يحذرنا حماة البيئة كل يوم من أن الحياة البرية في خطر، وتداهمنا الأخبار حول حيوانات على وشك الانقراض؛ ولكن هل يأبه العالم حقًّا إذا لم يعد هناك حيوانات باندا؟ أو اختفت سمكة ما في أقاصي القطب الجنوبي؟

يقول آخرون إن لدينا ما يكفي من المشاكل تستدعي إنفاق الأموال لحلها. فعلى سبيل المثال، تعادل تكلفة إطعام نمر واحد كل يوم إطعام 40 طفلًا لمدة شهر. فالأفضل إنفاقها على أولئك الذين يموتون من الجوع والمرض؛ وليس إهدارها على حيوانات قد لا نراها في حياتنا أبدًا.

المعترضون: حماية الأنواع الضارة أو عديمة النفع إهدار للمال

تشير التقديرات إلى أن تكلفة الحفاظ على الحيوانات البرية المهددة تصل لـ76 مليار دولار سنويًّا. ويرى البعض أن هذه الحيوانات ليس لها «فائدة عملية للإنسان». بل قد يمثل بعضها ضررًا على البشر والماشية مثل الذئاب؛ لذلك قد يكون من الأفضل أن تنقرض.

«لونجوانكن» حديقة غابات وطنية منطقة طبيعية محمية من قبل السلطات الصينية

ويحتج آخرون بضرورة حماية البيئة لقيمتها الجمالية؛ مثلما نحمي الأعمال الفنية. وأنه يتوجب علينا حماية هذا الإرث الطبيعي؛ كي يراه أولادنا وأحفادنا من بعدنا. فيمكن للسياحة البيئية أن تدر عائدًا يوفر من تكلفة الأموال المبذولة في الحفاظ على التنوع البيئي.

ويرى المعترضون أن هذا لن يفيد الفقراء الذين يعيشون في قرى ريفية معرضة للخطر من النمور والذئاب. كذلك هناك العديد من الحيوانات والنباتات القبيحة، أو كريهة الرائحة؛ مما يعني أنها لا تخضع للمعايير الجمالية لحمايتها.

نظرية التطور: على الكائنات أن تتأقلم إذا أرادت النجاة

يعتبر انقراض الأنواع ظاهرة طبيعية في كل الأحوال؛ فقد انقرضت الديناصورات من قبل، ولم يكن البشر موجودين ليتسببوا في ذلك. وتقوم نظرية التطور على استمرار الأنواع القادرة على البقاء، وانقراض الأنواع الأضعف وفقًا لمبدأ البقاء للأقوى.

«من المحزن أننا نمنح أنفسنا أهمية بالغة لنحكم على قيمة أي شيء على أساس فائدته لنا. لم يخلق العالم للبشرية فقط… عندما نخل بالنظام البيئي بتدمير الكائنات الحية التي لا نعتبرها مهمة؛ فنحن نلعب دور الخالق. والبشر أغبياء للغاية كي يتولوا هذا المنصب»، قالت كاثرين كارتر، أستاذة العلوم بكلية ديكالب في أتلانتا بجورجيا.

ولذلك يرون أنه لا جدوى من الحفاظ على هذه الكائنات الضعيفة التي لا تستطيع حماية أنفسها؛ فعليها أن تتدبر أمرها وتتكيف على الظروف المتغيرة إذا أرادت النجاة، وإلا سيؤدي الحفاظ على حياة جميع الكائنات إلى الموت جوعًا في النهاية.

إلا أن البشر قد يكونوا مسئولين عن تزايد معدل الانقراض إلى مائة ضعف خلال القرن الماضي، وهو ما تشير إليه دراسة حديثة.

للبيئة منافع لم تكتشف بعد والحفاظ عليها ضرورة اقتصادية

ويرى المعترضون ضرورة وجود فوائد عملية، وأسباب أكثر واقعية للحفاظ على هذه الأنواع. لذلك ظهرت دعوات تفيد بأن لهذه الكائنات فائدة اقتصادية محتملة؛ ولا يعني عدم اكتشاف هذه المنافع حتى الآن أنها عديمة القيمة، وإنما يعني في الحقيقة أنه «ليس لها فائدة عملية معروفة نظرًا للحالة الراهنة للمعرفة« مثلما يخبرنا «توماس لفجوي»، بمعهد سميثسونيان في واشنطن العاصمة. فمن المهم الحفاظ على الأنواع المختلفة بما يسمح بإجراء المزيد من البحوث لاستكشاف منافعها.

ثمار نباتات أشجار «الطقسوس»

ويضيف لفجوي أننا لم نكن ندري فائدة أشجار «الطقسوس» في المحيط الهادئ؛ إلا بعد اكتشاف مادة «التاكسول» المستخرجة من اللحاء. تعد هذه المادة عقارًا مهمًا في علاج أنواع عديدة من السرطان مثل: سرطان المبيض والرئة. لذلك يمكن أن تتضح فائدة غيرها من الكائنات عندما يتم دراستها عن كثب.

انقراض الأنواع سيتسبب في خسارة 18% من الدخل الاقتصادي العالمي

من هنا ظهر مفهوم «التنقيب البيولوجي» لاستكشاف مواد طبيعية يحتمل أن تكون مفيدة. ومع أن الأمر يحمل بعض المنافع؛ إلا أنه لا يخلو من بعض الأضرار.

وينطوي قطع مئات الأميال، واقتحام الغابات الوعرة للبحث عن مواد طبية جديدة على درجة عالية من الخطورة، فضلًا عن ضعف احتمالية العثور عليها. لذا يرى البعض أن من الأفضل توفير الوقت والمال في البحث عن طرق لتصنيع هذه المواد.

على الجانب الآخر، تشير أبحاث علماء البيئة إلى أن صناعة ما توفره لنا البيئة طبيعيًّا يأتي بتكلفة باهظة للغاية. توفر البيئة منافعًا تقدر بنحو 33 تريليون دولار سنويًّا، مقارنة بنتاج الاقتصاد العالمي الذي يبلغ نحو 18 تريليون دولار سنويًّا.

وتكشف أن انقراض الأنواع من شأنه أن يتسبب في إهدار 18% من هذا النتاج بحلول عام 2050. بينما يكسبنا الحفاظ على التنوع البيولوجي فوائد تقدر بمائة ضعف، لذلك لا تعتبر الأموال المبذولة مهدرة على الإطلاق.

تنافس الإنسان والكائنات الأخرى من أجل البقاء

وتسن القوانين لحماية هذه الكائنات بالحفاظ عليها في بيئاتها الطبيعية. يضطر هذا الأمر لتخصيص الحكومات مساحات شاسعة من الأراضي لهذه المحميات، والتي بإمكانها أن توفر سكنًا لعددٍ كبيرٍ من الناس، خاصةً مع ازدياد النمو السكاني.

ولكن على الجانب الآخر، قد لا تكون هذه القوانين مجدية، ويتنبأ عدد متزايد من دعاة حماية البيئة بفشل هذه الخطط؛ نظرًا للتغير المناخي، والنمو السكاني السريع.

ويتوقعون أنه بنهاية القرن سيضطر عشرة مليارات إنسان لمنافسة الكائنات الأخرى على المساحة المتاحة، بجانب تزايد الحاجة للغذاء والطاقة التي تحتاج المزيد من الأراضي. وستجبر التغيرات المناخية الكائنات الأخرى على الانتقال لبيئات جديدة.

وسيضطر الجنس البشري في النهاية لاتخاذ قرارات مصيرية من أجل البقاء؛ مما يعني حماية بعض الأنواع فقط وانقراض أخرى، وهو موضوع شائك علميًّا وأخلاقيًّا، وعادة ما يتجنب علماء البيئة خوضه.

انقراض الأنواع يهدد بقاء الكائنات الأخرى في السلسلة الغذائية

ويحتم اختيار الحفاظ على حيوان ما من الانقراض حماية النظام البيئي الذي يعيش فيه. تشي الأدلة العلمية بأن النظم البيئة ذات نطاق واسع من التنوع البيولوجي، تكون أكثر استقرارًا ومرونة، وأقل عرضة لانقراض أحد الأنواع بها.

الحفاظ على كائن ما يحتم الحفاظ على بقية الكائنات في السلسلة الغذائية

«حتى الحيوانات التي يراها البشر عديمة الأهمية لأنها لا يمكن أن توفر لنا الدواء، أو الغذاء وغيره؛ تلعب دورًا كبيرًا في السلسلة الغذائية». -ماريان روبرتسون، أستاذة علم الأحياء بجامعة ميليكين

تتغذى الحيوانات المفترسة على حيوانات أخرى، والتي بدورها تقتات على نباتات أو أسماك أو طيور، وهي شبكة معقدة تضم العديد من الكائنات. يعرض انقراض أحد هذه الأنواع السلسلة الغذائية بأكملها للخطر بشكل يصعب التنبؤ بآثاره أو عكسها.

ويؤمن الحفاظ على الغطاء النباتي عددًا من المنافع من أهمها إمدادات المياه. وتعمل الأشجار في الغابات، وعند التلال في تسهيل وصول المياه للأشخاص الذين يعيشون عند الأراضي المنخفضة.

وساهمت الغابات المحمية في توليد طاقة من إمدادات المياه بلغت قيمتها 104 مليون دولار سنويًا، بما يكافئ قيمة استهلاك الوقود الأحفوري لتوليد مقدار الطاقة ذاتها.

ويرى علماء أننا يجب أن نتناول أمر الحفاظ على التنوع البيئي من مختلف الجوانب، وليس حصرها على الجانب الجمالي أو الاقتصادي، وتغيير وجهة النظر إلى حماية الطبيعة، وإشراك الإنسان باعتباره جزءًا من النظام البيئي، وبالتالي لا يمكن حماية الإنسان بدون الحفاظ على هذا النظام.

ويقول «فرانك ديفيس»، مدير المركز الوطني للتحليل البيئي في جامعة كاليفورنيا- سانتا باربرا، إنه «علينا أن نبحث عن سبل للتعايش مع غيرنا من الكائنات، خاصةً في مستقبل أغلبه مجهول». فعلى البشر تحمل مسئولية وجودهم وتأثيرهم الذي أدى لتغييرات جسيمة في النظام البيئي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد