تتنوع الفصائل الفلسطينية في غزة والضفة المحتلة، من حيث توجهاتها وميولها، وتتشعب، خاصة في الأيديولوجية التي تحملها وتقاتل من أجلها قوات الاحتلال، لكنها في الأغلب تحمل الطابع «السني الإسلامي»، حيث تتزين صور شهدائها بآي الذكر الحكيم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعيدا تمام عن أية رموز شيعية كرسومات الحسين وأقوال خاصة بالشيعة وغيرها.

لكن قضيةً أثيرت في الأيام الأخيرة داخل قطاع غزة هي (وجود الشيعة في غزة )، وحقيقة هذا الوجود وحجم انتشاره وطبيعة الأنشطة التي تقوم بها الجمعيات التي تحمل هذا الفكر الشيعي وما هو ما موقف حماس التي تدير غزة من هذه القضية؟

تطور علاقة إيران بقطاع غزة

كانت طهران (الدولة الشيعية الأكبر ) منذ البدايات هي أكثر الدول التي دعمت قطاع غزة على وجه الخصوص عبر فصائل المقاومة الفلسطينية التي كانت أكثر ذيوعا وقدرة في قطاع غزة منها في الضفة الغربية لأسباب جغرافية واجتماعية.

لكن البدايات بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت تحديدًا منذ سنة 1990، وفي تشرين الأول نوفمبر من العام 1991 شارك وفد من حماس في مؤتمر دعم الانتفاضة في تشرين الأول/ نوفمبر.

ثم إن تطور العلاقة مع حزب الله اللبناني، خصوصًا بعد إبعاد عدد كبير من قادة حماس إلى مرج الزهور في لبنان أواخر سنة 1992 أسْهم في تقوية تلك العلاقة. ولعل أساس العلاقة كان اشتراك هذه الأطراف في مسار المقاومة، وحاجتها لبناء علاقة تساند استراتيجي؛ لتعضيد هذا المسار وتدعيمه حينذاك.

وترى حماس أن ترحب بأية دولة أو كيان يدعم المقاومة لتحرير فلسطين وذلك اتساقًا مع رؤيتها الثابتة التي تقضي بالتعاون مع كافة الدول والجهات في المنطقة، لخدمة القضية الفلسطينية، على قاعدة التوازن دون الانحياز لأحد الأطراف الإقليمية أو لأي من المكونات الداخلية لهذه الأطراف، وعلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول والجهات.

وبعيدًا عن الاختلاف الطائفي، لعبت الخلفية الإسلامية الحركية للطرفين، ورؤيتهما لوجوب تحرير فلسطين كاملة، وعدم الاعتراف بـ “إسرائيل”، دورها في تقريب وجهات النظر والتعاون في مسار المقاومة المسلحة، ودعم صمود الشعب الفلسطيني. وقدَّرت إيران وزن حماس الشعبي والسياسي والمقاوم، فاعتبرته من ناحية سياسية مدخلًا لدعم مصداقيتها الإسلامية، ولوزنها ودورها الإقليمي.

ثم تطورت العلاقة أكثر مع بداية انتفاضة عام 2000 حيث دعمت إيران المقاومة بالمال وما يمكن تهريبه من السلاح والعتاد، لكن العلاقة قفزت بالفعل قفزة نوعية، بعد فوز حركة حماس بانتخابات المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، حيث أسهمت إيران بقوة في دعم حكومة إسماعيل هنية في مواجهة الحصار الذي فرض عليها. وكلما تقدم الزمن توطدت العلاقة أكثر وأكثر دون أن تدفع حماس في غزة أي ثمن ترتضيه إيران وفق تصريحات قيادات حماس المتكررة وعلى رأسها رئيس الحركة في غزة إسماعيل هنية والذي دأب في عدد من المناسبات على التأكيد دومًا أن حركته لا تقبل أي مال مشروط؛ وبطبيعة الحال لم تتوافق سياسات الطرفين دائمًا خلال الفترة الماضية، إلا أنهما تمكنا من إدارة العلاقة بينهما بقدر كبير من النجاح، وتشكل بينهما ما يشبه الالتقاء الاستراتيجي.

غير أن العلاقة تعرضت لنوعٍ من البرود والتأزم بسبب تداعيات ما عُرف بـ “الربيع العربي” وبسبب الخلاف الكبير تجاه الأزمة السورية؛ وخصوصًا بعد خروج قيادة حماس من دمشق مطلع سنة 2012، وحاولت حماس أن تتجاهل ما يحدث في سوريا لكن التطورات كانت متسارعة بشكل كبير وأعداد القتلى وصلت للآلاف وكان لزاما على حماس أن يكون لها موقف فاصل فكانت بدايات القطيعة.

عودٌ إلى ذي بدء

استمرت القطيعة لفترة محدودة من الزمن خاصة على المستوى السياسي ولنقل أيضا على مستوى المال السائل، حيث كانت إيران تسلم مبلغا من المال لحركة حماس في قطاع غزة بشكل شهري، إلا أن كميات من السلاح كانت تصل لقطاع غزة قادمة من إيران للفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حماس، وكانت هناك لافتات في غزة انتشرت عقب عدواني 2008 و2012 تحمل عبارة “شكرا إيران”.

ثم جرى الحديث أكثر من مرة عن زيارة قريبة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل لكن ذلك لم يحدث برغم مرور قرابة العامين على هذه الأنباء واكتفت الحركة بإرسال وفود مختلفة المستويات أبرزها كان من مسئول العلاقات الدولية في حركة حماس أسامة حمدان.

الشيعة في غزة

كان من الضروري أن نقدم بهذه التوطئة الطويلة نوعا ما حتى نفهم الظروف التي من خلالها نشرت إيران بذور التشيع في غزة.

لم يكن هناك تشيع بالمعنى الحقيقي في غزة وفقا لمراقبين أو تيار واضح يمكن رؤيته بالعين المجردة أو مكتب أو هيئة تعنى بالتشيع كما تعنى مثلا بحفظ القرآن، لكن يبدو أن ثمة إعجاب في صفوف عدد من الغزيين خاصة المنتمين لحركة الجهاد الإسلامي نظرا لعلاقتها المميزة التي تربطها بإيران ويتداول المواطنون في غزة انشقاق عدد من أفراد الجهاد الإسلامي ومحاولتهم تكوين جماعة أو حزب شيعي، عرفت لاحقا إعلاميًا (بحركة الصابرين) واختصارها “حصن”.

حركة الصابرين

دشنت هذه الحركة على يد هشام سالم القيادي المفصول من حركة الجهاد الإسلامي وتقول عن نفسها “نحن لسنا حركة مذهبية، نحن حركة إسلامية فلسطينية مقاومة، ونرفض الزج باسمنا في الصراعات المذهبية التكفيرية الرخيصة والدنيئة”. وتتخذ الحركة شعارا مشابهًا إلى حد بعيد لشعار “حزب الله” اللبناني- هي حركة فلسطينية وطنية مقاومة.

 

وتتهم حركة الجهاد الإسلامي إيران بدعم (هشام سالم) خاصة في ظل ميوله الشيعية قبل أن يعلن ذلك صراحةً؛ وما لبث حتى انشق عن الجهاد وأسس تنظيمه الذي تقوم بنيته الأساسية على أفراد منشقين عن حركة الجهاد، منهم أشخاص زاروا إيران وتأثروا بالفكر الشيعي، فيما تحوي غرفة الاستقبال بحسب الوكالة الفرنسية التي زارت منزل سالم “صورا كبيرة للإمام الخامنئي وأخرى لحسن نصر الله وثالثة لفتحي الشقاقي مؤسس حركة الجهاد الإسلامي التي كان ينتمي إليها قبل أن ينفصل عنها قبل خمسة أعوام”.

ويقر هشام سالم رئيس هذه الجمعية الخيرية، أن جمعيته “تتلقى دعمها المالي من إيران” التي زارها في 2007 لكنه يتحفظ عن الإفصاح عما إذا كان قد تشيع فعلا ويكتفي بالقول “كلنا مسلمون شيعة وسنة؛ فيما ذكرت تقارير إعلامية أن حجم ميزانية حركة “الصابرين” تبلغ 12 مليون دولار أمريكي سنويًّا، أي بمعدل مليون دولار شهريًا.

ورغم أن العدد الحقيقي غير محدد أو معلن من جهات رسمية؛ يشير مراقبون إلى أن العدد محدود جدًا لا يتجاوز العشرات من عدد سكان القطاع والذي يقدر تعداده بمليون و800 ألف مواطن.

أنشطة حركة الصابرين في غزة

وقامت الحركة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بعدد من المواقف مثل إقامة أمسيات وإفطارات رمضانية جماعية وفعاليات عامة دون أن يكون المظهر الشيعي واضحًا أو فجًا، لكن ذلك تغير بشكل واضح في رمضان الماضي من العام الحالي 2015 حيث دشنت الحركة عبر ما سمتها (لجنة إمداد الخميني) إفطارًا رمضانيًا جمع العشرات من عوائل الشهداء شمال غزة من مناصري الحركة ونفذته جمعية الباقيات الصالحات التابعة لحركة الصابرين، ويظهر العلم الإيراني بكل وضوح!

وفيما يلي نسرد بعضًا من الأنشطة التي قامت بها حركة الصابرين أو الجمعيات المنضوية تحتها والتي تهدف بالدرجة الأولى الى إحداث حالة من الانتشار والتقبل بين أوساط الغزيين وصولًا لوجود حالة من الاستقطاب؛ حيث قامت الحركة بالآتي:

  • إحياء ذكرى الخميني في العام 2012.
  • إقامة حسينية لإحياء بعض من فعاليات الشيعة مثل هذه:

وهذه:

 

  • وزع أنصار الحركة رسالة لوسائل الإعلام المختلفة يستنكرون فيها الهجمات السعودية في اليمن، كما انتقدت موقف مصر والسلطة الفلسطينية، من الهجمات السعودية.
  • تنفيذ إفطار جماعي قامت به جمعية الباقيات الصالحات التابعة لحركة الصابرين الشيعية لعوائل الشهداء شمال غزة وكذلك تسجيلات مصورة مثل هذه:
  • زيارة مئات من عوائل الشهداء بمناسبة شهر رمضان.
  • تنفيذ زيارات لعدد من معاهد الأيتام وكذلك تنفيذ عدد من المبادرات مثل (يد بيد لأجلك) وعدد من ورش العمل، وبعض من المشاريع الإغاثية للأسر الفقيرة في غزة.

ما الذي فعلته حماس؟

بدأت هذه الفعاليات وغيرها من الأنشطة والمبادرات التي أضحت تنتشر وتلاقي رواجًا وقبولًا خاصة في ظل الدعم السخي الذي تتلقاه حركة الصابرين مقابل تجفيف عدد من المساعدات المالية التي كانت تصرف لكل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي بشكل مستمر وتستخدمها الحركتان في الإعداد والتدريب والنفقة على ذوي الشهداء لكن هذا كله توقف للأسباب التي نحن بصددها، ومع انتشار رقعة الفقر في قطاع غزة ما يجعل الناس تتلهف لاستقبال أي دعم أو معونة.

وحتى اللحظة لا يوجد إعلان رسمي من حركة حماس أو من أجهزتها الأمنية بحظر هذه الحركة أو أنشطتها في غزة ويرى الناطق باسم الشرطة في غزة إسلام شهوان أنها “قضية غير مهمة ولا أهمية للرد عليها”. حسب وصفه.

وتقلل حماس من أهمية هذه الظاهرة وتعتبرها ضربًا من “التعاطف والإعجاب” بإيران وحزب الله دون أي دلالة عقائدية دينية.

وينفي القيادي في حركة حماس أحمد يوسف وجود شيعة في غزة مشيرا إلى أن الموجود هو حالة من التعاطف ليس أكثر ،خاصةً، في ظل التحول الغربي الذي ينظر للحركات الإسلامية من منظار العداوة والإرهاب”.

وحدث أكثر من استدعاء لسالم وأتباعه في غزة، لكنها بقيت في حدود استيضاح بعض الأمور ولم تصل لدرجة الاحتجاز أو الاعتقال، فيما يشير مراقبون إلى أن هناك تضييقًا كبيرًا على الحركة خاصة في الأيام التي تلت الفعاليات التي رفعت شعار إيران فيها بكل وضوح. وعممت الحركة على وسائل الإعلام الخاصة بها عدم التطرق لمثل هذه القضية ويبدو ذلك حتى لا تزيد العلاقة سوءًا مع ايران في ظل مساعٍ لاعادة ترميم العلاقة من جديد .

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد