برز اسم بلدة شعفاط الفلسطينية في الأيام الماضية بعد أن كشفت صحيفة إسرائيلية عن احتمالية أن تكون العاصمة الجديدة للدولة الفلسطينية والفلسطينيين. ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» اسم البلدة بعد تصريحات من مصادر إسرائيلية اطّلعت على خطة السلام الأمريكية المشتهرة باسم صفقة القرن. لماذا تقترح إدارة ترامب هذه البلدة؟ وما أهميتها؟ في هذا التقرير نجيب عن هذه الأسئلة، ونستعرض تاريخ البلدة وواقعها.

شعفاط أم شعفات.. ما أصل التسمية؟

تتبع البلدة مدينة القدس، وتتبع إداريًا لسلطات الاحتلال الإسرائيليّ وبلديته في القدس. تقع البلدة شمالَ البلدة القديمة في القدس بنحو أربعة كيلومتر، بمساحة ضئيلة لا تتجاوز 5500 دونمًا، أي 5.5 كيلومترات مربعة، لم يتبقَ منها إلا 1700 دونم، والبقية صودرت لغايات استيطانية. تشهد شعفاط كثافة سكانية عالية؛ إذ يُقيم في البلدة أكثر من 32 ألفًا، وفقًا لإحصاء عام 2011

وكما اختلف المؤرخون على تاريخ فلسطين والقدس اختلفوا على السبب التاريخي لتسمية شعفاط. سمّيت البلدة في العصر الصليبي بدير شعفاط، واسمها في السجل العثماني – على أنها قرية – كان «شُعْفات»؛ ما يشير إلى أصل عربي للاسم: «شعفة، أي رأس الجبل أو ما ارتفع من الأرض وعلا».

دولي

منذ 10 شهور
8 أسئلة تشرح لك ما هي «صفقة القرن»؟

لماذا تلك البلدة؟ عاصمة بلا دولة

في الواقع لم تقطع التصريحات الإسرائيلية بأن البلدة اختيرت بشكل نهائي لتكون عاصمة لفلسطين، وإنما طُرحت كأحد الخيارات. فلماذا هذه البلدة؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال بالنظر لموقع شعفاط على الخريطة.

خارطة تُظهر شعفاط (باللون الأحمر)، والمستوطنات المحيطة بها (باللون الأزرق).

يحيط بشعفاط من الشرق الجدار العازل، ومن ورائه مخيم يحمل اسم مخيم شعفاط للاجئين، وتقع شرقها أيضًا مستوطنة «بسجات زئيف»، ويقيم فيها أكثر من 30 ألف مستوطن إسرائيلي، أما غربًا فتوازيها مستوطنة «رمات شلومو» التي يقطنها أكثر من 20 ألف مستوطن، وجنوبها مستوطنات الهضبة الفرنسية، «جيفعات شبيرا» كما يسميها الإسرائيليون، و«رامات أشكول»، وبالطبع يزعج موقع البلدة المخططين الإسرائيليين؛ إذ يعمل كحاجز بشري فلسطيني فاصل بين المستعمرات المجاورة لها شرقًا وغربًا، وتصعّب مهمة تطويق القدس بطوق بشري إسرائيلي خالص. 

باختصار البلدة محاصرة من كل النواحي بمستوطنات إسرائيلية ويحاصرها من كل الجهات مستوطنون إسرائيليون يصل عددهم إلى أكثر من 60 ألفًا. تخترقها وتحيط بها شوارع مَحمية تربط المستوطنات ببعضها البعض، وإذا ما اختيرت عاصمة لفلسطين فستكون منفصلةً جغرافيًا بشكل كامل عن الأراضي الفلسطينية – المفترضة وفقًا لخطة صفقة القرن – في الضفة الغربية وغزة.

وعلى كل حال تظلّ البلدة جزءًا من القدس الشرقية، التي تحكي عنها دومًا السلطة الفلسطينية، فيظهر الأمر وكأنه تلبية أخيرًا لرغبة السلطة الفلسطينية الدائمة: «القدس الشرقية عاصمةً لفلسطين»، ويبدو أن ترامب قصدها بقوله: «على الفلسطينيين أن يعجبوا بخطة السلام؛ لأنها جيدة لهم»، وبذلك تأخذ السلطة الفلسطينية بلدة شعفاط الصغيرة، دونَ أي مناطق أخرى من القدس الشرقية، بما في ذلك المسجد الأقصى والبلدة القديمة، إذا ما تحققت تسريبات صفقة القرن. 

كيف جعلت إسرائيل حياة عرب شعفاط جحيمًا؟

بقاء أهل شعفاط الفلسطينيين في بلدتهم فعل مقاومة في حدّ ذاته. تشهد البلدة تضييقًا إسرائيليًا خانقًا على حقوقها الحياة الأساسية من حقّ السكن وحرية التنقل، إلى الحماية، وتوفّر الماء والكهرباء.

شارع من شوارع بلدة شعفاط، القدس. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

شارع من شوارع بلدة شعفاط، القدس. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

اقتصاديًا يضطر أهل البلدة – مثل بقية أهل القدس الشرقية – إلى العمل في مهن دنيا وشاقة، بساعات عمل تتجاوز 10 ساعات في اليوم، دون الحصول على التعويضات التي ينصّ عليها قانون العمل الإسرائيليّ، وتقلّ أجورهم كثيرًا عن أجور نظرائهم من الإسرائيليين، ولا يصل دخلهم إلى نصف دخل المواطن الإسرائيلي في القدس الشرقيّة. يظهر هذا التمييز الاقتصادي في نسب الفقر. في 2012 وصلت نسبة الأسر «غير اليهودية»، أي الفلسطينية والعربية، التي ترزح تحت خط الفقر إلى 77% من كل العرب في القدس الشرقيّة، مقابل 25% من الأسر اليهودية دونَ خط الفقر.

وفي المجال التعليمي لا توفّر إسرائيل التعليم المجاني الإلزامي إلا لنصف أهالي القدس الشرقية العرب؛ ما يضع النصف الآخر تحت ضغط اقتصادي جديد لتحمّل المزيد من النفقات لتعليم أطفالهم، ومع هذا الضغط الاقتصادي ضغط ديموغرافيّ وجغرافيّ، إذ ترفض الجهات الرسمية الإسرائيلية إعطاء تصريحات بناء للأهالي في البلدة؛ ما يفاقم أزمة الكثافة السكانية، وفي السنوات الماضية منعتهم من استغلال 200 دونم من أراضي شعفاط بحجة أنها تابعة للخط الأخضر، خط الهدنة بعد حرب عام 1948، أي أنها أراضٍ إسرائيلية خالصة.

عصر جديدة في تاريخ مقاومة

في «انتفاضة السكاكين» عام 2015 نهض الشاب الفلسطيني محمد سعيد محمد علي من أمام باب العمود في القدس ليزرع سكينه في جسد جندي إسرائيلي، ويطعن ثلاثة آخرين، تاركًا وراءه بلدته شعفاط تنعيه، ومذكرًا في نظر الكثير من أبنائها بتاريخها في مقاومة الاحتلال إسرائيل ومن قبله الانتداب البريطاني.

كانت البلدة مركزًا للمقاومة العربية والفلسطينية ضدّ الاستعمار البريطاني والقوات الصهيونية، وقاعدة للانطلاق في الهجمات على مستوطنات صهيونية منها مستوطنة عطروت. وفي البلدة وقعت «معركة شعفاط» في مارس (آذار) 1948، التي قُتل فيها 14 صهيونيًا من قوات الهاجاناه، وجرح 16 آخرون في كمين، وسقطت بعدها عطروت بيد القوات العربية. 

واليوم تشهد البلدة، والقضية الفلسطينية منعطفًا جديدًا من المقاومة مع الإعلان عن خطة السلام الأمريكية المرتقبة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد