658

بعد دعوات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتكررة لـ«تجديد الخطاب الديني»، أعنلت دار الإفتاء والأزهر الشريف قصر الفتوى والظهور الإعلامي للحديث في الأمور الدينية، على قائمة تضم 50 شيخًا، وجرى ذلك الإعلان أول أمس، بعد تنسيق مع المجلس الأعلى للإعلام في مصر، وجاء على لسان رئيسه الصحافي مكرم محمد أحمد، الذي أرجع الهدف من القرار إلى «منع المتطرفين من الحديث في وسائل الإعلام»، وترك المجلس الباب مفتوحًا لإمكانية ضم أسماء جديدة بعد موافقة دار الإفتاء والأزهر الشريف.

اللافت في القائمة أنها غابت عنها أسماء بارزة، دأبت في دعم النظام والسيسي، ومع ذلك يبدو أنهم لم يسلموا من «لدغاته»، فمنهم الشيخ أحمد كريمة، الذي اعتبر السيسي «مدعومًا من الله»، وأحد «جنوده في الأرض»، والشيخ سعد الدين الهلالي الذي شبّه السيسي بالرسول «موسى»، والداعية آمنة نصير التي شبهت السيسي بـ«عمر بن الخطاب»، والشيخ خالد الجندي، الذي قال إن السيسي «حوَّل أيام المصريين لعيد»، وهي تصريحات أثرت في مصداقية رجال الدين في مصر، ونظرة المجتمع إليهم.

1- أحمد كريمة: السيسي مدعوم من الله وأحد جنوده في الأرض

«لو كان لي دعوة مستجابة لادَّخرتها للرئيس السيسي» هكذا أجاب الشيخ أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، عندما سُئل في لقاء تلفزيوني على قناة صدى البلد أثناء موسم الحج الماضي: «من تحب أن تهنئه؟»، ولكن كريمة، قد يُعيد النظر في «ادخار دعوته للسيسي»، بعد إطاحته من القائمة، مما يعرقل ظهوره الإعلامي، بعدما كان ضيفًا كثير الظهور الإعلامي وبالأخص على القنوات المؤيدة للنظام المصري، وبالتحديد قناة صدى البلد.

ودأب الرجل على دعم السيسي وتعظيمه؛ إذ قال كريمة أيضًا في لقاء تلفزيوني يعود لمنتصف 2016: «إن التدين في مصر أصابه العوار منذ 40 عامًا» مُستدركًا: «لكن الله قادر على إعادته؛ لأن له جنوده ومن جنوده الرئيس عبد الفتاح السيسي».

واستكمالًا لمسلسل دعم السيسي، استبشر كريمة أيضًا في لقاء تلفزيوني يعود لمنتصف 2016 أيضًا، بأن عام 2017 سيكون عام «البُشرى على مصر.. والله العظيم العام المقبل (2017) سيكون عام الفرج على مصر» على حد تعبير كريمة الذي لم يكتفِ بذلك بل أضاف: «بدون مجاملة، الرئيس السيسي مُؤيَد من الله».

و«بدون مجاملة» أيضًا شبّه كريمة، السيسي في فروسيته وشجاعته وبطولته وثباته بـ«خالد بن الوليد» وقال: «إن خالد بن الوليد خاض العديد من المعارك، لكنه لم ينكسر أبدًا» لافتًا إلى أن: «الرئيس السيسي لم ولن ينكسر في معاركه ضد الإرهاب».

وبدا كريمة غاضبًا من قرار استبعاده من القائمة، وتضمَّن رد فعله رفضًا ضمنيًا للقرار وعدم اعتداد به؛ إذ قال كريمة، الخميس الماضي: «لا أنتظر قرارًا من أحد لكي أظهر أو أقول الفتوى. أنا معروف أستاذ الفقة المقارن والشريعة الإسلامية على المذاهب كلها، ودرجتي العلمية أعلى وأكبر من أن يصدر قرار يحجِّم دور الفتوى والظهور على أحد، وأنا لا أُجر في أى معارك جانبية مع أحد، وعلمي في التدريس والدعوة والإفتاء، كفيل بذلك، ولا انتظر إذنًا من أحد حتى أخدم الإسلام».

2- آمنة نصير تشبِّه السيسي بـ«عمر بن الخطاب»

لم يتوقَّف تشبيه السيسي بالصحابة على كريمة فقط، وإنما امتد أيضًا لآمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، وعضو مجلس النواب، فلم يكد يمر أسبوع على تولي السيسي رسميًا منصب رئاسة الجمهورية، حتَّى وجدت آمنة في حكمه «عدالة عمر بن الخطاب»، قالت هذا بعد زيارة السيسي لفتاة تعرضت لتحرش جماعي في ميدان التحرير أثناء الاحتفال بتنصيبه رئيسًا للجمهورية.

شكرت آمنة السيسي واصفةً إياه بـ«القائد العظيم» وقالت، في لقاء تلفزيوني على فضائية المحور يتاريخ 12 يونيو (حزيران) 2014: «إن موقف الرئيس السيسي يجعله قدوة لغيره من المسئولين؛ كي لا تتعالى أي قيادة بالمجتمع على أي أمر يمس المواطنين» وعظّمت آمنة من موقف السيسي أكثر عندما قالت «أنت (السيسي) تُذكرني بما كان يفعله عمر بن الخطاب الخليفة العادل».

واقتربت أوصاف آمنة للسيسي بأوصاف كريمة له أيضًا بالنبل والفروسية؛ إذ قالت آمنة في لقاء تلفزيوني، يوم الأحد الماضي: «السيسي يتمتع بأخلاق النُبلاء، السيسي نبيل اختار كل المعاناة، في المرحلة الأولى سميتُك فارسًا، وفي هذه المرحلة أُلقبك بالنبيل، وأخلاق الفرسان والنبلاء نعرفها جيدًا عندما تلتصق بالرجولة». وعقب استنثائها من القائمة، ظهر من تعليق آمنة انزعاجٌ من القرار ورفض ضمني له، عندما قالت: «أنا عضو مجلس نواب، وليس لأحد شأن بي، أو سلطان علي».

3- سعد الدين هلالي: السيسي من «رُسل الله»

لم يتوقف الأمر على تشبيه السيسي بالصحابة، وإنما امتد الأمر لوصفه بأحد الرسل. إذ شبّه سعد الدين هلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، السيسي عندما كان وزيرًا للدفاع، ومحمد إبراهيم وزير الداخلية حينها، بـ«موسى وهارون»، في مؤتمر لتكريم قتلى الشرطة ومصابييهم يعود لفبراير (شباط) 2014، بعد أشهر قليلة من بيان القوات المسلحة في 3 يوليو (تموز) 2013.

وقال الهلالي إنه: «ما كان لأحد أن يتخيل أن سنة الله تتكرر، وبأن يأتي أحد ليقول لا إسلام إلا ما نمليه عليكم، ولا دين إلا ما نعرفه لكم ولكن الله قيض للمصريين من يقف في مواجهة من يقولون هذا الكلام لكي يتحقق أن يكون الدين كله لله كما أمر الله» ثم شبه: «كما ابتعث من قبل رسولين هما موسى وهارون، خرج السيسي ومحمد إبراهيم، وما كان لأحد من المصريين يتخيل أن هؤلاء رسل من عند الله عز وجل، وما يعلم جنود ربك إلا هو».

ولم يتوقف هلالي عن إظهار دعمه للنظام، حتى بعد استثنائه من القائمة؛ إذ علّق على استثنائه: «مصر تعيش الآن عصر الحرية وانتهى عصر العبودية»، مُضيفًا خلال مداخلة تلفزيونية الخميس الماضي: «أحب أطمن المشاهد طول ما مصر فيها جيش وقياداته يبقي مصر مش هتبقي أم الدنيا لا ديه هتبقي أد الدنيا». في اقتباس لكلمات السيسي، قد يُساعد هلالي لاحقًا على الانضمام إلى القائمة التي لا يزال بابها مفتوحًا لضم أسماء جديدة.

4- خالد الجندي: السيسي حوَّلَ أيام المصريين لعيد

مع أن برنامجه يحمل اسم «لعلهم يفقهون»، ومن المفترض أنه يتخصص في الاستشارات الفقهية، كما يظهر من اسمه إلا أن الشيخ خالد الجندي دائمًا ما يتخذ من برنامجه الذي يُذاع على فضائية دي إم سي (DMC)، منصةً للتعليق على الأحداث السياسية في مصر وإظهار الدعم للسيسي؛ إذ يقول الجندي عن السيسي إنه: «حوّل كل أيام المصريين لعيد» مُضيفًا: «مطوّل راسنا ورافع أقدارنا أمام العالم كله»، معتبرًا أن السيسي أجبر العالم على احترامه.

ولا يتوقف حديث الجندي عن السيسي في برنامجه عند هذا الحد، فببساطة تستطيع كتابة: «الشيخ خالد الجندي السيسي» على محرك البحث في جوجل، حتى تجد مقاطع متوالية للجندي، وهو يتحدث عن السيسي في برنامجه ويُمجد فيه وفي الدعاء له، ويحلل مواقفه السياسية بالإيجاب، وكأن البرنامج «سياسي»، وليس برنامجًا دينيًا «متخصصًا في القضايا الفقهية».

وكان الجندي مؤيدًا للسيسي في مواجهة شيخ الأزهر أحمد الطيب، في أزمة «الطلاق الشفوي» الذي اعتبره الجندي «لا يُعتد به»، واستنكر الجندي استبعاده من القائمة، ذلك الاستبعاد الذي قد يطيحه من برنامجه، وعّلق الخميس الماضي مُتسائلًا «هل يتساوى الذين جاهدوا من أجل مصر ووقفوا إلى جانب الجيش والشرطة، وحاربوا جماعة الإخوان، بالذين كانوا مختبئين وراء الحجاب والبيوت؟»، وأضاف ساخرًا «اللي هيسألني في الفقه هجاوبه من ورا الاستوديو».

وقال الجندي إن من وصفهم بـ«الخمسين المبشرين بالفتوى» لن يكونوا متحدثين باسم الإسلام، ولفت في نفس الوقت أنه سعيد باستبعاده من القائمة «لأن أكبر بلاء ممكن تخيله أن تتصدر للفتوى في بعض الأمور» على حد تعبير الجندي.

دراسة حول مصداقية الشيوخ وعلاقتهم بالسلطة

يبدو أن «المغالاة» في دعم النظام والسيسي، التي أظهرها عدد من الشيوخ، لدرجة تشبيه السيسي بالرُسل والصحابة واعتباره «جند الله في الأرض»، قد أثّرت على مصداقية بعض الشيوخ، وفي هذا الصدد أجرى «ساسة بوست» دراسة حول مصداقية رجال الدين وحدود تدخلهم في السياسة، وتضمنت أكثر من 500 مبحوث من معظم محافظات مصر متنوعين في السن والنوع والمستوى الاقتصادي.

وبحسب الدراسة، التي تعود لمايو (أيار) 2015، فقد رأى 87% بأن بعض الشيوخ تتلاعب بالفتاوى لصالح السلطة، فيما اعتبر 76% من المبحوثين أن الشيخ الذي يتحدث بما يُمليه عليه النظام الحاكم «لا يستحق مهنته»، وهذا إنفوجرافيك يُلخص أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة: