تعكف إيران على البحث عن سبل تخدم رؤيتها العسكرية في العالم؛ فقبل أيام خرج القيادي في الحرس الثوري الإيراني «محمد علي فلكي»؛ ليعلن إنشاء ما أسماه بـ«جيش التحرير الشيعي»، الذي قال: إنّ من مهامه القتالية، مُوجهة للدول التي تُقاتل إيران.

إيران التي تتكبد خسائر في سوريا، بدت متناقضة عند الإعلان عن قرار تشكيل هذا الجيش؛ إذ قال «فلكي» إن الهدف الأساسي من تشكيل النواة الأولى لهذا الجيش، هو «محو إسرائيل بعد 23 عامًا، وإن هذه الفيالق أصبحت على حدودها الآن»، كما قال في الوقت نفسه، إن هذه القوات «تحارب في العراق وسوريا واليمن».

بعد وقت قصير، غيّر الحرس الثوري الإيراني، اسم الفيلق، إلى «جيش التحرير»، وحدد مهامه مبدئيًا، بالقتال على ثلاث جبهات: سوريا، والعراق، واليمن، تحت «لواء القدس»، بقيادة الجنرال الإيراني «قاسم سُليماني».

هذا الجيش الذي سيقاتل بزي واحد، وتحت راية واحدة، يُستعان بعناصره في كل منطقة تشهد قتالًا، تكون إيران إحدى طرفيه، أو مُناصرة لأحدهما، وكما يقول القيادي في الحرس الثوري الإيراني محمد علي فلكي «نتطلع إلى بنائه وتشكيله؛ ليضم ويوحد جميع الشيعة من كافة الأقوام والملل في العالم»، فمن أبرز المليشيات المنضمة له «لواء فاطميون» الأفغاني الشيعي، والذي اعتبرته إيران  نواة جيش التحرير، وكذا ميلشيا «زينبيون»، وهي مليشيا باكستانية، فضلًا عن «حزب الله اللبناني» و«كتائب الخراساني» وحركة «النجباء» من العراق، ومليشيا «الحوثي» من اليمن.

وبعد خمس سنوات من عمر الحرب في سوريا، وجدت إيران نفسها غير قادرة على الاستمرار في إرسال الإيرانيين للقتال؛ ليعودوا بعد ذلك في نعوشهم؛ فارتفاع أعداد قتل الحرس الثوري أحرج الحكومة الإيرانية،  لذلك كان تشكيل جيش التحرير؛ ليعفي القوات الإيرانية من الذهاب والقتال بنفسها في الجبهات، كما قال الجنرال الإيراني، مضيفًا أنه «ليس من الحكمة زج القوات الإيرانية بشكل مباشر بالحرب في سوريا، بل يجب أن يقتصر دور عناصرنا على تدريب وتأهيل وتجهيز السوريين للقتال في مناطقهم».

هذا ويُشار إلى أن خطوة إنشاء جيش التحرير، لم تكن مفاجئة؛ فالحرس الثوري الإيراني كشف في يونيو (حزيران) الماضي على لسان قائد القوة البحرية في الحرس الثوري، العميد «علي فدوي»، عن «تدريب وتجهيز قوات ومقاتلين غير إيرانيين في إحدى الجزر الإيرانية في مياه الخليج العربي«، وقال ـ حينها ـ فدوي: إن «قوات الحرس تنفذ العديد من العمليات الأمنية والعسكرية خارج حدود إيران من خلال عناصر الحرس الثوري غير الإيرانيين، وأغلب هؤلاء العناصر ينتمون لدول محور المقاومة«.

ويرى الناشط السياسي الأحوازي، «حاتم صدّام»، أنّ «المعارك في سوريا والعراق أفرزت المئات من العناصر ذات الخبرات العسكرية والأمنية العالية والمتدربة، ينتمي جميعهم إلى عدة دول عربية وخليجية بالمنطقة، وهذا ما يجعل من إيران أكثر قوة واندفاعًا عن السابق في تطبيق مشاريعها التوسعية على حساب العرب في المنطقة».

ضعف وتغول للمؤسسة العسكرية في إيران

يرى أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر، والخبير في الشأن الإيراني، «محجوب الزويري»، أن فكرة جيش التحرير، قد تكون «دليل ضعف لدور الدولة الإيرانية، ودليل إخفاق في وسائل القوة الناعمة، والصورة الإيجابية، التي كانت تتمتع بها إيران قبل تدخلها العسكري والمذهبي في المنطقة»، مُعربًا عن اعتقاده بأنّ جيش التحرير يُعد «تجاوزًا عن ثوابت كانت تروج لها إيران في عدم تدخلها الخارجي في شؤون الآخرين».

ويصف الزويري هذه الخطوة، في حديثه لـ«ساسة بوست»، بأنها تعكس خسارة الجانب السياسي في الدولة الإيرانية لصالح العسكر والحرس الثوري، الذين تنامي دورهم منذ العام ٢٠٠٥، مُضيفًا «هذه الخطوة تأتي في سياق محاولات الهروب من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية المتزايدة، فشل مثل هذا المشروع يتحقق في حالة بناء الدولة في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان وأفغانستان. إيران تستثمر في حالة الدولة الفاشلة، وهو استثمار يراد منه إدامة الفوضى، وليس الاستقرار».

وفي تعقيبه على تصريح الجنرال «فلكي» بأن هذا الجيش سيقاتل في دول عربية، يوضح الزويري قائلًا «هذا ما أسميه تغول المؤسسة العسكرية في إيران، المؤسسة العسكرية ترى نفسها تخسر كلما اتجهت إيران من الثورة إلى الدولة؛ لذلك سرعان ما تخرج مثل هذه التصريحات»، إنّها بمثابة حرب كلامية مرتبطة بالداخل والخارج الإيراني، كما يراها محجوب الزويري.

العراق كلمة السر

وكان الجنرال الإيراني، فلكي، قد قال: إن العراق تُعد واحدة من ضمن ثلاث مناطق، سيقاتل فيها جيش التحرير، كما أنّ ميليشيات «حيدريون» العراقية، ذكرت بالاسم ضمن هذا الجيش.

هذا وتتعدد المليشيات الموالية لطهران في العراق، ومن أبرزها كتائب «الخراساني» وحركة «النجباء»، و سبق لإيران أن دربت الكثير من الميليشيات العراقية، ومنها منظمة بدر العراقية.

مدير مركز «ميسان للدراسات العربية والإيرانية»، «محمد المذحجي»، قال لـ«ساسة بوست»: إنّ إيران «دشنت مرحلة جديدة من مشروعها التوسعي العابر للقارات، ذات الطابع الطائفي، من خلال إعلانها عن إنشاء جيش التحرير».

كما أنّه أعرب عن اعتقاده، بأنّ ظروف العراق، قد وُظّفت لإنشاد ميليشيا «الحشد الشعبي»؛ كي يكون بمثابة لبنة الأساس لتشكيل «حرس ثوري عراقي». «لاحقًا أُعطيت (الحشد الشعبي) صفة قانونية، وضُمّت لمؤسسة رئاسة الوزراء العراقية؛ لتعلن طهران بعد ذلك عن إنشاء (جيش التحرير الشيعي)».

ويستشهد المذحجي على ذلك بتصريحات القائد العام الأسبق للحرس الثوري «محسن رفيق دوست»، الذي قال: إن إيران مستعدة لنقل جميع تجاربها إلى الحكومة العراقية؛ لإنشاء نسخة مماثلة للحرس الثوري؛ بهدف الحفاظ على وحدة العراق ومحاربة الإرهاب، مُضيفًا «أعلنت مصادر إعلامية عراقية، قبل ما يقارب 3 أسابيع، أن (فيلق القدس)، التابع للحرس الثوري، وميليشيات الحشد الشعبي، تدرب عناصر من المملكة العربية السعودية والبحرين على الأراضي العراقية؛ لإنشاء (فيلق البقيع)؛ بهدف يسميه بعض قادة الحرس الثوري والمتشددون الإيرانيون (تحرير الحرمين الشرفيين)».

وأشار المذحجي إلى أن جهد إيران المكثف في نشر التشيع في القرن الإفريقي منذ 25 عامًا، وتوسيع نشاطها، خاصة في نيجيريا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، حتى الإعلان مؤخرًا عن بدء نشاط «رابطة عموم إفريقيا لآل البيت» من زعماء الحوزات الشيعية في إفريقيا، كمنظمة شيعية غير حكومية، أسست في العاصمة السنغالية داكار، كل هذه الجهود تظهر «أن طهران لم تتخل عن مشروعها التوسعي العابر للقارات»،على حد قوله.

الأفغان..نواة «جيش التحرير»

استغلت إيران الشيعة الأفغان بكل سهولة لتنفيذ خريطتها القتالية؛ كان ذلك بسبب المركز الجغرافي والاستراتيجي والديني والتاريخي الذي يربط بين إيران وأفغانستان، وبسبب الظروف التي أتاحت للجماعات الأفغانية القتالية النزوح إلى إيران.

ويقدر عدد الأفغان في إيران بثلاثة ملايين، وبالرغم من أن إيران استخدمت الترغيب بالمال والامتيازات لإقناعهم بالقتال معها، إلا أن الأبرز كان استخدام التهديد بالترحيل للغالبية التي لم تمنحها إيران وثائق قانونية للبقاء على أرضها، أو التهديد بالسجن، أو حتى القتل أحيانًا؛ في حال رفض قرارات التجنيد للقتال. وكما يقول مدير قسم الطوارئ في منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية، «بيتر بوكارت» فإنّه «لم تكتف إيران بتحفيز اللاجئين والمهاجرين الأفغان على القتال في سوريا، بل إن عديد الأشخاص قالوا: إنهم هُددوا بالترحيل إلى أفغانستان؛ إن لم يفعلوا ذلك. وفي مواجهة هذا الخيار السيئ، قرر بعض هؤلاء الرجال والشباب الفرار من إيران نحو أوروبا».

من جانبه، يوضح الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية الشيعية «فيليب سميث» أن مجتمع «الهزارة» الشيعي في أفغانستان شكل هدفًا للتجنيد الإيراني للحرب في سوريا، مُضيفًا «من الواضح أيضاً أن «الحرس الثوري الإيراني» والتابعين له يتكبدون خسائر في سوريا، ويستوجب بالتالي إيجاد بدائل عنهم. وهنا يعتبر الشيعة الأفغان، الذين يملكون بغالبيتهم تجارب تدريبية مع الحروب الطائفية الضروس في أفغانستان، المرشحين الأمثل لمحاربة الثوار السُّنة في سوريا».

وتعمل إيران على تعبئة المقاتلين الأفغان قبل تدريبهم بشكل مبدئي ضمن معسكرات على الأراضي الإيرانية، ثم يتم فرزهم  إلى الكتائب والفيالق الطائفية، ومن ثم يتم ترحيلهم إلى الأراضي السورية عبر رحلات جوية حصرًا. ويعتبر لواء «فاطميون» المشكل من متجنسين إيرانيين من أصول أفغانية، وآخرين جاؤوا من أفغانستان، أول من ذكره الجنرال فلكي في الحديث عن جيش التحرير الشيعي.

تقول صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأمريكية: إن «إيران ضاعفت من جهودها الرامية لتجنيد (مرتزقة شيعة) تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب للقتال في سوريا؛ فأنشأت مركزًا لهذا الغرض في مدينة (هرات)، غربي أفغانستان الصيف الماضي«.

وأضافت الصحفية «بعض الأفغان في هرات قالوا: إن تغلغل إيران في منطقتهم زاد لأسباب، منها: سعيها لتجنيد بعض المواطنين المحليين للقتال إلى جانب قوات الرئيس السوري«. وتنقل الصحفية الأمريكية عن صحيفة «كيهان» الإيرانية أن المجندين الملحقين بكتيبة «فاطميون» يقضون ما بين 25 و35 يومًا في مركز تدريب خاص داخل إيران، قبل إرسالهم إلى سوريا، وإن مراسم دفن تُجرى في مدينة «مشهد»، شمالي شرقي إيران للشهداء الأفغان الذين يسقطون في المعارك.

وبالرغم من كل ما سبق، فإن إيران ما تزال غير راضية عن آلية استغلالها للأفغان في القتال؛ إذ يلوم قادتها النظام؛ لأنه مقصر في تجنيد الأفغان، ولم يخلق بعد بينهم نموذجًا يشابه ميليشيات «حزب الله» بقيادة شخص مثل «حسن نصر الله»، حتى إن «فلكي» تطرق لذلك في حديثه عن جيش التحرير، قائلًا: إنه «طيلة 30 عامًا كنا ننظر للاجئين الأفغان على أنهم قطاع طرق وأوباش، ولم نستثمر فيهم كوادر وقيادات، كما استثمرنا في شيعة لبنان واليمن والبحرين».

عرض التعليقات
تحميل المزيد