تتكلف العدة الكاملة للجندي الأمريكي الواحد 17 ألف دولار، وتتضمن مجموعة من أحدث أنظمة تسليح أفراد الجيوش على الإطلاق، ويدخل في نطاقها منظار للرؤية الحرارية والليلية، وخوذة من نسيج الكيفلار، وبندقية هجومية من طراز «M4»، مع منظار قتالي مقرب، ونظارات واقية، وأحذية قتالية، ودرع للجسم، وواقيات للمفاصل، وقفازات مقاومة للحريق.

وتنفق الولايات المتحدة الأمريكية سنويًا على التسليح، أكثر من 640 مليار دولار، فيما تنفق الصين ثلث هذا المبلغ سنويًا تقريبًا، بينما تنفق السعودية 67 مليار دولار، وهو ما يقترب من 10% من ناتجها القومي، وبشكل عام، يُنفق العالم على التسليح سنويًا، تريليوني دولار، بصيغة أُخرى، ويربح مصنعو وشركات السلاح، تريليوني دولار أمريكي سنويًا، وعليه يبدو منطقيًا القول بأن ثمّة مستفيدين من إبقاء الحروب مُشتعلة دائمًا حول العالم.

ضمن هؤلاء من يطلق عليهم لقب «كلاب الحرب»، وهم طائفة منتشرة في كل ركن من أركان العالم، يعملون بأية طريقة، مهما كانت غير أخلاقية؛ لتدفع الأمم للحروب، ولتضمن بقاء تلك الحروب دائرة لأطول وقت.

لهؤلاء أنظمة وهياكل إدارة وسلاسل مُورّدين، تتضمن بجانب مصنعي وتجار السلاح، سياسيين وجماعات ضغط ومرتزقة ومتعاقدين وشركات علاقات عامة وشركات توصيل حتى المنازل.

«War Dogs»

عن قصة حقيقية حول إحدى الشركات الصغيرة التي تقع في طرف تلك السلسلة الاقتصادية، يحكي فيلم «War Dogs» عن شابين أمريكيين في العشرينات من عمرهما، ينجحان في عقد صفقات سلاح بقيمة عشرات الملايين من الدولارات مع وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون).

الفيلم من إخراج تود فيل، المشهور بثلاثية «The Hangover»، ومن بطولة جوناه هيل، في دور وُصف بأنه أفضل أدواره منذ دوره في فيلم «The Wolf of WallStreet»، ويُشاركه البطولة مايلز تيلر، صاحب الدور الشهير في فيلم «ويبلاش».

يبدأ الفيلم باستعراض حياة مايلز، الشاب المكافح الذي يعمل معالجًا بالتدليك، مرتبط بفتاة حسناء، ولا يمضي وقت طويل حتى يكونا في انتظار مولود صغير، فيحاول تحسين دخله عبر بدء مشروع صغير لتوريد الملاءات الفاخرة لدور المسنين، لكن المشروع لا يبدو واعدًا كما توقع. في نفس الوقت يقابل صديقه القديم –جوناه- الذي يتضح أنه بدأ شركة صغيرة لتوريد الأسلحة، ويقنعه جوناه بترك التدليك والملاءات والانضمام إلى شركته، حتى ولو كان لا يفهم أي شيء في مجال السلاح.

تعمل الشركة بشكل أساسي من خلال مسح شامل لموقع على الإنترنت خاص بمناقصات وتوريدات وزارة الدفاع الأمريكية، وعلى مدار الساعة يراقب جوناه ومايلز صفقات السلاح الصغيرة المطلوبة؛ تحديدًا الفتات الذي لا تهتم به شركات السلاح الكبرى، ويظلان يعملان على هذا المستوى الصغير لفترة لا تطول، حتى تقابلهما على ذلك الموقع صفقة لتوريد مسدسات بريتا للجيش الأمريكي في العراق.

عبر الحدود

ونتيجة لخطأ لوجيستي، يجدان نفسيهما مضطرين للسفر للأردن، حيث احتُجزت شحنة الأسلحة، ويبحثان عن الشخص المناسب ليقدما له الرشوة المناسبة ليستطيع إخراج الشحنة في الوقت المناسب، ثم يستأجرا شاحنة وسائقًا شبه مجنون، لتوصيل صفقة السلاح بأنفسهم للكولونيل الغاضب في العراق.

وعبر مغامرة لا تقل إثارةً، يعبران الحدود للعراق، ويستطيعان اجتياز طريق سريع مليء بالمخاطر وبمطاردات المليشيات المسلحة، وينجحون أخيرًا في نيل رضا الكولونيل الذي لم يخف إعجابه بجرأتهما البالغة.. ويطلب من مساعديه أن يصطحبوا الشباب إلى الخزينة ليحصلوا على أتعابهم، وفي مخزن كبير نرى أكداس لا تنتهي من رزم الدولارات المغلفة التي صودرت من قصور صدام حسين إثر الغزو الأمريكي، ويحصل جوناه ومايلز على بضعة من مئات آلاف الدولارات من تلك الأكداس، وتحملهم طائرة عسكرية أمريكية إلى الوطن معززين مكرمين.

تمضي الأمور على ما يرام لفترة تالية، وتتوسع شركة الصديقين ويقومان بتعيين فريق كامل يقوم مكانهما بالمسح الدقيق لموقع إمدادات البنتاجون بحثًا عن الصفقة الكبيرة القادمة. يشتريان شقتين فاخرتين في نفس البرج الفخم، وسيارتين فارهتين من نفس الماركة ونفس اللون، ويقومان بتعليق اللوحات الدعائية لفيلم آل باتشينو «Scare Face» في الشركة، وينفقان أموالهما بطريقة تليق بتاجري سلاح من الطراز الأول، في الملاهي وعلى الكوكايين.

صفقة العمر

بالفعل يجد الصديقان صفقتهما الكبرى، عقد بقيمة 300 مليون دولار لتوريد 100 مليون طلقة ذخيرة لبندقية من نوع «AK-47»، لصالح الجيش الأمريكي في أفغانستان.

War Dogs

ويبدآن في الترتيب لكيفية تدبير هذا العدد المهول من الطلقات، وهنا يظهر سمسار سلاح آخر، يقوم بدوره برادلي كوبر، بطل ثلاثية هانجوفر، وفيلم «قناص أمريكي»؛ ليطلب عمولة كبيرة مقابل تسهيل حصول شركة الصديقين على كل ما يحتاجونه من أحد المخازن القديمة للاتحاد السوفيتي سابقًا.

تتعقد الأمور في الاتحاد السوفيتي، وتبدو الصفقة في خطر، ويحدث خلاف كبير بين الشريكين، وينقلب عليهما برادلي كوبر، وتتصاعد الأمور في الفيلم الذي نجح المخرج في إبهار المشاهد خلال أحداثه طوال الوقت، حيث تستمر الأحداث المشوقة حتى الثانية الأخيرة.

ويُعتبر فيلم «War Dogs» واحد من أهم الأفلام التي تكشف لنا جزءًا من العالم المظلم لتجارة السلاح، ربما هو الأهم في هذا السياق، منذ فيلم نيكولاس كيدج الصادم «Lord of War»، وما يزيده أهمية هو تناوله معلومات كاشفة عما يتم في منطقتنا العربية، وحقيقة الصراع والانقسامات والانشقاقات والحروب التي لا تنتهي.

في المرة القادمة التي تسمع فيها صوت زخات الرصاص في نشرة الأخبار، والمراسل يُذيع خبرًا عن حرب جديدة في مكان ما، تذكر أن ما يحدث في الحقيقة، وما يقع في كواليس الحرب، عملية تجارية بحتة، ربما من يقف وراءها شباب لم يتجاوزوا العقد الثالث من عمرهم بعد؛ يجلسون في حجرة صغيرة، في إحدى بقاع الأرض البعيدة عن مكان الحرب، ربما تكون تلك البقعة مثلًا ولاية أريزونا الأمريكية؛ يجلسون أمام جهاز حاسوب يعرض موقعًا لتوريد السلاح، وكل همهم الثراء الفاحش.

عرض التعليقات
تحميل المزيد