«ضحايا مثاليون».. ماذا تعرف عن جمال قبول الأمر الواقع عند اليابانيين وعبئه؟

تفشل اللغات أحيانًا في التعبير بالكلمات عن أفكارنا المعقدة، ويصعب نقلها عن إحدى اللغات بإيجاز كما هي؛ ولكن المشكلة الأساسية ليست في عدم توفر هذه الكلمات التي تصف ما نشعر به، بل في منظور بعض الثقافات المحدود على العالم، وفي هذا تختلف الثقافة اليابانية عن مثيلاتها؛ فلدى اليابانيين مفهوم مختلف عن الحياة والطبيعة والمشاعر، لكنه في النهاية اختلاف بين الثقافات، قد لا يمكننا تجاوزه ببعض الكلمات.

تعد كلمة «شيكاتا جا ناي» أكثر كلمة متكررة في اليابان، وتمثل العقلية الأساسية المشتركة بين اليابانيين، ويمكن تفسيرها بأنها: «لا يمكن المساعدة، الأمر على ما هو عليه، نحن لا نتحكم في حياتنا». ويفترض من يقولها أن عليه تقبل حدوث أشياء خارجة عن إرادته بكرامة، وألا تفتك به المشاعر الضاغطة لعدم قدرته على السيطرة على الأحداث. وربما يمكن تفهم انتشارها لأن اليابانيين الحاليين هم من صمدوا في الحرب أمام القنابل النووية وإعادة البناء بعد الحرب، وبين الازدهار الاقتصادي وانهياره.

«شيكاتا جا ناي».. نحن الضحايا المثاليون للكوارث

في بعض الأحيان تبدو اليابان ممزقة بين تصورين لنفسها، أحدهما هو القوة التي لا يمكن كبحها وإيقافها، والثاني هو أرخبيل الجزيرة الفقير الذي لا يملك إلا القليل من الموارد الطبيعية، ويعيش دومًا على حافة كارثة أو أخرى. وبين هذا وذاك يعد اليابانيون رسل الصبر والمثابرة، ويملكون مرونة في التقاط الأنفاس بعد دقائق من الكارثة.

ينتقد بعض الأغراب على الشعب الياباني استخدامهم المستمر لتعبير «شيكاتا جا ناي» وأنه يُظهر الجزء التشاؤمي والسلبي، وأن على الإنسان الاستمرار في المحاولة بدلًا من التخلي عن أهدافه بهذه البساطة، ولكن هل يعد قول «شيكاتا جا ناي» قولًا سلبيًّا؟ أم أنها طريقة مختلفة في التفكير؟

تمامًا مثلما جاء بالبوذية، فهناك أوقات نحتاج فيها إلى قبول الواقع لأننا لا نملك دائمًا السيطرة على كل المواقف الصعبة، فالحياة هنا ليست ممتعة دومًا، والمعاناة جزء منها؛ ويجعلنا -قبول هذين الأمرين- أكثر وعيًا بمشاعرنا الإيجابية والسلبية، ويعزز قدرتنا على قبول الواقع الذي نعيشه في اللحظة الراهنة، وهذا ما يجعل من كلمة «شيكاتا جا ناي» تعبيرًا جميلًا ومفيدًا في أوقات التوتر والإجهاد، وربما يمنحنا التفكير به استراحة صغيرة من دوامات المعاناة المتداخلة والضاغطة على نفوسنا.

وكأننا نستطيع عيش الوقت الحاضر بشكل كامل دون التفكير في العقبات، أو التأذي من حدوثها. نسعى نحو الأهداف بتركيز على ما يجب القيام به، دون ضغوط زائدة، أو غضب وإحباط غير ضروريين، وقد يؤثران في صحتنا تأثيرًا سلبيًّا.

استأجر صديقًا أو حبيبًا.. 7 خدمات غريبة ربما لن تجدها إلا في اليابان

اليابانيون بين السلبية وقبول الأمر الواقع

أثارت هذه الفكرة الجدل أثناء اعتقال الأمريكيين للأمريكيين اليابانيين بعد تفجير بيرل هاربور، خلال الحرب العالمية الثانية، وكيف استسلم اليابانيون لسوء المعاملة التي تعرضوا لها، ووصفهم الوضع بأنه «شيكاتا جا ناي». كان من بين هؤلاء، بيل هوسوكاوا، الذي ولد في واشنطن عام 1915 لأب ياباني، لتكون جذوره سببًا في اعتقاله هو وأسرته في مركز وايتومينج بقلعة هارت ماونتن، مع 120 ألف شخص آخر تم إجلاؤهم من منازلهم قسرًا.

وفي مقابلة تمت مع بيل ناقش فيها الآثار الضمنية لحبس الأمريكيين اليابانيين الجماعي أثناء الحرب العالمية الثانية، وحكى بيل عن لحظات الإجلاء وقال: «أعتقد أنها مرت بشكل جيد، وكان التعاون بيننا مبهجًا، دعني أركز على الجوانب المبهجة، صور الأطفال الصغار وهم يلوحون لأصدقائهم أثناء ركوبهم القطار متجهين إلى معسكرات الاعتقال، تخيل معي، ماذا كان يمكننا أن نفعل، نحن مجبورون، وإذا لم نقابل الأمر بالابتهاج، سنقابله بغضب ويأس ومرارة وإحباط، ولكننا كنا نشعر بأنه لو أننا مدعوون لتنفيذ إرادة الله هذه، فسنفعلها».

يرتبط هذا القبول والرضا بعقلية اليابانيين وطبيعتهم التي تقدر الانسجام والسلام، ومع العلم بأن هناك الكثير مما يمكن فعله لتحسين نوعية حياتنا، لكننا لا نرغب في التشتيت فقط. ففي مجتمع الشركات اليابانية، تعد ساعات العمل الطويلة هي القاعدة، وليس بيد الموظفين الكثير لفعله حيال تلك الضغوط، ولكنهم يقبلون ذلك بوصفه قاعدة مطبقة على الجميع، يحاولون الاستفادة منها لأقصى حد، ولكن بالنهاية قد لا يمكن للجميع الحفاظ على أدائهم الجيد لساعات طويلة، ووجود مبدأ «شيكاتا جا ناي» قد جعلهم راضين بضعفهم هذا.

Embed from Getty Images

يؤمن اليابانيون أيضًا في طريقهم لتحقيق الأهداف بأنه لا توجد حلول سريعة في الحياة، وأن أي شيء ذي قيمة حقيقية سوف يتطلب الكثير من النضال والمثابرة. وأن الأشخاص الناجحين يواجهون بعض الانتكاسات مثل أي شخص آخر، ونجاحهم فقط في أنهم لا يستسلمون ويواصلون المحاولة، ويرون التحديات فرصًا لا مصائب. فلا ينبغي لأحد أن يشتكي، أو يتصرف تصرفًا أنانيًّا، أو يبكي على ما كان يمكن أن يكون.

قد تكون هذه المشاعر طبيعية، لكنها ليست مفيدة لنفسك أو للآخرين؛ فمن ناحية أخرى يعزز البحث العلمي قوة هذه الأفكار، فتظهر الدراسات أن الأشخاص الذين أعربوا عن امتنانهم اليومي، شعروا بأثر إيجابي في حياتهم، وكانت علاقاتهم الاجتماعية أقوى، وتعاملوا تعاملًا أفضل مع الإجهاد والضغط، وهناك دراسات بحثية قامت بالفعل على أثر ذلك على اليابانيين وطول أعمارهم.

الزلزال الكبير 2011.. اهدأ سوف نتحمل المشقة معًا

في عام 2011، ضرب اليابان الزلزال الكبير ومعه إعصار تسونامي، وبعد الزلزال حدثت كارثة فوكوشيما، والتي تطورت بسبب الزلزال الذي نتج منه زيادة في النشاط الإشعاعي بالمفاعل. ولقد أودى ذلك بحياة 15 ألف إنسان، علاوة على تشريد مئات الآلاف من منازلهم خارج توهوكو، المنطقة الأكثر تضررًا من جراء الكارثة، فتركوها بانضباط وتحمل، مهما كان الوضع قاسيًا عليهم.

كان الزلزال بمثابة تذكير مروع بأن الرخاء والتطور لا يمكن أن يعزلا البلد عن بيئته الطبيعية، فقد تكرر هذا النمط المألوف في تاريخ اليابان، تنمية، ثم كارثة، ثم إعادة إعمار.

عندما دمر إعصار تسونامي اليابان في عام 2011، علق الكثير من المراقبين غير اليابانيين على الطريقة الروتينية التي استمر بها اليابانيون في حياتهم اليومية، مثالًا على الجانب الإيجابي من فكرة «شيكاتا جا ناي».

بعد هذه المأساة لجأ الكثير من اليابانيين إلى كتابة الشعر، وكان من بينهم أحد الناجين الذي كتب: «من الفراغ.. جاء تسونامي ضخم وجرف بيتي.. وجميع ممتلكاتي المادية.. عملت من أجلها لحياتي كلها.. وعندما ذهبت.. نظرت حولي.. وأدركت أنه لا تزال لدي عائلتي.. وأن هذا العام.. كان مليئًا بالنسمات والهواء العليل.. في أوائل الصيف».

في هذه الكلمات تتشكل روح «شيكاتا جا ناي»، وكيف يمكن للشعور بالخسارة الكاملة أن تولد وعيًا جميلًا بما تبقى لنا. فالحياة تستمر، ومن نجا من المأساة حي، اختار ألا يطحنه اليأس، في شهادة بالإيمان الدائم بالطبيعة ومآسيها.

Embed from Getty Images

الزلزال الكبير أضخم كارثة يابانية منذ الحرب العالمية الثانية

يحكي ستيفن مورفي، وهو طبيب نفسي مشارك في برنامج كلية الطب بجامعة «ستانفورد» في الصحة والأداء البشري، عن زيارته للمناطق التي دمرها تسونامي اليابان، وجرف أرواح سكانها في شمال شرق البلاد، ومقابلته رجلًا نجا من الإعصار، ولكن توفت زوجته وابنه الصغير، وعندما سأله ستيفن، كيف يعيش كل يوم؟ أجابه بأنه يستيقظ كل يوم مبتسمًا، يتذكر زوجته وابنه، ويشعر بخسارته، ويؤكد لنفسه بأن عليه العمل من أجل مصلحة الآخرين، فقد أحب ابنه هذا المجتمع، وعليه مساعدة هذا المجتمع بملء وسعه من أجل ابنه.

قد يرجع هذا الهدوء والصبر والسلوك المنظم لليابانيين في أعقاب الزلزال إلى طبيعة اليابان على الخريطة؛ فالشعور بالتعايش مع الطبيعة واحترام قراراتها يأتي من الزلازل المتكررة، والكوارث الطبيعية الأخرى التي مر بها اليابانيون منذ العصور الأولى، ومشاهدتهم -جيلًا بعد جيل- موت ذويهم، ومعاناة الأبرياء منهم، حتى أصبح اليابانيون متقبلين ومتفهمين عجزهم في مواجهة اضطرابات الطبيعة.

ربما هي اليابان وليست الطبيعة

لطالما يصيب المتعمق في الثقافات الآسيوية شعورًا بأنها متشابكة مع الطبيعة، بطريقة يصعب على غيرهم فهمها؛ فتشكل الفيضانات والأعاصير الاستوائية والأمواج المدية والرياح الموسمية والبراكين، جزءًا أساسيًا من النظام الطبيعي، تغذي الحياة وتطفئها في لحظة، وتجعل المخاطر حاضرة في الأذهان دومًا، حتى إنه من بعد الزلزال الكبير في 2011 ما زال هناك أناس يشعرون بأن الأرض ما زالت تهتز منذ ذلك الوقت، ولكن في النهاية، «شيكاتا جا ناي»، لا يمكن إيقاف ذلك.

فالوضع في اليابان هو الوضع نفسه في جميع أنحاء آسيا، ففي بنجلاديش في عام 1988، ترك الفيضان ثلثي البلاد تحت الماء، وفي عام 1991، قتل الإعصار 100 ألف شخص، ويؤدي ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى ارتفاع المحيطات وغلبتها على الجزر واختفاء بنجلاديش ببساطة في أي وقت.

أما الصين صاحبة الإرث التاريخي في الكوارث بالمنطقة، فقد سجلت مئات الآلاف من القتلى في الزلازل والفيضانات وتغيرات مسار الأنهار. وفي بداية الستينيات من القرن العشرين، قتلت المجاعة نحو 30 مليون صيني، وتعد أسوأ مجاعة في تاريخ العالم، وفي عام 1976، تسبب زلزال في مدينة تانغشان في شمال الصين في مقتل 240 ألف شخص.

رغم ذلك تختلف اليابان عن مثيلاتها في أنها قطعت شوطًا طويلًا بعيدًا عن جذورها بوصفها دولة تزرع الأرز ويعبد فلاحوها الطبيعة، حتى قبل قرن من الزمان عندما بدأت جهودها المحمومة للتحديث، وبنت ناطحات السحاب والجسور والطرق السريعة المضادة للزلازل، وطورت أجهزة رصد الزلازل بدلًا من العيش بانسجام مع غضبات الطبيعة.

يرى اليابانيون أنفسهم جزءًا من الطبيعة، مدمجين فيها، ورغم ذلك هي الدولة الصناعية المتطورة الوحيدة التي يحكمها إمبراطور من سلالة آلهة الشمس، وربما لا ينفصل ذلك عن واقعها كثيرًا، فاليوم يعيش 30 مليون ياباني في منطقة طوكيو، على صدع نشط يهددهم باستمرار، وأودى بالفعل بحياة 142 ألف شخص في زلزال طوكيو 1923.

تشويه الأسنان ولعق العين للتحية.. موضات «مجنونة» تستهوي الشباب في اليابان

اليابانبيرل هاربرتسوناميثقافةفلسفةمجتمعمنوعات

المصادر