«الجزائر لا تريد حربًا طائفية»، هكذا جاء تصريح وزير الشؤون الدينية، «محمد عيسى»، حول ظاهرة المد الشيعي في البلاد. وجاءت هذه التصريحات بعد رصد مصالح الأمن لعدد من الأنشطة غير المرخصة لجماعات محسوبة على المذهب الشيعي. وقبل شهر من الآن اكتشفت مصالح الأمن كذلك أفراد ينتمون إلى جماعة «الأحمدية»، بإحدى محافظات الشرق الجزائري، يقيمون شعائرهم في بيت أحد أفراد الجماعة.

وبالرغم من أنّ النقاش الديني والطائفي غير متعود عليه في أدبيات الساحة الثقافية والفكرية والإعلامية بالجزائر، إلا أن استعمال لفظ «حرب طائفية»، يعكس تخوف السلطات من تورط بلد بمساحة الجزائر في نقاش طائفي، يُعزز من الأزمة الاقتصادية والحروب الطائفية الموجودة في المشرق العربي، وبالإضافة إلى النقاش العرقي بين العرب والأمازيغ والمالكية والإباضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبرز تخوف لخلق صراع ديني آخر تعتبر السلطة نفسها في غنى عنه.

بوتفليقة يُجرّم الحكم الأموي والعباسي للمنطقة

وفي خطاب مثير لمدير ديوان رئيس الجمهورية، ربط «أحمد أويحيى»، تاريخ الجزائريين بالفاطميين، الذين حكموا شمال إفريقيا في أواخر القرن الثالث للهجرة، واعتبر أنّ المجتمع اعتنق المذهب «الشيعي» في وقت سابق، وهو «مالكي» في الوقت الحالي، كما أدرج وزير الشؤون الدينية «تيار الإخوان» ضمن المتطرفين والمتشددين وذوي تهديد للأوطان، وجب محاربة فكرهم ومنعه من الانتشار، كما قال.

هذه الدعوات رد عليها قادة الحركة الإسلامية، ما دفع بالثاني للاعتذار عبر قناة النهار الخاصة، وكانت أبرز الردود، ما ذكره «عبد الرزاق مقري»، رئيس أكبر حزب إسلامي بالبلاد «أويحيى لا يعرف التاريخ، الذي كان شيعيًا، هي دولة الفاطميين، ولكن الشعب بقي مالكيًا قبل أو أثناء وبعد الفاطميين. نحن شعب واحد، ولكننا مالكيون، أعطانا الله الخير في انسجام التركيبة الاجتماعية».

وفي نفس السّياق، وردت في رسالة رئيس البلاد «عبد العزيز بوتفليقة» تشبيهًا مفاجئًا للفتح الإسلامي لشمال إفريقيا بالاحتلال الفرنسي للجزائر، حيث قال في رسالته بمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال والشباب المصادف للخامس من شهر يوليو (تموز) «فعلى شبيبتنا ألا تنسى ما تكبده شعبنا من ويلات طوال 132 سنة، تلك الويلات التي تمثلت في المجازر، ومحاولات إبادة أهلنا وتجريدهم من أراضيهم وتصميم على طمس ثقافتنا ومحو هويتنا وجعلنا في خبر كان. أو ليس الأمر كذلك بالنسبة للأمويين والعباسيين، علينا أن نجعل أبناءنا على علم بممارسات الغطرسة الهمجية التي طالت أسلافهم كلما حاولوا كسر قيود الاستعمار، وقد بلغت حد نفي الآلاف منهم إلى ما وراء المحيطات».

وظلت الجزائر منذ الاستعمار الفرنسي لأكثر من قرن وثلاثين سنة، عرضة لموجات التنصير وتغيير هويتها الإسلامية والعربية باتجاه الصليبية الفرانكفونية، وانتشرت مجموعة من المغالطات من قبل المعمرين الفرنسيين أن سكان شمال إفريقيا أصلهم من أوروبا، والفتح الإسلامي والحكم العثماني هو امتداد للاحتلال العربي منذ أكثر من 11 قرن ويزيد، وهذا ما يعكس الروح الصليبية للاستعمار الفرنسي. ولا تزال مجموعة قليلة من المثقفين الجزائريين ذوي الميول الغربية، تناضل من أجل نفس الهدف عن طريق إثبات نظرية الحق في الإرث الروماني للمنطقة، ويلمس الكثيرون ذلك عبر صفحات الأعمال الأدبية، وأسطر المنشورات بمواقع التواصل الاجتماعي.

دعم وتشجيع التصوف لتثبيت المرجعية الدينية

وترافع الحكومة الجزائرية على لسان وزيرها «محمد عيسى» لصالح الزوايا والتصوف كمرجع حضاري ديني للبلاد، «المرجعية الدينية الوطنية تستمد وجودها من انتمائنا الحضاري»، وربط هذا الانتماء بالتراث الأندلسي والفقه المالكي الذي رسخته الجزائر بعد الاستقلال مباشرة، كما تعتبر الزوايا حضنًا وفضاء دينيًا مميزًا لدى السلطات الرسمية الجزائرية منذ وقت طويل. وتعتبر نخب السلطة ومثقفيها أن الزوايا ساهمت بقوة في الحفاظ على الهوية الجزائرية، كما تعتبرها مدرسة دينية تقف جدارًا أمام كل بقية الأفكار القادمة من المشرق العربي، كالسلفية وحركات الإسلام السياسي.

ولم يقف التاريخ الجزائري عند ترسيم التصوف كمرجعية دينية وحيدة، فقد عُرف عن رائد الإصلاح بالجزائر «عبد الحميد بن باديس» محاربته للطرقية والبدع التي جاءت بها الصوفية الروحانية، كتبجيل الأولياء وزيارتهم، وإقامة «الوعدة»، وهي تظاهرات شعبوية تتسم بالطقوس الدينية والاجتماعية، كصدقة الطعام والنقود عند الضريح.

وفي هذا الصدد يقول البرلماني الإسلامي «ناصر حمدادوش»: ان الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ الإسلامي لم تختر مرجعية دينية، إلا وفرضتها على المجتمعات المسلمة، بعيدًا عن إجماع العلماء، وهذا يعود لتأثير الدين في الحياة العامة للمسلمين، وتوجيه عمومهم لتحقيق أهداف الحاكم، وقضاء حوائجه، مضيفًا أن لهذه النقطة إيجابية واحدة، تتمثل في «وحدة المجتمع»، وضمان التماسك الاجتماعي عبر صناعة مرجعية دينية وطنية في الشكل الجديد للدول الحديثة.

ومع ذلك يضيف البرلماني القيادي في حركة مجتمع السلم، أنه لا توجد إرادة سياسية في إيجاد مرجعية دينية يكون «مفتي الجمهورية» عنوانها والناطق باسمها، لسبب وحيد هو «هيمنة الرجل الديني على السياسي الحاكم»، وهي خطوة محسوبة العواقب، خاصة إذا نظرنا إلى تدين المجتمع الجزائري، وتقديسه للشعائر الدينية، والخطاب الديني لعقود من الزمن.

ويشير حمدادوش إلى العامل الأيديولوجي، خاصة للتوجهات الفكرية الجوهرية لحكام البلد المعادين لكلّ ما يصنع تأثير الرمزية الدينية في القرار السياسي، أو ترسيخ البعد الهوياتي للدولة والشّعب في طابعها الإسلامي.

التشيع بين رفض المجتمع وفرصة العلاقات الرسمية المزدهرة

كما يعتبر الملحق الثقافي لسفارة إيران في الجزائر «أمير الموسوي» ناشطًا على الميدان، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويرصد الدبلوماسي الإيراني زياراته المتعددة إلى مناطق كثيرة من الجزائر، ويبرز من خلال منشوراته عبر الفضاء الأزرق «فيسبوك» اهتمامه بالتاريخ، والثقافة، والمدراس القرآنية، والجانب الفكري لعلماء الجزائر بشكل كبير. كما سبق وأن قاد نشطاء مدونون حملة لطرد أمير الموسوي من الجزائر، لكن السلطات لم تقم بأي إجراء تجاهه، في حين تقوّت العلاقات الجزائرية الإيرانية في الفترة الأخيرة، خاصة تجاه القضايا الإقليمية التي تعرف صراعات أمنية وعسكرية طويلة، خاصة الملفان: السوري، واليمني.

 

ومن المعروف أن المد الشيعي لإيران لا يصادم التصوف والطرقية بشكل خاص، بل يعمل على التعايش معها والاستثمار في الصراع الوهابي والصوفي أكثر، ولدينا في عدد من الدول الإفريقية خير مثال، حيث تمكن المد الشيعي من الاندماج في المجتمعات الإفريقية المسلمة عبر استغلال روحانية التصوف، وابتعاد الطرقيين عن العمل السياسي، ونبذهم للتشدد والتطرف الذي يميز أتباع السعودية في مناطق عدة بالدول الفقيرة خاصة.

يقول ناصر حمدادوش الذي عمل إمامًا وخطيبًا في الشرق الجزائري، إن «الفكرة لا تحارب إلا بفكرة مماثلة أو أقوى منها، والظاهر أن هناك فراغًا دينيًا رهيبًا يعيشه المجتمع؛ مما جعل التيارات الدينية الوافدة تمتدّ في هذا الفراغ، وتتقوّى في مساحة هذا الضّعف، وخاصة مع هذا الانفتاح الإعلامي والتدفّق المعلوماتي».

وتعيش البلاد على وقع صفيح ديني ساخن، في ظل التهميش الذي تعانيه جمعية العلماء المسلمين، ومرجعيات دينية، كالشيخ «الطاهر ايت علجت»، ودفع هذا التهميش عددًا من العلماء، والدعاة المعروفين للاتجاه نحو المشرق العربي؛ للتدريس بالجامعة، والتفرغ للتأليف، والمساهمة في الحياة العلمية والفكرية.

ودافع رئيس منظمة الزوايا «عبد القادر باسين»، ضمنيًا على المذهب الشيعي في الجزائر، وانتقد بشدة الوزير «محمد عيسى» في هذا الشأن عبر تصريح تلفزيوني بثته قناة البلاد، قائلًا: إن كلًا من المَدَّين الشيعي والأحمدي لا يمثلان خطرًا على الوحدة الوطنية، وبرز «عبد القادر باسين» في الفترة الأخيرة كمرافق دائم لوزير الطاقة السابق «شكيب خليل»، العائد من الولايات المتحدة الأمريكية، وأضاف رئيس المنظمة أن السلفية – في إشارة إلى الوهابية – جزء لا يتجزأ من الطوائف التي تسعى للتفرقة بين الجزائريين، بل دعا الحكومة إلى تجريم نشاطهم في المساجد، التي أصبحت تحت سيطرتهم، حسبه.

ومن المعلوم أن تيار الوهابية يحارب الصوفية بشدّة، حيث أورد مركز «راند» الأمريكي في تقريره السنوي حول شبكات الاعتدال الإسلامي، أن دعم وتشجيع التصوف في المجتمعات المسلمة يمكن أن يكون «بديلًا جيدًا» للوهابية التي تتصف بالتشدد والتطرف، بحسب ما أورده مركز راند.

ولعل قانون «جاستا» وتوجه دولتي الإمارات ومصر نحو إنشاء «مجلس حكماء المسلمين»، والدعم الرسمي لحركات التصوف العالمية، قد يؤكد هذا المسعى في تخلي الغرب على التيارات الدينية الناشئة في البيئة السعودية، وإيجاد حليف ديني جديد بديلًا عنها.

وبخصوص التقارب الإيراني الجزائري، يزداد التخوف داخل المجتمع من استغلال هذا التقارب لكسر الوحدة الوطنية تجاه المرجعية الدينية التي توصف بأنها «هشة». وتدرك مجموعة من المثقفين في هيئة جمعية العلماء المسلمين، ونخب الحركات الإسلامية السياسية، من النمو الناعم للمجموعات الشيعية في أنحاء عديدة بالتراب الوطني، ويكون هذا الانتشار الخافت عمومًا عن طريق التعليم والمنح الجامعية في عواصم أوروبية، ودعم المشاريع الشبابية في الأبحاث والخدمات، وذات الطابع الاجتماعي، يتعلق بعضها بتشجيع الشباب على الزواج، بالإضافة إلى الشحن الفكري والديني للأفراد من ضعفاء الالتزام الديني.

كما يرفض حمدادوش دائمًا فكرة الغلق والتضييق والتخوين على المجموعات التي تحاول الظهور كأقليات «لا يمكن مواجهة ذلك بالقمع أو الغلق أو التخوين أو الشيطنة، ويكفي فقط أن تتوفر الإرادة السياسية الحقيقية والعليا في خدمة «المذهب المالكي» في الفقه، و«رواية ورش» في القراءات، و«العقيدة الأشعرية» في العقيدة، و«طريقة الجنيد» في التصوّف، و«اللغة العربية» في التخاطب والتواصل، مع الاستفادة – بعد الحصانة الثقافية والمناعة الدينية – والانفتاح على المذاهب والقراءات والطرق واللغات، واعتبار التنوّع التعدّد كنوعٍ من الثراء الحضاري، ويكون التحدّي في إدارة والتنوّع والاختلاف، وليس في الانغلاق والمواجهة».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد