مرتديةً سترتها الواقية، وممتلكةً أدواتها وعلى رأسها ثقتها العارمة بنفسها وبعدالة القضية الفلسطينية، وقفت شيرين أبو عاقلة أمام الكاميرا مدة 20 عامًا، تنقل الحقيقة من قلب الحدث، برغم الرصاص والغازات المسيلة للدموع والمضايقات.

فلم تهتز شيرين أبو عاقلة لثانية في أحلك الظروف وأصعبها، خافت لكنها بقيت، وكانت تواصل العمل في قلب الأحداث وأخطرها، حتى جاءت لحظتها الأخيرة أيضًا من قلب الحدث، فصارت هي الحدث نفسه الذي يضج به العالم، بعد أن قدمت رسالتها وحياتها للمهنة والقضية فاضحةً الجرائم الإسرائيلية مرةً بعد مرة، حتى أثبتت باستشهادها أن الاحتلال جريمة قائمة برأسها لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تجميدها.

1- التقرير الأخير.. بين الأنقاض من أجل الحقيقة

في آخر تقرير لها بثته قناة الجزيرة، كانت شيرين أبو عاقلة تنقل وقائع اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لبلدة «سيلة الحارثية»، إذ أقدمت القوات الإسرائيلية على اجتياح البلدة مع ساعات الفجر، فيما وثقت شيرين بالصوت والصورة كيف هدمت قوات الاحتلال عدة منازل لعائلات في القرية.

فقد تعمد الاحتلال على سبيل المثال هدم منزل الأسير عمر جرادات، المعتقل في السجون الإسرائيلية، لذا ظلت شيرين أبو عاقلة تتجول بين أنقاض المنزل لتظهر الدمار الذي حل به، دون أن تغير نبرة صوتها غضبًا أو ضيقًا من الركام الذي راحت تخطو فوقه لتنقل الصورة كاملة بأعلى درجات المهنية وأقصى مستويات الحرص على نقل الحقيقة التي أزعجت الاحتلال الذي يريد إتمام مهامه في السر والظلام.

2- الصبر الطويل.. حين ضايقتها مستوطنة إسرائيلية

في حي الشيخ جراح، رصدت شيرين أبو عاقلة سهولة دخول المستوطنين الإسرائيليين إلى الحي تحت إشراف القوات الإسرائيلية بينما يُغلق الحي باللجان والكمائن العسكرية في وجه سكانه الفلسطينيين.

ولم تتوقف شيرين أبو عاقلة لحظة، حتى مع تلك المضايقة التي تعرضت لها أثناء التصوير من جانب مستوطنة إسرائيلية، بل بدت ثابتة واحترافية، ولم تتورط في اشتباك بالأيدي، أو حتى باللفظ، كما تمنت المستوطنة، بل اكتفت شيرين بتوجيه جملة بالإنجليزية لها تطلب منها أن تتركهم يعملون، ثم قالت في تقريرها إنها لا ترغب في أن يجري اتهامهم بمضايقة المستوطنين وإن بدأوا هم بالمضايقات.

3- وشيرين صامدة.. اختناق بالغاز واعتداء جسدي

من أمام حاجز قلنديا جنوب رام الله، كانت شيرين تقف لتنقل الصورة إلى العالم، تستنشق مُكرهةً الغازات المسيلة للدموع، تفتح إحدى عينيها بالكاد، لتواصل عملها في نقل الصورة على الهواء مباشرةً أثناء تغطية مظاهرات في رام الله ورصد التعزيزات العسكرية التي دفعت بها الحكومة الإسرائيلية لحصار المظاهرات وفضها.

وفي هذه الأثناء كانت شيرين أبو عاقلة تتعرض للاختناق بالغازات ولكنها لم تبتعد، بل واصلت الحديث بمنتهى الثبات والهدوء والإتقان، حتى مع اقتراب الجنود الإسرائيليين منها لم تتوقف لحظة واصلت الحديث والتوضيح أثناء اعتداء الجنود عليها وعلى طاقم التصوير المرافق لها.

4- أكبر من نقل الأحداث.. تنزيل التاريخ على أرض الواقع

كان اتفاق أوسلو أساسًا لسلسلة مفاوضات وإجراءات قضت بتقسيم الضفة الغربية لمناطق سُميت بـ«ألف وباء وجيم»، في تصنيف كان يفترض أن يسري لخمس سنوات فقط، حتى التوصل إلى اتفاق دائم بين الجانبين، وهو ما لم يحدث حتى يومنا هذا.

في تقرير لها عبر شاشة الجزيرة راحت شيرين أبو عاقلة، تقدم للمشاهدين بالتفصيل معلومات وافية عن المناطق التي قسمتها اتفاقية أوسلو بالضفة الغربية، لتثبت أنها ليست مجرد مراسلة مخضرمة تتمكن من من نقل الحدث على أرض الواقع، ولكنها أيضًا صحافية ومثقفة قادرة على نقل المعلومة بشكل عملي وقوي لمن لا يعلم بخيانة إسرائيلية لاتفاقياتها الموقعة.

5- هؤلاء أخطر على الصحافيين من قوات الاحتلال

في تقرير لها من القدس اعتبرت شيرين أبو عاقلة أن مضايقات المستوطنين الإسرائيليين هي الأخطر على الصحافيين في الميدان، فالمراسلة التي اختبرت كافة المخاطر واحتكت مباشرة بفوهات الأسلحة وكلاب جنود الاحتلال وخيولهم، وجربت قنابلهم المسيلة للدموع، اعتبرت أن المستوطنين هم الأخطر على الإطلاق، نظرًا إلى كراهيتهم الشديدة للصحافيين ووسائل الإعلام التي تفضح ممارساتهم.

في تقرير لها موجه لزملائها بالأساس، حاولت أبو عاقلة توضيح طبيعة المضايقات التي تتعرض لها وبقية الصحافيين، أثناء التغطية في الميدان، فقالت: «يمكن أن تأتي المضايقات من قوات الاحتلال، تحاول منعك، إذا وجهت لنا الأوامر بالرحيل، نحاول أن نعطل الأمر قليلًا دون تعريض الفريق للخطر، لكن المضايقات من قبل المستوطنين تكون صعبة جدًّا، نتحدث عن مجموعات متطرفة ومسلحة، هؤلاء يمكنهم في بعض الأحيان إيقافنا، وطلب بطاقات هويتنا، وحدث أن تم اعتقال بعض طواقمنا من جانب المستوطنين، مع هؤلاء نكون حذرين ولا نقترب منهم، إلا إذا كانت هناك قوات من الشرطة معهم».

6- اللقاء الأخير مع شيرين.. العيش في ترقب دائم

قليلة هي اللقاءات التي يكون بطلها مراسل صحفي، فعادة ما يكون هو من يدير الحوارات، ويعقد اللقاءات، لذا يعد ذلك اللقاء الذي التقطه أحد الصحافيين الفلسطينيين، في شهر رمضان الماضي، مع المراسلة المخضرمة شيرين أبو عاقلة «حدثًا».

فقد كانت تجلس بصحبة مجموعة من أهل القدس في منطقة باب العامود، حين سألها الصحافي عن حالها وسط الجيش والكلاب، و«كلاب الكلاب» والخيالة، فقالت: «نحن في حالة ترقب دائم لا نهدأ في عيد أو رمضان أو منع تجوال، أنا ابنة القدس، والوضع في القدس يحزن» كانت شيرين سعيدة للغاية بجلوسها في منطقة باب العمود حيث الحركة والحضور المكثف للشباب الذين قاموا بالعديد من الأنشطة الجادة والمرحة وسط حالة من السعادة الفلسطينية الخاصة.

7- استشهاد على الهواء.. كان معكم شيرين أبو عاقلة، فلسطين

كأنها أرادت أن توثق جرائم الاحتلال على اللحظة الأخيرة ولو بدمائها، هكذا جاء استشهاد شيرين أبو عاقلة بطوليًّا مثل حياتها، بعد أن فدت زميلتها المراسلة بقناة الجزيرة أيضًا وتلقت رصاصة أسفل أذنها وتحت الخوذة الواقية من الرصاص.

وقد شهد العالم أجمع لحظة وفاتها التي تحولت إلى زلزال لا يقل عن ذلك الذي أحدثه اغتيال محمد الدرة، فلم تشفع لها التصاريح والخطوات القانونية في التغطية ولا السترة الواقية من الرصاص، وكلمة «press»، ولم تسلم من رصاصة مباشرة في الرأس توقعتها منذ أمد طويل.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوع
شيرين أبو عاقلة.. صوت فلسطين الذي اغتاله الاحتلال
عرض التعليقات
تحميل المزيد