إن من السهل إدراك أنه ما من جدوى من تقديم الغرب مليارات الدولارات لدعم عملية إعادة إعمار قطاع غزة إذا ما تعرض القطاع للتدمير ثانية. لكن مثل هذا الاستنتاج لا يتمتع بالبصيرة الكافية.

إن ثمة عبثًا كثيرًا يصاحب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: تطلق حماس وغيرها من الفصائل الصواريخ على إسرائيل، فترد إسرائيل بقصف جوي واجتياح بري، فيتم تدمير الأحياء وقتل ربما المئات بل وحتى الآلاف، ثم يعقد مؤتمر للمانحين لجمع التبرعات لإعادة إعمار القطاع المدمر.

وفي قلب هذه الدائرة المرعبة من الأحداث، يحاول 1.8 مليون فلسطيني النجاة. ولا يتأتى ذلك دون مساعدة من شركاء خارجيين مخلصين، بمن فيهم الاتحاد الأوروبي. وإذا استطاع الاتحاد الأوروبي الجمع بين المساعدات المالية والضغط السياسي على طرفي الصراع لمواصلة تحقيق التقدم في المفاوضات، يمكن للاتحاد الأوروبي إحداث تأثير حقيقي على مجرى الصراع.

إن البديل أمام أوروبا هو أن تنسحب بشكل جماعي ولكن هذا سيكون اعترافًا بالهزيمة. فلم يفعل الاتحاد الأوروبي هذا مع دول جنوب المتوسط أو مع شركائه في شرق أوروبا، لذا فليس عليه فعل ذلك مع غزة.

إن وجود دولة فلسطينية مستقلة شعبها مثقف ومنفتح على التجارة سيوفر شريكًا محتملاً للاتحاد الأوروبي. لذا يمكن للأوروبيين لعب دور في تحقيق ذلك إلى جانب الولايات المتحدة والدول العربية.

ليس من الصعب إجابة سؤالنا الرئيس: كل ما نحتاجه هو نفض الغبار عن ردود الفعل في الماضي وتغيير التواريخ. فبعد حرب عام 2009، تقول الكاتبة إنها وبمعاونة ميتشيل دان كتبا مقالاً قالا فيه: “إذا تدخلنا الآن مجددًا لإعادة الإعمار دون وجود استراتيجية سياسية مصاحبة، قد نجد أنفسنا نعيد الكرة بعد عام أو اثنين”.

لم يكن الأمر بحاجة للاستعانة بنوستراداموس للتنبؤ بتجدد القتال ولسنا بحاجة ذلك الآن. لقد حان الوقت لنطرح سؤالاً مغايرًا “هل يمكن للاتحاد الأوروبي تبني قضية السلام في الشرق الأوسط؟”

ما من شك أن على أوروبا المساهمة في إعادة إعمار غزة لسببين: أولاً، بسبب الواجب الإنساني الذي يقتضي مساعدة آلاف المشردين بسبب الحرب الأخيرة. وثانيًا، المصلحة الشخصية. فغزة ليست منطقة نائية يمكن لأوروبا تجاهلها، فهي ميناء رئيس على البحر المتوسط.

تقول الكاتبة إنها تقدر المخاوف الأوروبية بشأن إعادة إعمار غزة من جديد. فللأسف، لم تسفر الجولات السابقة من إعادة الإعمار سوى عن تخفيف الظروف المعيشية في غزة مؤقتًا. ذلك لأن حكومة حماس استخدمت المال ومواد البناء مثل الحديد والأسمنت لبناء الصواريخ وشبكة معقدة من الأنفاق لتهريب الأسلحة إلى غزة وإطلاق هجمات إرهابية على إسرائيل.

كما استخدمت حماس قطاع غزة كنقطة انطلاق لإطلاق 18000 صاروخ وقذيفة هاون باتجاه إسرائيل منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، مما حمل إسرائيل على استخدام القوة لإحباط إطلاق تلك الصواريخ.

ومع ذلك، فإن إعادة إعمار غزة لن يخدم مصالح أوروبا للسلام والأمن في الشرق الأوسط إلا إذا أصر الاتحاد الأوروبي على ثلاثة شروط.

أولاً، يتعين على الاتحاد الأوروبي التأكد من أن حماس لن تكون قادرة على استخدام المال ومواد البناء لأغراض إرهابية. ثانيًا، يتعين على الاتحاد الأوروبي دعم كافة الجهود لتحرير غزة من حماس. فطالما احتفظت حماس بالسلطة هناك، لا توجد ضمانات بأن أموال دافعي الضرائب الأوروبيين لن تذهب سدى. ثالثًا، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يصر أيضًا على التنمية الاقتصادية والتجارية، حيث إن إعادة الإعمار ليست كل ما يهم. فوجود اقتصاد قوي، يقلل احتمال تحول غزة إلى قاعدة انطلاق للعمليات الإرهابية.

للمرة الرابعة في أقل من ست سنوات، يناقش المجتمع الدولي قضية إعادة إعمار غزة. فقد جمع مؤتمر المانحين الذي عقد في 13 أكتوبر الماضي مبلغ 4.3 مليار يورو (حوالي 5.4 مليار دولار) لإعادة إعمار المناطق المتضررة من النزاع العسكري الأخير بين إسرائيل وحماس.

إن ثمة عائقًا رئيسًا لاستئناف التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق السلام والأمن هو الحصار المفروض منذ سبع سنوات من غزة. إن اندفاع الاتحاد الأوروبي لإعادة بناء ميناء غزة أمر جوهري. إن الاقتراح الذي قدمه القادة الأوروبيين هو أن المجتمع الدولي سيدعم إعادة بناء ميناء بحري للبضائع والركاب مع وجود نقاط تفتيش دولية في كل من غزة ولارنكا قبرص. ومن شأن هذه تخفيف المخاوف من تهريب الأسلحة إلى غزة. وبالنسبة لسكان غزة، فإن الميناء سيكون نافذة لهم على العالم.

إن إنهاء الحصار يعني أيضًا إنهاء سيطرة إسرائيل على الواردات والصادرات إلى غزة. ففي ظل النظام الحالي من القيود الإسرائيلية على الاستيراد، سوف تستغرق عملية إعادة الإعمار قرابة عشرين عامًا، وخلال هذه الفترة ستصبح غزة غير صالحة للعيش، وذلك وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة. وحتى تصلح غزة للعيش فإن الأمر يتطلب تدفقًا أكبر وأسرع للسلع والخدمات التي تهدف أيضًا إلى تنشيط الاقتصاد المحلي عن طريق استخدام الشركات والعمالة المحلية.

يتعين على الأوروبيين عدم الاستسلام لضغوط السماح بإعادة الإعمار لاستخدامها لعزل غزة. فالقبول بسيطرة إسرائيل على الواردات والصادرات هو استمرار للحصار.

إن المواطنين العاديين في غزة بحاجة ماسة ويستحقون المساعدة. ولكن هناك ثلاثة مخاطر حالية للسياسات الأوروبية.

أولاً، لا ينبغي أن تكون إعادة الإعمار بديلاً عن الضغط على إسرائيل لرفع الحصار عن القطاع. فعزلة غزة زادت من الدعم لحركة حماس.

ثانيًا، يجب أن يكون الاتحاد الأوروبي حذرًا في توسيع دوره في المجال الأمني​​. فبينما هناك حديث مساهمة الاتحاد في بناء قدرات الشرطة ومراقبة الحدود، تحتاج قوات الأمن الفلسطينية لكسب المزيد من الشرعية المحلية، لا أن تكون فقط أكثر فعالية بإيعاز من قوى خارجية.

وأخيرًا، لا بد أن تسير عملية إعادة الإعمار جنبًا إلى جنب مع حكومة توافق فلسطيني حقيقية. فمع عجز السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، فإنه ليس من الواضح أن حركة فتح يمكنها أن تؤسس لحكم شرعي واضح في غزة.

إذا تم التغاضي عن هذه المحاذير الثلاثة فإن التعمير المادي من المرجح لن يمنع تكرار دورات العنف، كما جرى بعد كل موجة سابقة من الصراع في غزة في السنوات الأخيرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد