تحتل اليابان مكانة مميزة عالميًّا في مجالات التصنيع والتكنولوجيا والتصدير، وهي واحد من أكبر الاقتصادات العالمية بشكل عام، ورغم أن التكنولوجيا اليابانية تملأ الأسواق العربية لدرجة أننا نعتبرها معيارًا للجودة، فإن القارئ العربي لا يعرف الكثير عن الحياة اليومية للمواطن الياباني الذي يقف وراءها، وخصوصًا العقائد التي يعتنقنها ويمارسها، وكيف أثرت في تشكيل تاريخ بلاده القومي وفي تطورها الاجتماعي وسياساتها الداخلية والخارجية، لذا سنطل معًا في هذا التقرير على ديانة «الشنتو» التي يعتنقها نحو 80% من اليابانيين.

والشنتو ديانة غريبة بالنسبة إلينا كعرب، إذ إن تصورنا عن الأديان متعلق بشكل كبير بالأديان السماوية التي تتمحور حول مفهوم معين للإله، وطريقة بعينها للوحي، وكتاب مقدس، ونبي مرسل وصحابة وحواريين، لكننا اليوم نتعرف على ديانة تخالف بشكل كامل مفاهيمنا الثابتة عن الأديان، فهل أنتم مستعدون للسير في «طريق الآلهة»؟

الشنتو والكامي والجزيرة المقدسة

فى مطلع العام الحالي اجتمعت مجموعة من المؤمنين بعقيدة الشنتو في حوض من الماء البارد درجة حرارته 5 مئوية بجزيرة «أوكينوشيما»، للصلاة والدعاء في هذه المياة المثلجة التي اعتبروها بمثابة تطهير للذنوب والآثام، من أجل القضاء على جائحة كورونا، وهو ما اعتُبر طقسًا غريبًا لمحاربة الجائحة. فما معنى الشنتو؟ وما موقعها في الحياة اليومية للشعب الياباني؟

ديانة الشنتو هي مجموعة المعتقدات والممارسات الدينية للسكان الأصليين في اليابان، واستُخدمت كلمة الشنتو، التي تعني حرفيًا «طريقة الكامي» (القوة المقدسة أو الإلهية) من أجل التمييز بين المعتقدات اليابانية الأصلية ونظيرتها البوذية، التي تم إدخالها إلى اليابان في القرن السادس الميلادي.

طقوس أتباع الشنتو اليابانية الغريبة في محاربة كورونا

وتتكون الشنتو من العقائد والممارسات الدينية اليابانية التقليدية، بالإضافة إلى المواقف الحياتية الحديثة التي تتوافق مع الممارسات القديمة، ويمكن ملاحظة ممارسات الشنتو بسهولة في الحياة الاجتماعية للشعب الياباني وفي دوافعهم الشخصية أكثر من كونها شكلًا لديانة مؤسسية، كما أنها لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنظام القيم الياباني وطرق التفكير والتصرف لدى غالبية الشعب، مما يجعلها أسلوب حياة أكثر من كونها ديانة بالمعنى المتعارف عليه للكلمة.

وفي معتقدات الشنتو هناك أماكن مقدسة أبرزها جزيرة «أوكينوشيما» في منتصف الطريق بين جزيرة «كيوشو» الرئيسية الجنوبية الغربية وشبه الجزيرة الكورية، وتبلغ مساحة الجزيرة 240 فدانًا، وبها يقع ضريح «أوكيتسو جو» وهو أحد أَضرحة الشنتو الرئيسية الثلاثة، وقد بُني في منتصف القرن السابع عشر، وقبل إنشائه اعتُبر محيطه المكاني بمثابة مكان لتقديس الـ«كامي».

مستوطنة «جومون» بمحافظة كاجوشيما، المصدر: بريتانيكا

وتعد أفضل ترجمة لكلمة الـ«كامي» هي «الأرواح»، لكن هذا قد يكون تبسيطًا لمفهوم معقد، إذ يمكن أن تكون «كامي» عناصر من المناظر الطبيعية أو قوى الطبيعة نفسها، فالكامي في مفهوم الشنتو قريبون من البشر، ويستجيبون لدعوات البشر، كما يمكنهم التأثير في مسار القوى الطبيعية، والأحداث، وحسب تقاليد الشنتو فإن هناك 8 ملايين كامي فى اليابان.

ويمكن أن يشير مصطلح كامي إلى كائنات أو إلى صفة تمتلكها الكائنات، لذلك تُستخدم الكلمة للإشارة إلى جوهر الوجود أو الوجود الموجود في كل شيء ، وإلى أشياء معينة تُظهر جوهر الوجود بطريقة مذهلة.

تاريخ وفلسفة

منذ 6 شهور
أتباعها أكثر من 5 ملايين.. هل تجد الكونفوشية الصينية طريقها لحكم العالم؟

ولأن المفهوم لا يمكن تحديده بدقة، فقد تسبب في كثير من الارتباك حتى بين اليابانيين أنفسهم، فقد قدر عالم لاهوت الشنتو «أويدا كنجي» أن حوالي 65% من الطلاب الملتحقين بالجامعة عام 1990 يربطون بين مفهوم الكامي الياباني والمفهوم الغربي للكيان كلي القدرة.

وغالبًا ما توصف كامي بأنها كائنات إلهية (أرواح أو آلهة)، لكن كامي لا تشبه إلى حد كبير آلهة الديانات الأخرى، فهي ليست آلهة متعالية، وليست كلية القدرة وليست مثالية وهي في جوهرها مجرد مظهر من مظاهر طاقة الحياة، وهي تعيش في عالم البشر والطبيعة، وتشمل الأرواح التي تسكن الكائنات وعناصر الطبيعة كالجبال والبحيرات والعواصف والزلازل وكذلك البشر الذين أصبحوا كامي بعد وفاتهم.

مما سبق يمكننا فهم قدسية جزيرة «أوكينوشيما» لدى اليابانيين، إذ تتجسد فيها «كامي» حسب معتقدات «الشنتو» وقد دخلت عام 2017 ضمن مواقع اليونسكو للتراث العالمي، مما دفع رئيس كهنة الشنتو في الجزيرة الكاهن «تاكيوكي أشيزو» لأن يعرب عن تخوفه من تدنيس قدسية الجزيرة بقدوم الأفواج السياحية لزيارتها، ورغم السماح لبعض السياح بزيارتها، فإنه لا يُسمح للنساء بزيارتها أبدًا، لسبب لم يُعلن عنه حتى الآن، لكن إحدى النظريات تؤكد أن دم الحيض «نجس» حسب بعض معتقدات الشنتو، وبالتالي هو السبب في منع النساء من دخول الجزيرة.

جزيرة أوكينوشيما

ويسمح لـ 200 رجل بالغ فقط بزيارة الجزيرة مرة واحدة في 27 مايو (آذار) من كل عام، تكريمًا لذكرى البحارة اليابانيين الذين سقطوا فى الحرب الروسية اليابانية 1904 – 1905، وحسب معتقدات الشنتو، يجب على الزوار أن يتطهروا من ذنوبهم بخلع ملابسهم والاستحمام عراة في مياه البحر، ولا يُسمح بأخذ أي تذكارات من أي نوع من الجزيرة، حتى لو كانت حفنة من الرمال أو غصن شجرة.

والجزيرة موطن لمجموعة ضخمة من القطع الأثرية التي تشهد على أهميتها باعتبارها مركزًا مبكرًا للتبادل الدولي تاريخيًا، إذ جرى اكتشاف ما يقرب من 80 ألف قطعة أثرية تعتبر كنوزًا وطنية في الجزيرة، بما في ذلك مرايا من أسرة «وي» الصينية، وخواتم ذهبية من شبه الجزيرة الكورية وأجزاء من وعاء زجاجي من بلاد فارس.

تمارسها الأغلبية ولا تعترف بها أحيانًا

تكمن أهمية الشنتو بالنسبة للعديد من اليابانيين في حفاظها على صلات قوية بين اليابان الحديثة وتاريخها القديم، وقد وُجد في السجلات التاريخية المسماة بـ«كوجيكي» و«نيهون شوكي» وكلاهما من أقدم النصوص الدينية والحوليات التاريخية اليابانية، ذكر لممارسات الشنتو لأول مرة منذ القرن الثامن الميلادي، ومع ذلك، لا تشير الكتابات اليابانية المبكرة إلى ديانة موحدة، بل إلى مجموعة من المعتقدات المحلية والأساطير، وقد تغيرت كثيرًا حتى أن الشنتو في القرن الحادي والعشرين أصبحت مقتصرة على زيارة الأضرحة العامة المكرسة لعبادة العديد من الآلهة والاحتفال بالمهرجانات المختلفة وإنشاء النصب التذكارية.

ويُعبِّر المؤمنون بالشنتو عن معتقداتهم المتنوعة من خلال لغة و طقوس بعينها، ويتبنون أسلوبًا مشابهًا في اللباس والطقوس لتلك التي يرجع تاريخها إلى حقبتي «نارا» (710-784) و«هايان» (794 – 1185) ورغم أن الشنتو تعد ديانة الأغلبية في اليابان فإن الكثير من أتباعها وممارسيها يرفضون توصيف أنفسهم بكونهم مؤمنين بها في الاستبيانات والمسوح الاجتماعية، وذلك لاعتقادهم بأن الشنتو أقرب لطريقة حياة من كونها «دين» وكذلك لأن بعضهم يمارس الشنتو والبوذية معًا.

وفي إحصائية حديثة أجرتها وكالة الشئون الثقافية، وهي جزء من وزارة التعليم اليابانية، عام 2018، صنّف 69% من المشاركين أنفسهم باعتبارهم من الشنتو، وهي أعلى نسبة سُجلت منذ الحرب العالمية الثانية، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك العديد من اليابانيين يمارسون الشنتو والبوذية معًا.

 استبيان وكالة الشئون الثقافية اليابانية، المصدر: ويكيبيديا

ومن الصعب الإحاطة بالشنتو من خلال تعريف مختصر واحد، وذلك لأن الديانة ترجع في أصولها إلى الماضي غير المدون للمستوطنين الأوائل الذين جاءوا إلى الأرخبيل الياباني وعاشوا هناك، وتعد ثقافة «جومون» (في العصر الحجري الحديث) حوالي (14.000 – 300 ق.م) بمثابة فترة ما قبل التاريخ اليابانية، وقد شهدت الشنتو تغيرات كثيرة منذ ذلك الحين، ويصعب تتبع بدايات الشنتو في تلك الفترة نظرًا لعدم توافر وثائق مكتوبة.

قداسة في حضن الطبيعة

في الأزمنة القديمة جرى الاعتقاد بين اليابانيين القدماء بأن الكامي تعيش في الأماكن النائية المنعزلة، وأنها تزور الإنسان في مناسبات معينة، وحينذاك كان اليابانيون عندما يقترب موعد إجراء طقس مقدس يعزلون بقعة من الأرض عن محيطها ويرسمون حدودها بحبل من قش يفصلها باعتبارها بقعة مقدسة عن محيطها الدنيوي، وبعد رسم الدائرة المغلقة يغرسون في وسطها غصنًا تم انتزعاه من شجرة مقدسة، ومن ثم يبدأون في التضرع للكامي، ومن هذا التقليد القديم ظهرت أشكال المقامات اليابانية الحالية التي تتخذ شكل بيت سكني حتى الآن.

غير أن فهم اليابانين للبقعة المقدسة يتجاوز ساحة المقام نفسه ليطال البيئة المحيطة به، وهناك العديد من المقامات التي تتواجد في أحضان الطبيعة بعيدًا عن الأماكن المأهولة، كأن تكون على جبل أو قرب شلال ماء أو على جزيرة نائية، ففي مثل هذه البيئة فإن الطبيعة نفسها تعتبرًا رمزًا للكامي.

وفي الأحوال التى زحف فيها العمران الحديث فأحاط بمقام قديم، أو تم بناء مقام حديث ضمن منطقة سكنية، لا بد للطبيعة أن تكون حاضرة في المكان من خلال اصطناع هيئات طبيعية مصغرة داخل النطاق المقدس أو حوله، كبحيرة صناعية محاطة بتلال مصغرة من أجل تحقيق الإيحاء بجمال الطبيعة، وقد تكون هذه الأهمية المعطاة للطبيعة ومظاهرها هي مفتاح فهم استشعار اليابانيين لقرون مديدة خلت بأن التوحد مع الكامي في أعلى درجاته لا يكون سوى في أحضان الطبيعة.

تتعامل عقيدة الشنتو مع الطبيعة بقداسة

ولقد كان لهذا الإعلاء من شأن تقديس الطبيعية والبساطة تأثيره في طريقة بناء المقام الشنتوي، فالطريقة الغالبة هي استخدام الخشب الطبيعي غير المصقول مع تجنب المبالغة في الزخرفة والديكورات، ولدينا مقامان مهمان يعبران عن هذه الطريقة البسيطة وهما مقام «إيسي» الكبير ومقام «إيزومو» الكبير، غير أن المؤثرات الخارجية مثل مفهوم «اليانج – ين» (الجنة) ومفاهيم البوذية والكونفوشية قد أدخلت بعض التعديلات على شكل المقام الشنتوي، كظهور الطلاء الملون والرسوم المحفورة ضمن ديكورات بعض المقامات.

والمقامات الدينية في اليابان ليست مجرد مكان للعبادة أو لحفظ رماد الأموات من الأسلاف، بل إنها بأرضيتها الرئيسية والأجنحة الملحقة بها، بمثابة مكان لتبجيل الكامي، ولذا فإنها بقعة مقدسة، فإذا كان اعتقاد الشنتو ينص على أن الكامي قد تتخذ هيئة إنسانية، فمن الممكن اعتبار المقام بمثابة مسكن لإقامتها.

تطهير داخلي وخارجي.. وقرابين

حسب معتقدات الشنتو، فإن الكامي تجدد قواها في مطلع كل سنة جديدة، ومن ثمّ يجب هدم المقامات القديمة وإعادة بنائها، ونظرًا لكلفتها المالية الباهظة فقد جرت أعمال التجديد على فترات منتظمة، واختفت هذه العادة مؤخرًا في اليابان، إلا أنها بقيت سارية في مقام «إيسي» الذي يعاد بناؤه مرة كل 20 سنة.

وتُعلي الشنتو من الخبرة الداخلية الصوفية، وبالتالي فإنها تعطي الأهمية الأولى للطقوس ذات الطابع السري الصوفي، ويمكننا تمييز ثلاث مجموعات من الطقوس التي تُمارس فى المقام الشنتوي: الأولى والثانية تندرجان تحت عنوان «التطهير» وهي ممارسة ذات جانبين: أحدهما خارجي متعلق بتطهير الجسد، وثانيهما داخلي وهو استعادة نقاء القلب.

وضمن ممارسات التطهير الخارجي تجنب أكل طعام غير مطبوخ على نار لم يتم تطهيرها عبر الطقوس قبل استخدامها، وكذلك غمر كامل الجسد بماء البحر أو النهر، ولصعوبة أداء هذه السلسلة الطويلة من الطقوس على الأغلبية، فقد جرت العادة، خاصة في الاحتفالات الكبرى، أن تقوم كل أسرة بالإنابة عن بقية الأسر في منطقتها بتأدية الطقوس التمهيدية في المقام، وهي عادة ما زالت متبعة في المناطق الريفية.

وتتضمن الطقوس التمهيدية محرمات تتعلق بالدم الجاري وبالموت، فالنساء الحائضات وكذلك الأشخاص الذين وقعت في بيوتهم حادثة موت قريبة العهد، مستثنون من أداء طقوس المقام، ونتيجة للتغيرات الاجتماعية والتطور المدني السريع في اليابان، فإن طقوس المقام التمهيدية أصبحت الآن تمارس معظمها من قبل الكهنة نيابة عن الجميع، أما الزوار العاديون فيكتفون بالغسل الرمزي للفم واليدين قبل زيارة المقام.

والمجموعة الثالثة والأخيرة من طقوس المقام الشنتوي تتضمن طقسًا تطهيريًّا يقوم به الكاهن عبر تمرير عصاه فوق المتعبدين أو الشيء الذي يراد تطهيره، في إشارة رمزية مكثفة إلى إحداث التطهير الداخلي من كل تلوث وخطيئة.

وبعد إجراء التطهير الداخلي والخارجي يصبح المتعبدون مهيئين لطقس القربان، فيبدأون بتقديم أغصان شجرة السكاكي المقدسة، وهي إحدى الأشجار دائمة الخضرة في إشارة رمزية إلى تقديم بشائر الثمار، وفي اليابان المعاصرة يقدم الزوار الأرز ومشروب الساكي وغيرهما من المنتجات بوصفها قرابين، وهذه الاحتفالات الدينية بمثابة تكريم ضيف مبجل، وإلى جانب ذلك يرقص المحتفلون وينشدون أمام شجرة السكاكي، مع إبداء كل توقير وامتنان متوسلين من أجل الحماية والبركة، متعهدين بالخضوع للمشيئة الإلهية والاجتهاد في الحياة.

شنتو الدولة والإله «المهزوم»!

ضمن أشكال الشنتو هناك ممارسة تقام طقوسها على أرواح الأباطرة الأسلاف وتمارس هذه الطقوس داخل المؤسسات الإمبراطورية، إذ يقوم الإمبراطور نفسه ببعض الشعائر المغرقة في القدم، والتي لم يطرأ عليها تغيير يُذكر، ورغم ما تحمله من أهمية بالنسبة للديانة فإنها غير متاحة للجمهور.

وقد طورت أسرة «ميجي» الحاكمة (1868-1912 م) مفهوم «شنتو الدولة» عام 1868 في إطار سعيها لتحديث اليابان وتقوية دعائم وجودها من خلال توضيح الهوية القومية والثقافية المميزة للشعب، وعزمت الأسرة على إدماج الشنتو في هيكلية السلطة، عن طريق إعطاء كهنة الشنتو ومؤسساتها مزايا ودعم مالي، واتخذت إجراءات تهدف إلى الفصل بين الشنتو والبوذية وإعادة إحياء هيئة الشنتو القديمة، كما عينت موظفين مخصصين لشؤون الدعاية.

وفي هذا السياق، جرى وضع حدود شنتو الدولة باعتبارها مؤسسة حكومية، وكان كهنتها بمثابة موظفين حكوميين، ومع ذلك لم تكن شنتو الدولة دينًا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، لأن تلك القيم التي كانت تسعى لغرسها تمثلت في التوجيه الأخلاقي وليس في التعاليم الدينية.

وفي الوقت الذي كانت أسرة ميجي ترسخ لشنتو الدولة، اضطرت بضغط من الحكومات الأوروبية، منح الحرية الدينية لكافة رعاياها «ضمن الحدود التي لا تعكر الأمن والنظام ولا تتعارض مع واجباتهم بوصفهم رعايا للدولة» حسب دستور ميجي الفقرة رقم 28، وكان هذا يعني ضمنيًا أن تشكيل الجماعات الدينية يتطلب موافقة الدولة.

ومن خلال شنتو الدولة، صارت الهوية القومية تتمثل في الولاء للإمبراطور الذي كان بمثابة الأساس الرسمي للنظام، وكان هذا الولاء هو المعيار المستخدم للحكم على التنظيمات الدينية، وقد حافظت الدولة في اليابان على هذه السياسة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

فخلال الثلاثينيات من القرن العشرين، كان هناك كهنة شنتو يقولون إن الإمبراطور هو «أكيتسو ميكامي» (الإله الظاهر) وأنه إنسان تجسدت فيه الكامي، وإن كان ليس كلي القدرة أو المعرفة، وبالتالي أصبحت المكانة الإلهية للإمبراطور مفهومًا عامًا، خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أنها كانت بمثابة حجر الأساس في فهم اليابانيين لأنفسهم بوصفهم أمة عوضًا عن كونها حقيقة دينية.

لكن بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وسقوط قنبلتي هيروشيما ونجازاكي الذريتين، سقطت البلاد تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية لأول مرة في تاريخها لمدة سبع سنوات، وأرسلت قوات الاحتلال الأمريكي طلبًا رسميًا في 1 يناير (كانون الثاني) 1947 للإمبراطور الياباني «هيروهيتو» بأن يتخلى عن ألوهيته، ووافق الإمبراطور على هذا الطلب، لكنه استمر في ادعاء النسب المباشر من «أماتيراسو» إلهة الشمس اليابانية وكذلك حافظ على الوضع الكهنوتي الذي منحه إياه هذا الميراث.

وبمجرد تخليه عن الألوهية لم تعد وظائف الإمبراطور الطقسية مهامًا وطنية كما كانت في السابق بقدر ما كانت طقوس شنتو خاصة مصممة للحفاظ على الحظ الجيد للدولة واستمرارية النسل الإمبراطوري الحاكم، واليابان حتى اليوم تعتز بالإمبراطور، حتى أنه في العام 2000 صرح رئيس الوزراء الياباني يوشيرو موري بأن اليابان «دولة مقدسة متمحورة حول الإمبراطور».

– الإمبراطور هيروهيتو بجوار قائد القوات الأمريكية الجنرال دوجلاس ماك أرثر 1946، المصدر: الموقع الرسمي للجيش الأمريكي

كان على اليابان المهزومة في الحرب، والمحتلة لأول مرة في تاريخها، إعادة التفكير في طريقة حياتها القديمة، واختارت الدولة الدخول في العالم المعاصر لتصبح قوة اقتصادية عظمى وحليفًا إستراتيجيًا للولايات المتحدة (عدوة الأمس) إلا أنها أبقت على النظام الإمبراطوري ليس لأنه يمثل فقط ديانة الشنتو، وإنما لأنه هوية اليابان القومية التي ميزتها عن باقي الشعوب، وجعلت من حاكمها ابنًا للشمس في بلد تُلقب بأرض الشمس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد