تشهد المنطقة اليوم عدة صراعات توصف بكونها صراعات طائفية، برز فيها الشيعة، فشهدت بعض الدول تحالفات شيعية، وتنامى نفوذهم، مما جعل البعض يرى أن الصراع الطائفي اليوم هو صراع إقليمي، ربما سيعيد رسم الخرائط الجيوسياسية والاستراتيجية في السنوات المقبلة.

من هم الشيعة؟

ثاني أكبر طائفة في المسلمين، عرفوا بكونهم أتباع الإمام علي بن أبي طالب الذي يرون بأنه كان أحق بالخلافة من أبي بكر الصديق، ويطلقون عليه اسم الإمام أو الخليفة الذي يجب اتباعه دون غيره وينكرون الاحتجاج بغير آل البيت من الصحابة. يؤمنون بوجوب الإمامة، وباتباع الأئمة الاثني عشر من نسل علي بن أبي طالب، وبأن الإمام واجب العصمة وواجب الطاعة. ومن طوائف الشيعة الاثنا عشرية أو الإمامية، والإسماعيلية والزيدية.

أماكن تواجدهم:

 _71867719_mid_east_shia_464map

يتواجد الشيعة اليوم في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وبعض دول الخليج العربي، في العراق والخليج ولبنان ينتمون إلى المذهب الاثنا عشري السائد في إيران، وفي اليمن أغلب الشيعة ينتمون إلى الزيدية، وفي سوريا إلى العلوية، كما أن هناك إسماعيليين في اليمن والسعودية.

الشيعة في إيران:

إيران هي صاحبة أكبر نسبة شيعة في المنطقة، وأغلب سكانها من الشيعة، والتشيع هو المذهب السائد في إيران منذ أوائل القرن العاشر الهجري، بعد أن فرضت الدولة الصفوية الشيعية المذهب الشيعي الإمامي. في عام 1979 نشأت الجمهورية الإسلامية، وهي الدولة الشيعية الوحيدة في العالم، وقد كان لآية الله روح الخميني رؤية بشأن شرق أوسط إسلامي تكون إيران رائدته، وتشير بعض الدراسات إلى أن إيران لم تتخل عن هذه الرؤية حتى اليوم.

بعد الغزو الأمريكي عام 2003 تبدلت العلاقات الإيرانية العراقية، وصار للعراق أهمية جيوستراتيجية وأمنية كبيرة بالنسبة لإيران، واليوم تساند إيران نوري المالكي – رئيس حكومة العراق- في صراعه ضد السنة ومسلحي العشائر وقوات داعش، وما زال لها دور كبير في مساندة الأسد في الحرب السورية الدائرة اليوم.

ساهمت الأحداث الأخيرة في تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، إلا أن التوتر المستمر والصراعات المستمرة يجعلها في تهديد مستمر أيضًا، ولن يحسم الأمر لصالحها بسهولة.

في لبنان:

يتواجد في لبنان وعلى مدى أكثر من 20 عامًا أكبر تنظيم سياسي عسكري شيعي عربي في المنطقة، وهو حزب الله. بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، برز دور حزب الله بصورة كبيرة، حيث قامت القوات التابعة للتنظيم بأسر جنديين إسرائيلين، وحققوا صمود كبير أمام القوات الإسرائيلية لأيام، فارتفعت شعبية حزب الله ليس في لبنان فحسب، بل في الشرق الأوسط بأكمله.

أدى تنامي نفوذ حزب الله في لبنان إلى ظهور الخلافات بين التيارات السياسية والطوائف الدينية، إلى أن جاء اغتيال رفيق الحريري عام 2005، والذي يعتقد أنه قتل في مؤامرة مدعومة من حزب الله وسوريا، وتحول الأمر إلى اشتباكات بين مؤيدي الطرفين في الشارع؛ مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات في أكثر من مواجهة.

أثرت أحداث الثورة السورية بشكل كبير على الوضع في لبنان، فدعم قوات حزب الله لنظام الأسد أجج الصراع الطائفي هنالك، كما أثر على أمن لبنان في المناطق التي يتواجد فيها قوات حزب الله وأنصاره. فضلاً عن نظرة العالم العربي لحزب الله اليوم وأمينها العام حسن نصر الله، فبعد خطاب المقاومة والممانعة، وما حققه من إنجازات ضد إسرائيل، اليوم ينظر غالبية العالم العربي لنصر الله بأنه حليف الطاغية.

في سوريا:

تعتبر سوريا هي همزة الوصل ما بين إيران وحزب الله، تنتمي عائلة الأسد الحاكمة إلى الطائفة العلوية، ويشكل العليون حسب التقديرات نسبة 13% من سكان سوريا، وبقية الطوائف من الإسماعيلية والاثنا عشرية والدورز 1%.

تشهد سوريا اليوم صراعًا من أعنف الصراعات الطائفية في المنطقة، فبعد انطلاق الثورة السورية احتجاجًا على سياسات الأسد، بدأت الثورة تأخذ منحنى طائفيًا تدريجيًا، بلغ أشده بعد الاتجاه إلى المسار المسلح، وإعلان إيران وقوات حزب الله المشاركة الرسمية في الصراع ودعم نظام الأسد.

فهناك العديد من القوات الشيعية المقاتلة السورية وغير السورية من إيران والعراق ومقاتلي الشيعة الأجانب، وهي قوات الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، ولواء “أبو الفضل العباس” والذي يتشكل من مقاتلين شيعة عراقيين من عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراق، ولواء “ذو الفقار” وهو أول قوة معلنة ومستقلة للعراقيين الشيعة في سوريا، ومؤسسو اللواء كانوا مقاتلين ضمن لواء “أبو الفضل العباس”، وكتائب سيد الشهداء العراقية، وفيلق بدر، ولواء أسد الله الغالب، ولواء الغمام الحسين، وجيش المهدي.

في العراق:

“مقتدى الصدر –أحد الرموز الشيعية في العراق”

يشكل الشيعة أغلبية سكان العراق، وقد تعرضوا للاضطهاد في عهد صدام حسين، حين شهدت العراق صراعًا طائفيًّا بين النظام السياسي والشيعة، جاء ذلك بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران.

بعد الغزو الأمريكي على العراق عام 2003، والإطاحة بصدّام حسين، تنامى النفوذ الشيعي، وسيطر الشيعة على الحكومة برئاسة نوري المالكي، وتبدلت العلاقات مع إيران وجاءت سياسات المالكي الاستبداية ضد السنة لتشعل فتيل الصراع الطائفي، والذي نرى أثره حتى اليوم في الصراع العراقي.

ومن الفصائل الشيعية التي تقاتل في العراق اليوم، بعدما فتحت باب التطوع وحثت على مواجهة مسلحي العشائر مع مقاتلي الدولة الإسلامية، فيلق بدر برئاسة وزير النقل في حكومة المالكي هادي العامري، وجيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر، وميليشيا عصائب أهل الحق، والتي تشكلت بعد انشقاق القيادي في التيار الصدري قيس الخزعلي، وحزب الله فرع العراق، والذي يقول زعيمه أنه امتداد لحزب الله البناني.

في اليمن:

ينتمي الشيعة في اليمن إلى المذهب الزيدي، وتشهد اليمن عدة اشتباكات دامية بين جماعة الحوثي الشيعية وأنصار التيار السلفي منذ عام 2004، وما زالت مستمرة حتى اليوم، والحوثيون هي حركة شيعية متمردة بمحافظة صنعة شمال اليمن، وترى الجماعة أن الوضع الذي تعيشه يتسم بخنق الحريات وتهديد العقيدة الدينية، وتهميش الطائفة الزيدية.
وتطالب بموافقة رسمية على صدور حزب سياسي مدني، وضمان حق أبناء المذهب الزيدي، واعتماد الذهب الزيدي مذهبًا رئيسًا في البلاد.

يرى السلفيون أن جماعة الحوثي تسعى بحربها للسيطرة الكاملة على منطقة دماج التي يسكنها أكثر من 15 ألف مواطن، فيما تؤثر الصراعات الحالية على استقرار اليمن ومحاولة تحقيق مستحقات المؤتمر الوطني والعمل لبناء يمن جديد، بعد احتجاجات الربيع العربي التي امتد أثرها لليمن.

في الخليج:

ينتشر الشيعة على امتداد الخليج العربي في الكويت والبحرين والسعودية وقطر وعمان. في السعودية، يتهم الشيعة هناك السلطات الحاكمة بتهميشهم وحرمانهم من حقوقهم السياسية والاجتماعية، وقد أصدروا وثيقة سياسية بعنوان “شركاء في الوطن” عبروا فيها عن طموحاتهم للمستقبل والرغبة في الحصول على حقوقهم، والمطالبة بممارسة شعائرهم علانية، وقد شهدت المملكة عدّة مصادمات بين قوات الأمن والعديد منهم.

أمّا البحرين، فتعتبر صاحبة الوجود الشيعي الأبرز، وقد حاولت إيران ضم البحرين إليها في عهد الشاه. تتهم الشيعة في البحرين السلطة السنية الحاكمة بتهميشهم في المجال العام والاقتصادي، وقد شهدت البحرين حركات احتجاجية شيعية من قبل، طالبوا فيها بإنهاء استبداد الحكم السني، وبعد تنامي النفوذ الشيعي في المنطقة في كل من العراق ولبنان وإيران، زادت مطالبهم بالحصول على مكاسب سياسية تتناسب مع حجم وجودهم في المجتمع.

من أهم التنظيمات الشيعية السياسية في البحرين هي جمعية الوفاق الوطني الإسلامي، وقد قاطعت الجمعية انتخابات المجلس النيابي منذ تأسيسها، إلا أنها قررت الدخول في العملية الانتخابية عام 2006، وفازت بـ 17 مقعدًا في البرلمان، وشاركت في انتخابات 2010 وأعلن الأعضاء البرلمان استقالتهم بعد ذلك كمحاولة للضغط على الحكومة واعتراضًا على تهميش الشيعة.

في 2011 قامت الاحتجاجات في البحرين، في بداية الانتفاضة انضم السنة إلى المحتجين الشيعة، ورفعوا شعار “لا سنية ولا شيعية فقط بحرينية”، وتدخلت إيران في الوضع البحريني إعلاميًّا، وهو ما أثار غضب السلطات البحرينية، وتراجع المحتجين السنة، ودعمت القوات السعودية الحكومة السنية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد