرصاص عام 1850م، هو وتابعه، محمد علي الزنوري، ودُفنا في خارج المدينة.

أخفى أتباعه جثته ونُقلت سرًا إلى مدينة حيفا في فلسطين، عام 1909م، حيث دُفن هناك وبُني له مقام فيها كبرُ بناؤه مع الزمن، وعمل على توسيعه مهندسان، كنديٌ وإيطالي، كلاهما بابيان من البهائيين. البهائية، تلك الديانة التي كان «الباب» ملهمها ومرشدها ومُنتِجها الأول.

مقام الباب (علي محمد الشيرازي) في حيفا، فلسطين.

عرض التعليقات
s