يوم بعد آخر تتحول الآثار الاقتصادية لجائحة كورونا من مجرد تحليلات نظرية إلى واقع يومي ملموس. لذلك وسط أوركسترا العزف لمحاصرة الفيروس بدأت نغمة جديدة في الظهور، خافتة في البداية، ثم ارتفعت؛ حتى باتت مطلبًا رسميًا؛ نغمة التعويضات. المواطنون يطالبون حكوماتهم بتعويضهم عن خسائرهم المادية جراء التزامهم بقرارات الحجر المنزلي وحظر التجول. ثم ارتفعت النغمة أكثر فصارت الحكومات تهمس بضرورة قيام الصين بدورٍ ما في تحمل التبعات الاقتصادية الكارثية التي سببها «الفيروس الصيني».

زادت حدة النغمة حين قررت الولايات المتحدة الدخول ضمن الأوركسترا. مجموعة «بيرمان» إحدى شركات المحاماة الكبرى في الولايات المتحدة رفعت دعوى قضائية ضد الصين. الدعوى تتضمن طلبًا بإدانة الصين باعتبارها متسبب في انهيار الاقتصاد العالمي لإخفائها معلومات عن حقيقة وخطورة الفيروس الذي رصدته على أرضها. إذ أشارت الدراسات أعداد مصابي كورونا كان لينخفض بنسبة 95% إذا أعلنت عنه الصين مبكرًا بثلاثة أسابيع فقط.

خطوة الولايات المتحدة شجعت المجتمع الدولي على أن يتبع خطاها، بلغ إجمالي التعويضات المطلوبة من الصين 3.2 تريليون جنيه استرليني. قيمة التعويضات سوف تزداد بالطبع كلما طال أمد الأزمة، إذ إن مبلغ 3.2 تريليون جنيه استيرلني جرى تحديده باعتباره قيمة ما تكلَّفته حكومات الولايات المتحدة، وبريطانيا، وبعض دول آسيا جراء بقاء مواطنيها في منازلهم، إضافةً إلى ما أنفقته كمنح لهم من أجل تشجيعهم على البقاء في المنازل.

بجانب الولايات المتحدة التي تُعتبر عازفًا رئيسًا؛ توجد بقية الدول السبع الصناعية الكبرى، بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وكندا، التي يمكن اعتبارهم عازفين أقل رتبة في أوركسترا المطالبة بالتعويضات. إلى جانب العازفين السبعة بدأت جوقة من المواطنين تغني مع الحكومات على نفس النغمة. على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» تصدّر وسم (#ChinaMustPay) للمطالبة بفكرة الدعاوي القضائية نفسها. المختلف قليلًا أن الوسم كان أقل حياديةً وأكثر عنصرية، فالتركيز فيه كان على «قذارة الشعب الصيني»، و«جموح العادات الصينية الغريبة».

إذًا تربط الحكومات الفيروس بالحكومة الصينية، ويربطه المواطنون على «تويتر» بالشعب الصيني، فالفيروس صار «فيروسًا صينيًا» في الرواية الرسمية والشعبية، وبات المواطنون يتشاورون حول قيمة التعويضات التي يجب أن تدفعها الصين. لكن السؤال عن قيمة التعويضات وكيفية الحصول عليها من الصين لا بد أن يسبقه سؤال آخر، هل الصين ملزمة بدفع تعويضات للعالم؟ أو ما الأسانيد القانونية التي قامت على أساسها الدعاوى القضائية الدولية؟

من يقاضي من؟ القانون الدولي للأمراض المعدية لا يجيبك

العديد من المعاهدات الصحية بين الدول تناولت احتمالية تفشي وباء عالمي ينتقل من دولة إلى أخرى، لكن لا توجد معاهدة واحدة من تلك المعاهدات تنص على أن تدفع الدولة مصدر الوباء تعويضًا للدول الأخرى. معظم تلك المعاهدات تعود للقرن التاسع عشر، لكن حتى المعاهدة المعاصرة التي وُقعت عام 2005؛ معاهدة اللوائح الصحية الدولية، لا تنص على ذلك أيضًا. الأمر ليس غريبًا في عالم الاتفاقيات الصحيّة، فمعظم المعاهدات لا تتضمن بنودًا تتحدث عما إذا كان انتهاك بنودها يتيح للدول المتضررة المطالبة بتعويض مادي عن تلك الأضرار.

حسنًا دعنا ننظر للأمر من منظور أوسع، هناك ما يُعرف بالقانون الدولي العرفي، القانون العُرفي عبارة عن مجموعة من القواعد غير المدّونة بشكل رسمي، والمُستمدة من ممارسات عامة تم قبولها بشكل واسع لتصبح كأنها قانون. أحد بنود ذلك القانون هو قاعدة مُتعارف عليها تقول «على الدولة التي تنتهك القانون الدولي أن تلتزم بالتعويض الكامل عن الضرر الناجم من انتهاكها». المحامون الأمريكيون استندوا لهذا المبدأ، إلى جانب أمور أخرى كعدم شفافية الصين مع العالم، وتضليلها لمنظمة الصحة العالمية.

لكن على مدار التاريخ، وعلى مدار العدد الكبير من الأوبئة التي تعرضت لها البشرية، لم تدخل تلك القاعدة العرفية حيز التنفيذ أبدًا. حتى إذا حدث سجال لفظي أو حرب كلامية بين الدول عن كون إحداها هى المسئولة عن تفاقم أزمة وبائية ما، فإن أية دولة لم تسعَ بجدية للحصول على تعويضات مادية. حتى لو توافرت الشروط الأخرى التي وضعها المحامون الأمريكيون، مثل انتهاك قوانين الشفافية أو الامتناع عن اتخاذ تدابير وقائية مبكرة.

عدم السعي ليس حبًا بقدر ما هو أنانية، فإذا كان السيف على رقبة الصين عام 2020 فقد يكون على رقبة الولايات المتحدة عام 2021. مثلًا وباء الإنفلونزا الذي تفشى عام 1918 يُعتبر غير واضح المصدر حتى الآن، لكن اسم الولايات المتحدة ضمن قائمة دول المنشأ المحتملة. كما أن فيروس إنفلونزا الخنازير «إتش 1 إن 1» الذي تفشى عام 2009 سُجلت أولى حالاته في الولايات المتحدة الأمريكية. فإذا سعت الولايات المتحدة لمقاضاة الصين اليوم، فإنها سوف تسمح للعالم بمقاضاتها عن الماضي المؤكد والمستقبل المحتمل.

كذلك فإن الصين قد أبلغت العالم بالفعل، فلماذا لم تحتط الدول فور الإعلان؟ هنا سوف يصبح من الصعب فصل الضرر الناتج عن تأخر الصين في الإبلاغ والضرر الناتج عن تأخر الدولة ذاتها في اتخاذ التدابير الوقائية. فإذا سلّمت المحاكم الدولية بمسئولية الصين عن تفشي الفيروس، فلا يمكن لها أن تُسلّم أن مبالغ التعويض يجب أن تُقدر بالتريليون؛ لأن الخسائر جزء منها سببه الفيروس، والجزء الآخر سببه برود بعض الدول في التعاطي مع الأزمة. وأيضًا إشادة منظمة الصحة العالمية بدور الصين في مكافحة الفيروس، سيجعل ملاحقة الصين قضائيًا هو طعن في منظمة الصحة في الوقت ذاته.

الولايات المتحدة تطهو قضايا التعويضات على نار هادئة

أسباب كثيرة تُرجح كفة أن لا يتعدى الحديث عن مقاضاة الصين مجرد الحديث، لكن ماذا لو لم يكن مجرد حديث، واتخذت الأحداث منعطفًا أكثر جدية. حتى لو وُضعت القضية أمام محكمة دولية فغالبًا ما تتم الملاحقات الدولية من أجل التعويضات على نارٍ هادئة، فالهدف ليس المال بقدر ما هو الابتزاز، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 تُعد مثالًا جيدًا. منذ وقوع تفجير برج التجارة العالمي في الولايات المتحدة ومطالبات الكونجرس لا تهدأ بضرورة مقاضاة السعودية. التقارير الأمريكية تقول إن السعودية دعمت «تنظيم القاعدة» منذ سنوات طويلة، ذلك الدعم الماضي كان سببًا في قوة شوكة التنظيم، ومن ثم قيامه بحادثة عام 2001.

من أجل فتح الباب لمقاضاة السعودية مرر الكونجرس تعديلًا لقانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، المعروف اختصارًا باسم «جاستا» حتى يصبح بمقدور أهالي الضحايا والمصابين مقاضاة أية دولة يثبت رعايتها للإرهابين. وقد مُرر القانون بأغلبية أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، بالرغم من استخدام باراك أوباما، الرئيس الأمريكي آنذاك، حق النقض (الفيتو) بشكل صريح ضد القانون.

لكن على جانب آخر، وبالرغم من تمرير القانون، إلا أن أهل الضحايا لا يستطيعون مقاضاة السعودية؛ نظرًا لأن تحقيقات الاستخبارات الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي نفت «تورط كبار المسئولين السعوديين، أو جهات حكومية سعودية، في تمويل تنظيم القاعدة».

أوباما يستخدم حق النقض ضد قانون «جاستا»:

تلك الصيغة لا تنفي تورط السعودية بشكل قاطع، فربما يوجد تواطؤ على مستوى صغار المسئولين أو جهات أهلية سعودية. الإجابة القاطعة تحتفظ بها الولايات المتحدة في 28 ورقة مفروض عليها السرية منذ 15 عامًا، ولم يُعلن عنها حتى الآن. الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، وخلفه أوباما، رفضوا الإفصاح عن هذه الأوراق بحجة أنها سوف تكشف معلومات هامة لا يجب الإفصاح عنها. بتلك الورقات المعدودة وبالقانون الذي مرّ تناور الولايات المتحدة السعودية كل حين، فتهدد السعودية بسحب اسثتماراتها البالغة 750 مليار دولار حينًا، وترضخ لمطالب الولايات المتحدة أحيانًا كثيرة.

بهذه الطريقة الهادئة خاضت الولايات المتحدة حربًا بلغت 18 عامًا حتى الآن مع السعودية في حادثة أثرت بشكل مباشر على ضحايا أمريكيين، ووضعت قوة الولايات المتحدة واستخباراتها موضع شك أمام العالم أجمع، ومن قبل العالم – في موضع شك – أمام المواطن الأمريكي. فكيف يُتوقع منها المسارعة في اتخاذ إجراء فعلي ضد الصين في جريمة لا تتوافر الأدلة الكافية لإثباتها، وإذا توافرت فبذلك تصنع الولايات المتحدة ورفاقها الدوليون مقصلةً لا يأمن أيّ منهم أن يوضع تحتها يومًا ما.

«جاستا مضاد».. الولايات المتحدة لم تعتذر عن الكثير

الولايات المتحدة هي العازف الرئيس في أوركسترا المطالبة بالتعويضات من الصين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو أول من أصر على استخدام مصطلح «الفيروس الصيني»، كذلك يعد من القادة المبادرين للحديث عن ضرورة دفع الصين تعويضات ضخمة عن الفيروس الذي نقلته للعالم. كل تلك الأسباب تفرض على عقلك سؤالًا بديهيًا: ألم تقم الولايات المتحدة شخصيًا بأية جرائم في حق الدول الأخرى تستدعي الاعتذار والتعويض؟ وإذا كانت قد فعلت، فهل قدّمت تعويضات لهم؟

الإجابة على السؤال الأول، بلى، قامت الولايات المتحدة بجرائم عدة تستدعي الاعتذار والتعويض. أما إجابة السؤال الثاني، فلا.

جرائم أمريكا غير المخفية

على رأس ما لم تعتذر عنه الولايات المتحدة إلقاؤها القنبلة النووية على اليابان، فحتى اليوم لم يحصل اليابان على اعتذار رسمي، أو تعويضات مادية، أو معنوية عن مقتل 150 ألف شخص بقنبلة واحدة. بعد اليابان توجد فيتنام وجريمة رش مناطق في فيتنام وكمبوديا بقرابة 48 مليون لتر من مبيد الأعشاب السام المعروف باسم «العامل البرتقالي». أرادت الولايات المتحدة بذلك إبادة النباتات التي يختبئ فيها مقاومو فيتنام، وإبادة المحاصيل الزراعية التي يتغذّون عليها. ويُقدر الصليب الأحمر الفيتنامي أن حوالي مليون شخص في فيتنام يعانون اليوم من الإعاقة، أو مشاكل صحية، بسبب التعرض لهذا المبيد السام بكثافة.

كذلك كشفت وثائق أمريكية أُفصح عنها أن انقلاب عام 1953 في إيران على رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق تم وفقًا لخطة أمريكية. الاستخبارات الأمريكية المركزية اعترفت رسميًا أن الانقلاب تم كجزء من أعمال السياسة الخارجية الأمريكية، وتمت الموافقة عليه من قبل أعلى المسئولين في الحكومة الأمريكية. وبالرغم من الضلوع الرسمي والمُثبت لم تعتذر الولايات المتحدة عن تلك الجريمة. قِس على انقلاب إيران عديد الانقلابات التي تقف الولايات المتحدة وراءها بصورة واضحة متدخلةً في شئون الدول المختلفة دون مبالاة بقواعد الدبلوماسية، أو بسيادة الدول، أو حق الشعوب في تقرير مصيرها.

تقرير عن جرائم أمريكا الخفية في حرب فيتنام:

إحدى اللحظات النادرة للسياسة الأمريكية كانت عام 1996، في تلك اللحظة دفعت الولايات المتحدة تعويضًا قدره 60 مليون دولار لأسر ضحايا الطائرة الإيرانية 655، ودفعت 130 مليون دولار للحكومة الإيرانية. الطائرة المدنية أسقطها صاروخا أرض – جو أطلقتهما المدمرة الأمريكية «فينسين» عام 1988 وقتلت 290 راكبًا كانوا على متنها، لكن حتى في تلك اللحظة قال جورج بوش، نائب الرئيس آنذاك، «لن نعتذر أبدًا عن الولايات المتحدة، ولا تهمنا الحقائق»، فدفعت الولايات المتحدة الأموال فقط لتشتري كبرياءها وتحفظ نفسها من الاعتذار.

التعويض المادي سوف يضع ذهنك في إشكالية، ألا يعني ذلك اعتذارًا ضمنيًا واعترافًا بالخطأ، خاصة أن 190 مليون دولار لا يبدو مبلغًا صغيرًا؟ الإجابة تجدها في صُحف 3 مايو (آيار) 2018، في تلك الصحف سوف تجد خبرًا يقول إن محكمة أمريكية قضت بإلزام إيران بدفع 6 مليار دولار كتعويض لأقارب بعض ضحايا أحداث 11 سبتمبر 2001.  التعويض جاء بعد أن وجدت المحكمة أن البنك الإيراني المركزي، والحرس الثوري، وحكومة إيران، مسئولين بصورةٍ ما عن أحداث سبتمبر. وتم تحديد التعويضات بحوالي 12.5 مليون دولار للزوج أو الزوجة، و8.5 مليون دولار للوالدين، و8.5 مليون دولار لكل طفل، و4.25 مليون دولار لكل شقيق، ويحق للمدعين طلب تعويضات تأديبية في وقت لاحق.

إذًا مقارنة بـ6 مليارات دولار يصبح رقم 190 مليونًا، منهم 60 مليون فقط للضحايا، ضئيلًا للغاية. يزداد ضآلةً حين يتضح أنه لم يكن مشفوعًا باعتذار رسمي عن تلك الجريمة. كذلك لم تعتذر الولايات المتحدة عن جريمة قتلها 150 طالبًا في مدرسة في قندوز شمال أفغانستان، الغارة الأمريكية نُفذت وقت احتفال 100 طالب أفغاني يرافقهم ذووهم بإتمامهم حفظ القرآن الكريم. لم تكتف الولايات المتحدة بعدم الاعتذار فحسب، بل خرجت لتؤكد أن الحفل لم يكن سوى اجتماع لجماعة «طالبان».

دولي

منذ 6 شهور
كيف تستغل الصين «دبلوماسية الكمامات» للاستحواذ على «نفوذ ما بعد كورونا»؟

هكذا تُرسخ الولايات المتحدة صورتها العالمية كدولة كبرى لا تعتذر عن أخطائها أبدًا، لكنها في الوقت ذاته لا تتوقف عن ملاحقة أية دولة أخرى مهما كان اقتصادها طلبًا للاعتذار، وما يرافقه من تعويضات مادية، أو تنازلات سياديّة في مجالات متعددة.

المصادر

تحميل المزيد