على الطريق السريع نحو حقول صرفند يجدّ سعيد مشهور في الحفر. يقتلع بيديه العاريتين سيقان الأعشاب الضارة ويعود ليمسك بالمعول ويواصل العمل. عيناه الزرقاوان تناقض بشرته السمراء. في عامه الـ 34، تبدو بشرته شاحبة ويضيف عمق نظرته الحزينة عشرين عامًا إلى عمره الحقيقي، يشرح مشيرًا بيده إلى جنبه في محاذاة الفخذ:

“قدمتُ من إدلب، وصلتُ هنا بعد أن فقدت ابنتي ذات الأعوام الستة الجزء السفلي من جسدها في أحد التفجيرات”

مشهور هو واحد من فريق به 20 عاملاً يجتهدون اليوم في هذا الطريق في صرفند، البلدة اللبنانية التي تبعد 30 كم عن صور (جنوب البلاد).  إنهم جزء من برنامج “العمل مقابل المال” الذي وضعته منظمة العمل ضد الجوع بسرعة لتحسين أوضاع اللاجئين السوريين وتسهيل كسبهم للمال الذي يكفيهم للعيش.

يحكي مشهور مشيرا بيده المضمومة إلى فمه “لو لم نخرج لهذه الأعمال فلن نأكل” حين يفتح شفتاه يظهر أنه فَقَد تقريبا كل أسنانه. وهو إلى جانب ابنته المصابة في الحرب، عليه أن يوفر الطعام لزوجته ولأطفاله الثلاثة الصغار.

يؤكد إيتايكي ساينث دي روساس مدير مشروع “العمل مقابل المال” التابع لمنظمة العمل ضد الجوع “الأهم بالنسبة لنا أنه بهذا البرنامج يستطيع الرجال أن يستعيدوا الثقة بالنفس كأرباب لأسرهم. ويؤكدون دورهم الأبوي في توفير الطعام لهم” ، ويضيف “هكذا أعدنا الكرامة”، في هذا البرنامج تتعاون ستة بلديات لبنانية (ثلاثة في صيدا، اثنان في النبطية، وواحدة في صور) . وأشار :

المشروع أحدث تأثيرا في السكان المحليين وكوّن تماسكا مجتمعيا بين اللبنانيين واللاجئين”

رب الأسرة

يستطيع المستفيدون العمل  10 أيام كل شهر، في فترة مدتها 3 أشهر، بهذا يكسبون أقل من 190 يورو. ويشرح ساينث دي ورساس “هذه النقود تغطي نصف الميزانية الشهرية لتكلفة حياة أسرة واحدة”. واضعا في الاعتبار أن اللاجئين السوريين في لبنان لا يستطيعون العمل بشكل قانوني، وإمكانية المشاركة في هذا البرنامج تخلق مصدرًا للدخل لم يكن موجودًا من قبل.

“يعجبنا العمل، نحن سعداء”  يقول بالإجماع زملاء مشهور. رشيد عريف حسون، ذو الـ 32 عاما يشرح أنه بهذا البرنامج يستطيع كسب بعض المال، وأنه فعليا ليس لديه عمل آخر. أصوله من إدلب وهو متزوج ولديه 5 أبناء ليطعمهم.     

بالنسبة للسلطات المحلية التي تشكو من مشكلات في تزويدها بالخدمات لسكان تضاعف عددهم بوصول اللاجئين السوريين، فإن هذا التعاون يشكّل انفراجة. يعلق عبد الله فرهد، رئيس بلدية الأنصارية، وهي بلدة صغيرة في محافظة صور. يبلغ عدد سكانها 3500، وقد استقبلت 3000 لاجئًا سوريًا: “السوريون يعملون مساعدين في نظافة الحي، يجمعون القمامة ويزرعون الأشجار” ويؤكد:

” الأساس كان أصلاً وجود عجز، والآن مع تضاعف عدد السكان أصبحت المشكلة أكبر”   

مشكلات تتعلق بالنظافة

خلق التماسك وتخفيف الضغوط جزء مهم من البرنامج. إلى جانب المساعدة في تغيير صورة السوريين كعبء على لبنان. البلدات اللبنانية خاصة في الجنوب تواجه مشكلات خطيرة في توفير خدمات جمع القمامة أو تنظيف القنوات والمياه الراكدة. في أماكن كثيرة يمكن رؤية بحيرات تكونت من أمطار الشتاء الغزيرة، وقد تجمعت بها القمامة ومياه المجاري، والحيوانات الميتة. وهي تهدد من يسكنون في هذه الملاجئ المؤقتة.

مشكلات النظافة والوقاية أيضا تشكل بؤرة أخرى لاهتمام منظمات المجتمع المدني التي تعمل عليها. لميس فلاحة مسؤولة الدعاية عن النظافة، تعلّم الأطفال في مقر اللاجئين شيئا بسيطا ومهما للغاية وهو كيف يغسلون أيديهم لتجنب العدوى. يكشف موظف منظمة العمل ضد الجوع:

“بالنسبة لهم يعدّ وصول الماء شيئا صعبا جدا ولديهم أزمة شديدة في النظافة. بعض الأسر لا تملك المال لشراء الصابون”.

يحضر الأطفال درسها عن النظافة. تشرح لهم ما هي البكتريا وتقول لهم إن طريقة القضاء عليها هي غسل الأيدي. في البداية تفعلها هي أمامهم ثم تنتقل للأطفال حيث يقومون بعمل ذلك في المخيم. بعد قليل يعودون للتعلم وأيديهم نظيفة، متحمسين كما لو كانت لعبة. تحكي وردة أحمد درويش “قبل ذلك كان الماء هناك غير نظيف وكان ذلك يصيبنا بالإسهال” وتؤكد: ” لكن الآن الماء أنقى مما كان في سوريا”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد