يمكن تعريف الحصـار من منظور عسكري على أنه عمل دورية على سواحل بلد العدو بالسفن الحربية، والطائرات، والقوات البرية، لمنع البلد من تلقي السلع التي يحتاج إليها لشن الحرب. ويُمكن أن يكون الحصار بإحاطة مدينة أو حصن بهدف الاستيلاء عليه أو استسلامه. ومن أهم عمليات الحصار وأشهرها عبر التاريخ حصار قرطاج الذي قام به الرومان، وحصار الطائف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وحصار القسطنطينية وستالينجراد وغيرها. ويُمكن للأقطار التي تملك قوات كافية أن تستخدم الحصار لتمنع أعداءها من الحصول على الأسلحة، والذخيرة، والأطعمة، من الأقطار المحايدة.

نستعرض في هذا التقرير بعضا من أشهر الأمثلة على الحصارات العسكرية التي شهدها العصر الحديث منذ بداية القرن العشرين، مع الملاحظة أن أغلبها جرت في أقطار عربية وإسلامية.

حصار الكوت

يعتبر هذا الحصار من أهم معارك الحرب العالمية الأولى، إذ كان جزءًا من حملة العراق بين تجريدة الرافدين في الإمبراطورية البريطانية بقيادة تشارلز تاونسند وقوات الدولة العثمانية، والكوت مدينة عراقية تقع على نهر دجلة على بعد 350 كلم أعلى النهر من البصرة ونحو 170 كلم من بغداد.

بنت القوات العثمانية استحكامات الحصار بمواجهة الكوت، وأعدت لهجوم من البصرة باستخدام نهر دجلة، وذلك ببناء مواقع دفاعية أسفل النهر، فحاصرت القوات البريطانية، منذ 7 ديسمبر 1915، وهي التي حاولت دفع مبلغ قدر آنذاك بـ 2 مليون جنيه استرليني وتعهدت بعدم مهاجمة الإنجليز للأتراك، لكن تم رفض العرض واستمر الحصار إلى أن أعلنت القوات الإنجليزية استسلامها في 29 أبريل 1916، أي بعد حصار دام 147 يوما، بعدما بقي منها على قيد الحياة 13000 جنديا فقط أصبحوا أسرى، فيما فقدت 70% من القوات البريطانية و 50% من القوات الهندية إما بالأمراض أو على يد الحرس التركي أثناء الأسر.

800px-Mesopotamian_campaign_6th_Army_Siege_of_Kut

الخنادق العثمانية في حصار الكوت

حصار ليننغراد

كانت مدينة ليننغراد السوفييتية هدفا استراتيجيا لحملة بارباروسا التي شنتها قوات دول المحور بقيادة ألمانيا، فهي تعتبر مهد الثورة الشيوعية وأحد أهم المواقع الاقتصادية السوفييتية. بدأت العملية يوم 9 سبتمبر 1941، بقيادة قوات من ألمانيا النازية والجيش الفنلندي، واستمرت حتى 18 يناير 1943، بعدما تمكنت القوات السوفييتية من فتح معبر بري إلى المدينة، قبل أن تنجح في فك الحصار بشكل كامل في 27 يناير 1944، أي 872 يوما، مخلفة حوالي 125 ألف قتيل من جيوش المحور و350 ألف قتيل تقريبا من الجيش الأحمر السوفييتي، معلنة بذلك فشل حملة بارباروسا التي كانت في البداية على مشارف موسكو، قبل أن تصبح نقطة تحول في سير معارك الحرب العالمية الثانية، أدت إلى بداية نهاية تفوق جيوش المحور، وتدمير الجيش الألماني السادس قبل الزحف نحو برلين.

المدنيون أبرز ضحايا حصار ليننغراد في الحرب العالمية الثانية

المدنيون أبرز ضحايا حصار ليننغراد في الحرب العالمية الثانية

حصار برلين

تعتبر عملية حصار برلين من بين أول مواجهات المعسكرين الشرقي والغربي في الحرب الباردة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد انتهت المفاوضات بين المنتصرين دون اتفاق نهائي حول مستقبل وضع ألمانيا وعاصمتها برلين، فاتفقت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا في 1948 على توحيد مناطق نفوذها في الجزء الغربي من برلين، مما أثار غضب الاتحاد السوفييتي الذي قرّر ضرب حصار على هذا الجزء لإجبار القوات الغربية على الانسحاب، لكن الأخيرة تمسكت بمواقعها، كما قامت الولايات المتحدة بإرسال مساعدات عن طريق جسر جوي لحوالي المليونين من لسكان برلين سنة 1949، فقام السوفييت بفك حصارهم واعتبرت الولايات المتحدة ذلك انتصارا حققته ضد السوفييت في أولى إرهاصات الحرب الباردة، وهكذا تم رفع الحصار بالإعلان عن قيام جمهورية ألمانيا الغربية الرأسمالية في 5 أغسطس 1949 وألمانيا الشرقية الاشتراكية في 7 أكتوبر 1949، لكن الأزمة تجددت سنة 1961 فتم بناء جدار برلين للفصل بين الألمانيتين، والذي تم هدمه سنة 1989 كمقدمة لإنهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي.

طائرات أمريكية من الجسر الجوي الذي أنشأته لفك الحصار عن برلين الغربية

طائرات أمريكية من الجسر الجوي الذي أنشأته لفك الحصار عن برلين الغربية

حصار بيروت

يعد حصار بيروت أحد أهم مراحل الغزو الإسرائيلي للبنان سنة 1982، في إطار عملية سلام الجليل بقيادة آرييل شارون، والتي هدفت إلى إضعاف أو طرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وفرض بشير جميل، رئيس حزب الكتائب المسيحي، كرئيس للبنان لجر البلاد إلى توقيع معاهدة سلام تدخلها رسميا إلى دائرة نفوذ إسرائيل.

حشد شارون قوات أكبر من التي واجهت الجيشين المصري والسوري في حرب أكتوبر 1973، فتَحرّكت مجموعة على طول الطريق الساحليِ إلى بيروت، وهدفت الأخرى إلى قطع طريق بيروت دمشق الرئيسي، وتَحرّكَت الثالثة على طول حدود لبنان مع سوريا، من أجل حَجب التعزيزات أو التدخل السوريِ، ثم اكتسبت إسرائيل تفوقًا جويًا بعد إسقاط عدد مِن المقاتلات السورية، فاضطر مقاتلو وفدائيو منظمة التحرير الفلسطينية بسبب الفارق المهول في القوى إلى التراجع عن مواقعهم في صور وصيدا إلى بيروت.

صورة شهيرة للدمار الذي لحق بالمدينة الرياضية في بيروت جراء الحصار والقصف الإسرائيلي

صورة شهيرة للدمار الذي لحق بالمدينة الرياضية في بيروت جراء الحصار والقصف الإسرائيلي

قام الجيش الإسرائيلي بمهاجمة العاصمة اللبنانية بيروت بحرًا وجوًا وأرضًا، وتم قطع إمدادات الغذاء والمياه والكهرباء، وتم احتلال المطار وبعض الضواحي الجنوبية، وعانى المدنيون من الحصار الخانق والقصف المتواصل، واحتل الإسرائيليون عدة مواقع رئيسية في بقية لبنان، لكنهم لم يستطعوا أَخذ المدينة بسبب عنف المقاومة التي أبداها فدائيو منظمة التحرير ومقاتلو المقاومة اللبنانية وجنود أحد ألوية في الجيش السوري طوال 3 أشهر، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق في 18 أغسطس 1982، وصل بموجبه في 21 أغسطس 1982 350 جندي مظلات فرنسي إلى بيروت، وتلاهم 800 جندي بحرية أمريكي وجنود حفظ سلام دوليين إضافيين بقوة إجمالية بلغت حوالي 2130 جندي للإشراف على خروج مقاتلي منظمة التحرير، أولًا بالسفن وبعد ذلك برًا، إلى تونس، اليمن، الأردن، وسوريا.

غلاف مجلة تايم لـ 16 أغسطس 1982

غلاف مجلة تايم لـ 16 أغسطس 1982

يقدر مجموع ضحايا أفراد الجيش والمدنيين في حملة لبنان (حتى الحصار وأثنائه) 17825 شخص. باستثناء 2000 قتيل سوري، 1400 من منظمة التحرير الفلسطينية و1000-3000 مدني قَتلوا في الحملة الجنوبيةِ، 1000 من منظمة التحرير الفلسطينية قَتلوا في الحصار، و368 من الجيش الإسرائيلي.

حصار سراييفو

يعتبر حصار سراييفو من أطول حصارات الحروب الحديثة، فقد استمر من 5 أبريل 1992 حتى 29 فبراير 1996، أي ما يعادل 3 سنوات، 10 أشهر، و3 أسابيع، و3 أيام، ما مجموعه 1425 يومًا، وبذلك يكون هذا الحصار أطول ثلاث مرات من حصار معركة ستالينجراد، وأطول بسنة من حصار لينينغراد.

بدأت قوات جيش يوغسلافيا الشعبي بمحاصرة ساراييفو عاصمة البوسنة والهرسك بالاشتراك مع جيش جمهورية صرب البوسنة، وكان ذلك خلال حرب البوسنة حيث نشب الصدام بين قوات الحكومة البوسنية من جهة والجيش الشعبي اليوغوسلافي (JNA) والقوات الصربية (VRS) من جهة أخرى، حيث أعلنت الحكومة البوسنية الاستقلال عن يوغوسلافيا فأرادت القوتان الأخريان القضاء على الدولة الوليدة للبوسنة والهرسك وقيام بدلًا مِنها الجمهورية الصربية للبوسنة والهرسك.

تدمير مبنى البرلمان البوسني خلال الحصار الصربي على سراييفو

تدمير مبنى البرلمان البوسني خلال الحصار الصربي على سراييفو

تعتبر قصة نفق سراييفو من أروع قصص محاولات فك الحصار عبر التاريخ، حيث قام البوسنيون ببناء نفق طوله 800 متر عبر منطقة مدرج مطار سراييفو بين بوتمير ودوبرينيا وذلك في ظروف صعبة جدا بين أواخر نوفمبر 1992 ويوليو 1993، ليسمحوا بمرور الذخائر للمساهمة في الدفاع عن المدينة وحمايتها من السقوط في يد الصرب، وكذلك عبور الأفراد والمساعدات الغذائية والطبية التي ساعدت أهل سراييفو على تحقيق الحد الأدنى من القدرة على الصمود.

نفق سراييفو من الداخل

نفق سراييفو من الداخل

متحف نفق سراييفو في البوسنة

متحف نفق سراييفو في البوسنة

رفع الحصار عن المدينة بعد توقيع اتفاق دايتون للسلام، وقدر عدد الضحايا خلال الحصار ب 12 ألفا، وعدد الجرحى يزيد على 5 ألآف  85% منهم مدنيون، وبسبب أعداد القتلى المتصاعدة وعمليات الهجرة القسرية فقد تقلص عدد السكان في عام 1995 إلى 334.664 نسمة ما يمثل 64% من نسبة السكان قبل الحرب.

حصار كنيسة المهد

هو حصار فرضته قوات الجيش الإسرائيلي على المسلحين الفلسطينيين داخل كنيسة المهد في مدينة بيت لحم بين 2 أبريل 2002 و 10 مايو 2002 في فترة الانتفاضة الثانية، فكانت مواجهة بين 300 مقاتل فلسطيني مسلحين ببنادق كلاشنكوف وبنادق إم16، والإسرائيليين الذين حشدوا 3000 جندي و 20 دبابة و 30 طائرة مقاتلة.

كنيسة المهد من الخارج

كنيسة المهد من الخارج

بدأت الأحداث بعد اجتياح القوات الإسرائيلية لمدينة بيت لحم في الضفة الغربية، حيث دارت اشتباكات بين المسلحين الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي على أطراف المدينة، ليتحصن المقاتلون في نفس الليلة داخل كنيسة المهد، ففرضت قوات الاحتلال حصارا على الكنيسة دام لمدة 40 يوما وجرت أثناء الحصار مواجهات متقطعة بين المقاتلين والجنود الإسرائيليين أسفرت عن مقتل جنديين وجرح 7، واستشهاد 8 مقاتلين وجرح 14، وعقدت مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي من قبل المنظمات الدولية والاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية، ليتم إبعاد المسلحين الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى قطاع غزة وبعض الدول الأوروبية.

كنيسة المهد من الداخل

كنيسة المهد من الداخل

حصار غزة

هو حصار خانق فرضته القوات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد نجاح حركة حماس في الانتخابات التشريعية سنة 2006، ثم عززت الحصار في 2007 إثر سيطرة الحركة على غزة بعد أحداث دامية في يونيو 2007. ويشمل الحصار منع أو تقنين دخول المحروقات والكهرباء والكثير من السلع، من بينها الخل والبسكويت والدواجن واللحوم ومنع الصيد في عمق البحر، وغلق المعابر بين القطاع وإسرائيل وتدمير المطار.

نفق هجومي فلسطيني ضد الجيش الإسرائيلي

نفق هجومي فلسطيني ضد الجيش الإسرائيلي

ليبقى الخيار الوحيد أمام سكان غزة الاعتماد على شبكة معقدة من الأنفاق تربط القطاع بالجانب المصري عبر مدينة رفح، أو كما حدث سنة 2008، عندما قام الآلاف من الفلسطينيين في 23 يناير من تلك السنة باقتحام الحدود على الجانب المصري والدخول للتزود بالمواد الغذائية من مصر بعد نفاذها من القطاع، وعبر في هذا الاقتحام ما يقرب من 750 ألف فلسطيني.

أنفاق غزة الشريان الأساسي للتخفيف من الحصار المفروض على القطاع

أنفاق غزة الشريان الأساسي للتخفيف من الحصار المفروض على القطاع

جرت عدة محاولات دولية لكسر الحصار عبر سفن تضامنية، لكن يبقى أشهرها أسطول الحرية التركي، ففي شهر مايو من سنة 2010، تحركت ستة سفن ضمن ما أطلق عليه اسم أسطول الحرية أكثرها تركية، ضمت حوالي 750 راكبًا من تركيا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، أيرلندا، اليونان، بالإضافة لعرب ومواطني دول أخرى، مع أكثر من 10 آلاف طن من مواد الإغاثة والمساعدات الإنسانية، وقد تم إيقاف هذه القافلة، وبالتحديد سفينة مافي مرمرة من قبل قوات البحرية الإسرائيلية التي استخدمت الرصاص الحي ضد الناشطين موقعة 19 قتيلا وعددا آخر من الجرحى. وأدت تلك الأحداث إلى زيادة الضغط الدولي على إسرائيل لرفع الحصار، فقامت بتخفيف شكلي للحظر المفروض على بعض السلع لم يساهم في رفع المعاناة عن سكان القطاع، بل الأكثر من ذلك، فقد تخللت الحصار ثلاث مواجهات بين الجيش الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في 2008-2009 و 2012 و 2014 زادت من تدهور الأوضاع بشكل واضح، ومازال الحصار مستمرا حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد